أزمة النفايات في النبطية ومنطقتها، ليست وليدة الأمس. وكذلك ما تعانيه صور ومنطقتها من “السيندروم” نفسه. وهي امتداد محلي لأزمة سياسة إدارة النفايات على المستوى الوطني، المستمرة منذ مطلع التسعينات حتى اليوم.

في تجلياتها المركزية، تبدو أزمة سياسة إدارة النفايات وليدة ممارسات لقوى السلطة حيال هذا الملف، حيث الحرص على عدم السير في سياسة الإدارة المتكاملة السليمة بيئيا، تماشيا مع مصالح ومنافع تحصدها من عقود بمئات ملايين الدولارات على حساب المال لعام، ولا سيما الأملاك العامة البحرية، حيث تقوم المطامر غير النظامية على الشاطيء، مترافقة مع ردم البحر لمساحات كبيرة من الواجهة البحرية. لا هم لهم أن يؤدي ذلك إلى إعدام مساحات من الشاطيء اللبناني وتلويث البحر.

في تجلياتها المناطقية، ولا سيما في الجنوب اللبناني، في منطقتي صور والنبطية تحديدا، يظهر العجز والقصور فاقعا عند كل القوى المعنية بإدارة النفايات في هذه المناطق. لطالما كانت إدارة هذا الملف في عهدة قوى السلطة في هذه المناطق، سياسيا وبلديا، المجالس البلدية التي تتكون بمعظمها الغالب من القوى نفسها، وكذلك الأمر ينسحب على إتحادات البلديات في هذه المناطق.

هذه هي الحقيقة. فمنذ بدايات التسعينات، اقتصرت قرارات الحكومات المتعاقبة بشأن إدارة النفايات على منطقتي بيروت وجبل لبنان، حيث تترك باقي المناطق اللبنانية، في الشمال والبقاع والجنوب، في عهدة القوى السياسية النافذة فيها، لتتدبر أمرها بالطريقة التي تراها مناسبة.

رأت هذه القوى، عبر بلدياتها واتحادات بلدياتها أن تنحو منحى تعطيل ما تيسر من معامل للفرز، تم بناؤها وتجهيزها عبر هبات من الإتحاد الأوروبي، قرعت المزاميز وأطلقت الزغاريد في حفلات افتتاحها. أتى هذا التعطيل نتيجة العجز والقصور عن الإتفاق على سياسة سليمة لإدارة النفايات، وعبر تناتش المصالح والمنافع على تلزيماتها وحصاد موازناتها، دون النظر إلى جودة الخدمات المطلوب تقديمها، أو إلى رؤية تنم عن إدراك الحاجة إلى اتباع الإدارة المتكاملة بكل حلقاتها الضرورية والمترابطة.

فكان أن اقفل معمل “أنصار” وتحول إلى مأوى للكلاب الشاردة، ومشرعة أبوابه وتجهيزاته للتلف. ودخل بعد ذلك معمل “الكفور” أزمة إدارته، وما نشأ عن ذلك من أزمات انتهت بإقفاله، ومعه إقفال مكب الكفور العشوائي، الذي كان ضحية مرافقة لفشل تشغيل معمل الفرز والمعالجة.

ماذا كان يعيق الإتفاق على تطبيق المراحل الثلاثة المترابطة، التي تستلزمها الإدارة المتكاملة للنفايات؟

في المرحلة الأولى، لماذا أبقينا على الجمع والنقل في شاحنات الكبس والضغط، التي توزع عصارة النفايات على مسارات تنقلها من الأحياء والبلدات وصولا إلى معمل الفرز؟ أي عقل هذا الذي يتيح لكميونات الكبس والضغط و”الخبص” أن تنقل النفايات إلى معمل للفرز، عليه أن يقوم بفرزها وفصل مكوناتها وتدويرها ومعالجتها واستراداد قيمة الموارد فيها؟

في المرحلة الثانية، ماذا فعلنا من أجل حسن إدارة وتنظيم العمل في معمل الفرز والمعالجة، وتشغيل العدد الكافي من العمال، وتنظيم نوبات العمل بما يتناسب مع التعامل المقبول مع كميات النفايات التي يستقبلها. لماذا تم غض الطرف عن كل الثغرات ونقاط الضعف وهزال فعالية العمل فيه حتى بلغ الفشل ذروته، وتصاعدت تبعات الأزمة وصولا إلى التحركات الشعبية لإقفاله وإقفال المكب العشوائي، الذي كان يتكيء إليه لستر فشله الذريع في تحقيق الأهداف الأساسية، التي أنشيء المعمل من أجلها، أي الفرز والتدوير والمعالجة.

