هل مياه البحر في لبنان ملوثة؟

يقلق هذا السؤال كل اللبنانيين. فمن يقصدون البحر للإستجمام والسباحة يقلقون على سلامة الشواطيء الرملية والصخرية، التي يرتادونها لناحية الإطمئنان إلى أمانهم الصحي واحتمالات تعرضهم للإصابات الجرثومية الجلدية وغير الجلدية. ومن يقومون بنشاط الصيد البحري، موردا للرزق، وكذلك محبو ثمار البحر ومستهلكوها المنتظمون، يقلقون على سلامة ثمار البحر من أسماك وغيرها لناحية مؤشرات التلوث الكيميائي والمعادن الثقيلة. وبالعموم كل أصحاب المصالح الإقتصادية والمستثمرين في أنشطة تتعلق بالبحر من مسابح ومنتجعات وفنادق ومطاعم، ومرافيء للصيادين، وغطاسين محترفين وهواة، على طول الشاطيء اللبناني.

إذن، هذا السؤال، بشأن مستويات التلوث الحقيقية لمياه بحر لبنان، هو سؤال مشروع وعالي الأهمية لعموم الشعب اللبناني بكافة فئاته.

نخلص لنقول أن من واجب مؤسسات الدولة المعنية بمصالح اللبنانيين، الذين يعيشون حالة القلق المشروع هذه، أن تقدم لهم بشكل منتظم تقارير موثوقة، صادرة عن مرجعيات مسؤولة وعلمية لا يرقى إليها الشك، وتتمتع بالمصداقية العالية على كل المستويات.

لماذا حالة القلق بشأن احتمال تلوث مياه شواطيء لبنان مشروعة؟

يجد هذا القلق تبريره المنطقي عند النظر في سياسات واستراتيجيات الدولة اللبنانية، حكومات وبرلمانات متعاقبة منذ عقود، وفيما تقوم به واقعيا الوزارات والمؤسسات المعنية بالإدارة السليمة بيئيا والأمنة صحيا لكل أنواع النفايات، السائلة منها والصلبة، المتولدة عن كل المصادر.

كان عدد مصبات المياه المبتذلة غير المعالجة في مياه البحر على طول الشاطيء اللبناني 23 مصبا في العام 1997، وأصبح اليوم يزيد عن 57 مصبا. ليس فقط زاد عدد هذه المصبات، وازدادت كثافتها، أي تقاربت المسافات فيما بينها عن السابق، بل تضاعفت كميات المياه الآسنة غير المعالجة، التي تنقلها إلى شواطئنا، نظرا لزيادة عدد السكان، وزيادة معدلات كمية المياه المستعملة لكل شخص، وزادت الأنشطة السياحية من كل نوع على طول الساحل اللبناني. ومن جهة أخرى لم يجر تنفيذ ما كان قد وضع من خطط لبناء وتشغيل 9 محطات كبيرة لمعالجة المياه المبتذلة في المدن والمواقع الساحلية. من الضروري أن يعرف المواطنون أن ليس كل ما يسميه مجلس الإنماء والإعمار “محطة لمعالجة المياه المبتذلة” يكون بالفعل والواقع محطة تقوم بالمعالجة المطلوبة والمعروفة لدى العارفين في هذا العلم وهذه الصناعة. فمعظم هذه المحطات هي محطات لضخ المياه المبتذلة غير المعالجة في البحر إلى مسافات تتفاوت بين 1500 و1800 متر بعيدا عن الشاطيء. وبالتالي تعيدها التيارات وأمواج البحر مع روائحها إلى الشاطيء والمدن والبلدات القريبة. هذه حالة محطة الغدير الشهيرة ومحطة صيدا أيضا، التي لا تزال حتى هذه اللحظة محطة للضخ، ولم ينفذ بعد مشروع إضافة أقسام المعالجة اليها. بعض هذه المحطات، ونقصد محطة طرابلس، تعمل لفترة بفعالية محدودة، وتعود للتوقف لما تعانيه من صعوبات في ظروف التشغيل.

