لا يمكن لدولة لا تحترم وتفعِّل قوانينها أن تبني مستقبلا تسوده العدالة والمساواة، وعدم ملاحقة ومحاسبة أي مجرم تعني ضمنا تشجيعه على الإجرام أكثر، وهذا حالنا في لبنان، ارتكابات وتفلت وممارسات أقل ما يقال فيها أنها تصيب بنية الدولة، وتدمر الأسس التي تحصنها، لا بل نقول أكثر، إن دولة يصادرها الخارجون عن القانون، المحميون من زعماء لا يتوانون عن مراعاة خواطرهم، وإن تكدر وطن بأسره، مآلها الفوضى والغرق أكثر في بؤر الفساد.

العام الماضي أقر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قانون حماية الحيوانات والرفق بها، وأصبح نافذا منذ آب (أغسطس) الماضي، إلا أنه تحول كغيره من القوانين إلى مجرد بنود وقرارات ليس ثمة من يطبقها، في ما عدا حالات نادرة لم تبلغ خواتيمها المرجوة لجهة الاقتصاص من الجناة وسجنهم وتغريمهم وفقا لمنطوق القانون عينه.

3 (23)
1 (42)

 

المجزرة

 

فجر اليوم استفاقت مزرعة العم التسعيني المعروف باسم “عمو محمود” على جريمة مروعة، طاولت ما يقارب مئة كلب في طرابلس، بالقرب من الجامعة العربية شمالي لبنان، لم تستهدف المجزرة الكلاب الضالة فحسب، وإنما كل تلك التي تحظى برعاية ولها أصحاب يوفرون لها الطبابة واللقاحات.

بدم بارد تم رمي الطعام المسموم بمادة “اللانيت” لينفق أكثر من 40 كلبا، عدا عن تلك المفقودة والضائعة بين القصب والاشجار، وعمليات الإنقاذ باشر بها شبان ومتطوعين مع ساعات الفجر الأولى، لكنها باءت معظمها بالفشل، واستمر نفوق الكلاب واحدا تلو الآخر.

وسط هذا المشهد المروع، طالب المنقذون المتطوعون كل من يستطيع أن يقدم مساعدة طبية التوجه الى المزرعة ومساعدتهم، كما ناشدوا المعنيين ووسائل الاعلام التحرك والتدخل، خصوصا وأن السم انتشر في مجمل المكان، فيما وجهت أصابع الاتهام لأشخاص معروفين لهم أطماع بإخلاء الارض لصالحم، وقد فاوضوا “العم محمود” على الاخلاء مقابل مبلغ كبير من المال الا ان العجوز رفض فلا حاجة له بمال هو الذي يقضي ما تبقى من سني عمره بلا أنيس غير هذه الكلاب.

 

 مادة شديدة السمية

وفيما كنا نتابع تفاصيل هذه الحادثة مع اصدقاء “العم محمود”، كانت محاولات الانقاذ مستمرة، والفيديوهات والصور تنتشر مباشرة عبر “فيسبوك” مع صور للكلاب النافقة، وكلاب تنازع البقاء، ومناشدات، ولم تفتر همة شبان تفيض منهم الانسانية والمروءة، وكان وقع الخبر صادما عليهم، ولكن لم تساورهم لحظة شك أن تكون السموم قد انتشرت عن طريق الخطأ أو أن شيئا من هذا القبيل قد حصل دون قصد، فاتخذوا إجراءات كي لا تنتقل مادة “اللانيت” إلى من هم على مقربة من مكان الجريمة، علما أن هذه المادة شديدة السمية، وثمة تشدد في بيعها واستخدامها.

وفي ما تناهى إلينا من معلومات، نضعه برسم الجهات المعنية ولا سيما تلك المولجة تطبيق القوانين، خصوصا وأن هذه الحادثة جاءت نتيجة الطمع والأذية، وبعيدا من أية اعتبارات أخلاقية ودينية وإنسانية، فأقدم الفاعل ونفذ جريمته، ليحظى بالأرض وباستثمارها، دون مراعاة لحياة الكلاب المفترض أنها مصونة بالقانون.

6 (6)
5 (9)
4 (14)

دونا ماريا نمور

 

متطوعة وصديقة لـ “العم محمود” السيدة دونا ماريا نمور، قالت لـ greenarea.me: “لم يتضح إلى الآن كم عدد الكلاب النافقة، فإحصاء عددها يتطلب بعض الوقت، إلا أن الشبان المتطوعين والاصدقاء يقومون بعملية بحث عن كلاب مفقودة، ويعملون جاهدين من أجل رفع السم المنتشر مع المأكولات في كامل الأرض”.

وأضافت: “اللافت للانتباه ايضا استعمال مادة شديدة السمية، وهذا ما ثبت من خلال نفوق الكلاب بسرعة، وثمة مخاوف الآن من طريقة رمي هذا السم، فقد يقتل أيا كان ولا سيما ممن يلتقطون شيئا عن الارض ربما يكون قد تلوث بالسم”.

وأما بخصوص العم محمود فشرحت نمور أن “العم محمود رجل مسن، لا أولاد له، يرعى هذه الكلاب منذ سنوات عدة بدون ان يكون له أي هدف من ناحية جمع التبرعات المادية، بل على العكس هو يرفضها باستمرار، ومؤخرا بدأ بتقبل مساعدات طبية وعينية”.

وتابعت نمور: “إن احد المرشحين سابقا للانتخابات النيابية وهو السد يحيى المولى بنى بيوتا على نفقته الخاصة للكلاب في الأرض ويساعد العم محمود باستمرار”، ورأت أن “هناك من له مصلحة في اخلاء الارض لاستثمارها في مشروع ما، وهذا ما يجب التحقيق فيه من قبل الجهات المختصة”.

 

علاء حسين

 

المواطن والناشط علاء حسين قال لـ greenarea.me: “إن ما استفقنا اليوم عليه هو جريمة بحق الانسانية قبل أن يكون بحق الكلاب، وقد صدمنا من هول المشاهد وحجم الألم والمعاناة التي كابدتها الكلاب قبل نفوقها”.

وأكد أن “العم محمود اخبرنا بأنه عرض عليه مبلغ 50 الف دولار مقابل اخلاء الارض لكنه رفض”، وعن تفاصيل الحادثة، قال: “اتصلنا بالقوى الامنية باكرا، أي مع ساعات الفجر الاولى وحضرت الدورية والاعلام عند العاشرة صباحا”.

وطالب حسين “بفتح تحقيق ومحاسبة الفاعلين، وحاليا نحن نعمل على رفع السم وجمع الكلاب وانقاذ ما تبقى تخوفا من تدهور الوضع وانعكاسه على الصحة العامة”.

Pin It on Pinterest

Share This