في المرحلة الثالثة، ماذا فعلنا لإنشاء مطمر صحي يستقبل متبقيات عمليات الفرز والتدوير والمعالجة، التي ينبغي أن تتحقق بأعلى فعالية ممكنة، نوعيا وكميا، حيث يجب أن لا تزيد نسبتها عن 25-30 بالمئة في البداية، وأن تتناقص هذه النسبة تدريجيا مع تقدم العمل، والتخلص النهائي منها بطريقة سليمة بيئيا وآمنة صحيا.

إن العجز والقصور عن توفير الشروط الملائمة لتحقق هذه المراحل الثلاثة في ترابطها وفي وظيفتها الحقيقية، هو الذي أوصل النبطية ومنطقتها، وكذلك صور ومنطقتها، إلى ما وصلت إليه من حالة مزرية.

بدل أن يتم التصدي لتحقيق هذه الشروط وتشغيل المعمل باعتباره القلب النابض، والحلقة الأهم، في هذه السلسلة المترابطة من الحلقات الثلاث، والعمل على اكتمال عقدها وحسن تشغيلها وإدارتها، انشغلت تلك القوى، بمسؤوليها عن العمل البلدي، وبمجالسها البلدية وباتحاداتها، في تسويف الوقت، وفي استحداث المزابل والمكبات العشوائية، حتى نما عددها باضطراد، وتجاوز الـ 40 مكبا في منطقة النبطية وحدها. لقد غرقت القوى المسؤولة عن إدارة النفايات في البحث عن أماكن جديدة لرمي نفاياتها تحت جنح الظلام حينا، وبالإسراف بعرض المغريات أحيانا أخرى، وما زالت تدور في حلقات أزمتها، غارقة لا تعرف للخروج منها سبيلا.

لقد وصل البعض، في التعبير عن حالة الفشل والعجز والقصور، أن يستسلم لقبول المحارق، أخطر الخيارات وأكثرها إيلاما للبيئة وللصحة العامة، واكثرها كلفة إنشائية وتشغيلية، وأكثرها حراجة وتعقيدا لناحية التخلص السليم من رمادها السام، والتعامل مع الملوثات عالية السمية، التي تبثها في الهواء.

إن من يظهر العجز عن إرساء الحلقات الثلاثة للإدارة السليمة بيئيا للنفايات، سوف يظهر أكثر عجزا وقصورا في إدارة مخاطر محارق النفايات، التي تهدد بها بيئة الجنوبيين واللبنانيين عموما وأمانهم الصحي، في ظل أعلى كلفة عرفوها حتى الآن للتعامل مع نفاياتهم.

ندعو إلى عدم التأجيل والمراهنة على الوقت. ندعو إلى المغادرة النهائية لأفكار اعتماد المحارق المشؤومة. ندعو إلى اتخاذ القرارات الصائبة فورا، في وضع دفاتر شروط لتلزيم شركات نقل وجمع تستعمل شاحنات لا تكبس ولا تضغط ولا تخبص النفايات، ولتلزيم تشغيل معمل الفرز اليوم قبل الغد، والبدء بإنشاء مطمر صحي لاستقبال متبقيات عمليات الفرز والتدوير والمعالجة، التي ينبغي أن يقوم بها بالفعالية المقبولة هذه المرة.

هذه هي خارطة طريق الخروج الآمن من الأزمة الخانقة لإدارة النفايات في النبطية ومنطقتها، وفي صور ومنطقتها أيضا. وهي خارطة طريق صالحة لكل مناطق لبنان دون استثناء.  ستكون طبعا أكثر فعالية ونجاحا إذا ما تم فورا إطلاق العمل بنظام الفرز من المصدر، بدءا من فصل المكونات العضوية عن غير العضوية ونقلها منفصلة إلى معمل الفرز والمعالجة.

Pin It on Pinterest

Share This