عندما نقول المياه المبتذلة للصرف الصحي ، يظن البعض أنها المياه الآتية من البيوت والمطاعم والمؤسسات التجارية فقط. في حين أنها في لبنان، هي خليط عجيب من كل أنواع المياه المستعملة في المستشفيات والعيادات الطبية، بما فيها عيادات طب الأسنان، التي لا يزال يستعمل بعضها بكثافة حشوات الملغم الزئبقي، المسماة خطأ “رصرصة”، والتي تحتوي على 50 بالمئة من وزنها زئبقا صافيا، هذا المعدن الثقيل عالي السمية، والقابل للتراكم الحيوي في أنسجة الأسماك وثمار البحر. إضافة طبعا للنفايات السائلة للعديد من المؤسسات الصناعية الصغيرة والمتوسطة، التي ترمي تدفقاتها في شبكة مجارير الصرف الصحي للمدن والبلدات الساحلية.

في مسألة تدفق المياه المبتذلة للصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر في لبنان، نجد من الضروري التأكيد على أن آثار هذه الممارسة هي ذات أبعاد محلية وموضعية، أي أن أضرارها الكبيرة تكون محصورة في منطقة تدفقها وفي مسافات غير بعيدة حسب اتجاه التيارات البحرية والرياح السائدة على الساحل اللبناني. إذا قيمنا المسألة في القياس المتوسطي العام، أي في بلدان حوض البحر المتوسط، التي يحتل لبنان من شواطئها مسافة 220 كلم فقط، وإذا أخذنا في الحسبان عدد سكان لبنان، حتى وإن احتسبنا عدد النازحين العرب إليه، تبقى مساهمة لبنان النسبية في تلويث البحر المتوسط محدودة بالمقارنة مع مدن مليونية كبرى على سواحله ترمي مياهها المبتذلة دون معالجة أو بمعالجات محدودة جدا، مثل مدينة إزمير التركية ونابولي الإيطالية وبرشلونة الأسبانية والإسكندرية المصرية، إضافة لمدن فلسطين المحتلة الساحلية.

إن الآثار السلبية، والمخاطر على المنظومة البيئية البحرية، وعلى الصحة البشرية، لتدفق مياه لبنان المبتذلة إلى البحر دون معالجة، لها أبعاد محلية وموضعية تستحق أخذها بالحسبان لدى تقييمنا للمخاطر البيئية والصحية لهذا النوع من التلوث، وهو بمعظمه تلوث عضوي وجرثومي، حتى وإن إحتوى أحيانا وفي نقاط محددة، لا تحتمل التعميم، على كميات محدودة من الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة.

ماذا عن النفايات السائلة الصناعية لمصانع محافظات لبنان الواقعة في بيروت وجبل لبنان والشمال والجنوب على المقلب الغربي لجبال لبنان الغربية وللمدن والبلدات الساحلية، وهي تشكل الأكثرية الساحقة لمؤسسات لبنان الصناعية الصغيرة والمتوسطة والكبيرة؟

ربما هناك عدد محدود جدا من المؤسسات الصناعية من كل الفئات، التي تقوم بمستوى معين من المعالجة لنفاياتها السائلة قبل التخلص منها في البحر أو في الأنهار أو في المجاري الشتوية المؤدية إلى البحر، أو في شبكات الصرف الصحي، التي تصب في نهاية المطاف في البحر. ولكن كل المؤسسات الأخرى تقوم برمي مخلفاتها السائلة دون أي معالجة.

إذن، تشكل التدفقات السائلة الصناعية غير المعالجة مصدرا آخر لتلويث مياه البحر على سواحل لبنان، وإن تكن بكميات أقل من المياه المبتذلة للصرف الصحي، ولكنها تحتوي على باقة من الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة، ولو بكميات محدودة، إضافة للملوثات العضوية والجرثومية.

