في ملف إدارة النفايات وفي كل الملفات ذات العلاقة بالقضايا المتعلقة بمعيشة الناس ومصالح الشعب وخدماته الأساسية، أثبتت السلطة السياسية، التي تحكم البلاد منذ اتفاق الطائف حتى اليوم، عجزا فظيعا، وقصورا فاضحا، وإدارة الظهر لمصالح الشعب العامة، بل تمادت في السعي لتحقيق مصالح فئوية وذاتية للفئات النافذة، وذات الحظوة في تركيبة السلطة الطائفية – المذهبية، المتحالفة بشكل يصل إلى حد الإندماج مع مصالح الفئات العليا من البرجوازية الليبرالية – المالية الريعية، التي تتحكم باقتصاد البلاد، وتطبق على حركته بشكل تام ومحكم.

أثبتم عجزكم عن القدرة على وضع سياسة إدارة متكاملة للنفايات ترتكز على الرؤية الحديثة، التي تعتمد مبدأ اعتبار النفايات موارد ذات قيمة يمكن استردادها. سياسة تعتمد على رؤية متكاملة، تبدأ مع التخفيف، عبر اعتماد أدوات اقتصادية ومالية وضرائبية تهدف لترشيد الإستهلاك، والحد من انتاج واستيراد السلع، التي تولد كميات كبيرة من النفايات، يصعب التعامل معها لناحية فرزها واستردادها والتخلص النهائي منها بأشكال سليمة بيئيا وآمنة صحيا. وتتابع مع الفرز من المصدر، وإعادة الإستعمال والتدوير والمعالجة، والتخلص النهائي من متبقيات تلك العمليات بطرق سليمة بيئيا، وآمنة صحيا ومعقولة الكلفة.

أنتم عجزتم طوال ما يقارب الثلاثة عقود عن إرساء هذه السياسة، وعن تثبيت هذه الاستراتيجية وتأكيد تلك المباديء. أنتم لجأتم إلى قرارات تستجيب لمصالح فئات نافذة في سلطتكم، في ظل تقاسم المصالح وتبادل الخدمات فيما بينكم.

أنتم عجزتم عن مناقشة مشروع قانون النفايات والبت به في مهل طبيعية، فتركتموه يتعفن في أدراجكم ما يزيد عن 12 سنة، لتسحبوه من كُمِّكُم في لحظة لم ينطلق معها العمل التشريعي للمجلس النيابي الجديد. ولتقروه دون مناقشة في أقل من نصف ساعة، حتى أنكم لم تقوموا بإزالة الشوائب الفاقعة منه. بل كان كل همكم تمرير الضوء الأخضر لمحارق النفايات، التي توحدتم حولها، كتعبير جديد عن مصالحكم في استنزاف المال العام، في إدارة غير سليمة بيئيا، وغير آمنة صحيا للنفايات، بعدما حولتموها بقراراتكم وبسياساتكم الرعناء الى أزمة متمادية، جعلت من البلاد مزبلة متنامية، حتى غطت مساحة الوطن، ملوثة كل ما فيه من معطيات طبيعية، من بحر وشواطيء وأنهار وينابيع وأراض وجبال ووديان وهواء، حتى بات لبنان البلد الأول في معدلات التعرض للأمراض السرطانية على أنواعها، وللأمراض المزمنة والخطيرة الأخرى.

أنتم فاشلون في أسلوب حكمكم للبلاد، وإدارة شؤونها وفق رؤية واضحة، وتخطيط استراتيجي يعتبر في أساس أهدافه تحقيق التنمية المستدامة، ورفع مستوى حياة الشعب وتحسين جودتها.

أنتم بعجزكم وقصوركم وتغييبكم للمصالح العليا للشعب اللبناني لصالح منافعكم، تعرضون بيئة لبنان لأكبر المخاطر بالتدهور والتلويث والتدمير. وتعرضون صحة اللبنانيين لأكبر المخاطر، لهذا الجيل وللأجيال القادمة.

أنتم بما تمارسونه من سياسة التلويث الواسع والعميق، لكل عناصر وأوساط البيئة اللبنانية، وبالتالي بتعريضكم الأمان الغذائي لأكبر التهديدات والمخاطر، عبر ترككم ملايين الأمتار المكعبة من المياه المبتذلة غير المعالجة، والتي تحتوي على كل أنواع الملوثات البكتيرية والعضوية والكيميائية، ترمى مباشرة في البحر والأنهار والمجاري المائية، مهددة سلامة الثروة المائية والأمن الغذائي للشعب اللبناني في كافة المناطق. وكذلك عبر سوء إدارتكم لكل أنواع النفايات. فبعد أن نهبتم المال العام وصندوق البلديات وأموال القروض الدولية والداخلية، وبعد أن جعلتم بحر لبنان مزبلة عالية التلوث بكل المؤشرات ومن كل الأصناف والأنواع، تسارعون اليوم إلى التوافق على المحارق، وكأنها الترياق، الذي سيحل أزمة عجزكم وقصوركم، وعَدْوكُم وراء منافعكم ومنافع أزلامكم وأتباعكم، في حين أنها الوسيلة الوسيلة الأكثر كلفة، والأكثر تلويثا، والأكثر خطرا على سلامة البيئة والصحة العامة.

مع إقراركم للمحارق، يدخل لبنان عصرا جديدا من التلوث البيئي الخفي وعالي الخطورة. فأنتم عاجزون وقاصرون عن مراقبة أكثر مؤشرات التلوث خطرا على الصحة العامة. وسوف تغمضون عيونكم وعقولكم وتٌبِنِّجون ضمائركم عنها.

مع محارقكم، يدخل لبنان عصر الإنهيار الصحي الشامل، وتزايد معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المستعصية والمزمنة، لتصل إلى أرقام قياسية جديدة في السنوات العشرة القادمة.

لا بورك للبنان برلمانكم الجديد، الذي افتتح نشاطه بهذا الإنزلاق الخطير نحو إغراق البلد وبيئته وصحة أبنائه وأجياله في خضم مخاطر وتهديدات لا يعرف المدى، الذي ستصل إليه مع انتشار محارق النفايات في كل مناطق لبنان.

ولا بوركت للبنان حكومته الجديدة، التي تتشكل على وقع هذا المنحى الخطير في معالجة أزمات البلد، على حساب مصالح عموم الشعب وأجياله الآتية، تلبية لمنافع حفنة من المتحكمين والقاصرين والفاشلين والعاجزين عن ابتداع سياسات للبنان تؤمن تحقيق التنمية المستدامة لشعبه واقتصاده وتحسين معيشته.

 

Pin It on Pinterest

Share This