وماذا عن النفايات الصلبة المنزلية؟ مكباتها العشوائية على طول الساحل اللبناني، في مدنه وبلداته وقراه، كما هي الحال في طرابلس وبرج حمود وصيدا وكثير غيرها. وكذلك، ما يطلق عليه تسمية “مطامر صحية”، وهي على أقل تقدير، مطامر غير نظامية، في الكوستابرافا وبرج حمود. هذه المكبات والمطامر، مع ما يرافقها من مشاريع ردم للبحر، كانت النفايات مادة أساسية لعمليات الردم فيها، كما كان الأمر في برج حمود، وفي “بحيرة” صيدا، وما سيكون عليه الحال في ما يخطط له من مطمر في طرابلس، تشكل مصدرا مهما من مصادر تلوث مياه البحر على السواحل اللبنانية. نقول غير نظامية، لأننا وثَّقنا بالوقائع والصور والتقارير الرسمية أن الجانب الغربي من مطمر الكوستابرافا بقي دون عزل نظامي كما كل جوانبه الأخرى، وذلك عن سابق تصور وتصميم، لتيسير عملية تسرب العصارة إلى البحر، أو على الأقل، جزء كبير منها، دون معالجة.

إن عصارة المكبات العشوائية والمطامر الصحية للنفايات الصلبة، التي تحتوي على حوالي 50-60 بالمئة منها مكونات عضوية قابلة للتحلل والتفكك والتعفن، تحمل مستويات، من معظم مؤشرات الملوثات، عشرات الأضعاف من تلك الموجودة في المياه المبتذلة للصرف الصحي، لناحية التلوث العضوي والحمضي و”الحاجة البيولوجية للأكسجين” BOD و”الحاجة الكيميائية للأوكسجين” COD، وكذلك المؤشرات الجرثومية على أنواعها.

يقع على طول الساحل اللبناني عدد من المرافيء و الموانيء التجارية الكبرى والمتوسطة، كما هو الحال في بيروت وطرابلس وصيدا وصور، بالإضافة إلى موانيء متخصصة لاستقبال المشتقات النفطية، في دير عمار وسلعاتا وذوق مكايل والجية، وكذلك عدد من المارينات والموانيء السياحية ومرافيء الصيد، كلها تشكل مصادر محتملة لتلويث البحر بالمشتقات النفطية والزيوت المعدنية والشحوم.

هذه بالإجمال والعموم، أسباب ومصادر تلوث مياه البحر في لبنان على طول شواطئه وسواحله، من العريضة حتى الناقورة. ترتبط بتلكؤ الدولة، حكومات وبرلمانات ووزارات ومؤسسات مسؤولة عن القيام بالحد الأدنى المطلوب منها، لوضع سياسات واستراتيجيات إدارة سليمة بيئيا وآمنة صحيا لكل مصادر التلوث هذه، ولوضع نظم للإدارة تحمي كل شواطيء لبنان وسواحله ومنشآته الإقتصادية والسياحة، العامة والخاصة، من مخاطر التلوث من كل نوع ولون ومصدر.

ليس مهما الغرق في نقاش وجدل بيزنطي بشأن هذا التقرير أو ذاك، أو بشأن مدى دقة هذه النتائج أو تلك، أو مدى محدودية صلاحية هذه النتائج من حيث المكان والزمان ونطاق الأثر. وما هي عوامل الحد من إطلاق الخلاصات النهائية بشأن هذا الرقم أو ذاك، من تلك التي عمرت بها صفحات الجرائد وشاشات التلفزة ووسائل الإعلام على تنوعها. كل هذا لا يقدم ولا يؤخر بوصة واحدة في المستويات الواقعية لتلوث مياهنا وشواطئنا وسواحلنا، بل لكل مصادر المياه، بل لكل أوساط البيئة عندنا.

في المقالة القادمة سوف نتناول بالنقاش التقارير، التي صدرت عن مركز البحوث الزراعية وعن مركز علوم البحار التابع للمركز الوطني للبحوث العلمية.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This