دخلت الكيمياء بقوة في حياة كل المجتمعات الحديثة، المتطورة منها وتلك التي على طريق النمو. وأصبحت المواد الكيميائية مكونات رئيسة في قطاعات ومنتجات كبيرة التنوع والإنتشار، وعلى كل المستويات، حتى باتت ملازمة لعدد كبير جدا من العمليات الصناعية والزراعية والمنتجات ومناحي الحياة، بحيث لا يمكن تخيل الحياة المعاصرة من دونها. وتتزايد أعداد المركبات الكيميائية الداخلة في المنتجات وأنشطة حياة البشر يوما بعد يوم.

إن النظر إلى فضل المركبات الكيميائية وحسناتها، لا يخفف من ضرورة العناية القصوى بالإدارة السليمة لكل الممارسات والتطبيقات والإستعمالات المرتبطة بالكيماويات، والنفايات الخطرة المتولدة عنها، ومخاطر التعرض لها، حيث أنها تمثل خطرا كبيرا على سلامة البيئة والصحة العامة.

إن الكثير من المواد والمركبات الكيميائية، مثل الملوِّثات العضوية الثابتة، شديدة السمية البيئية والبشرية وعالية الثبات والقدرة على التراكم الحيوي، التي تشمل عددا من المبيدات الزراعية والمركبات الصناعية وعددا من الملوثات عالية الخطورة، التي تتولد عن غير قصد نتيجة بعض العمليات الصناعية، ولا سيما الحرق، إن الحرق العشوائي في الهواء الطلق، أو الحرق المراقب في محارق النفايات، بما فيها تلك التي تنتمي إلى تقنيات حديثة ومتطورة. وكذلك المعادن الثقيلة، مثل الزئبق والكادميوم والرصاص، بالإضافة إلى عدد كبير من الملوثات العضوية العطرية متعددة الحلقات عالية السمية.

إن التعرض للملوثات الكيميائية، والملوثات المتولدة عن عمليات حرق النفايات، يؤدي إلى ارتفاع مخاطر الإصابة بمختلف أنواع الأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة والخطيرة. وكذلك يؤدي إلى إضطرابات في النمو وفي الوظائف التناسلية وفي نظام المناعة وما يرتبط بها من أمراض.

ملايين الإصابات حول العالم تشير إليها المنظمات الدولية، ولا سيما منظمة الصحة العالمية، من حالات التسمم والموت، وحالات الإصابة بالأمراض الخطيرة والمميتة، وبالإضطرابات العميقة في أنظمة ووظائف جسم الإنسان، حيث تكون المرأة والأطفال في مقدمة ضحايا التعرض للتلوث الكيميائي.

إن التعرض المهني للزئبق في عمليات الإستخراج الحرفي للذهب، يؤدي إلى اضطرابات عصبية هامة، وغير ذلك من الأمراض المزمنة والتأثيرات الضارة على الصحة البشرية.

لذلك، تتظافر الجهود العالمية، والبرامج والمنظمات الدولية، لدعم جهود التخفيف من استعمال الزئبق في قطاع استخراج الذهب وفي غيره من القطاعات أو التخلص النهائي منه.

تتطلب اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق إنجاز الجردات الوطنية لاستعمالات الزئبق، ووضع البنية التشريعية، ومنظومة الأنظمة والإجراءات الآيلة إلى النجاح في تطبيق الإلتزام بوقف إنتاج واستيراد واستعمال عدد من المنتجات والسلع، التي تحتوي على الزئبق، مثل البطاريات ومصابيح التوفير والمبيدات ومنتجات التجميل والكريمات، بالإضافة إلى التخفيف التدريجي من استعمال الزئبق في ملغم حشوة الأسنان، وفي العديد من أجهزة القياس مثل موازين الحرارة والضغط، وعدد آخر من الأجهزة المستعملة في قطاع العناية الصحية. وكذلك العمل على تخفيف انبعاثات الزئبق من المصادر الصناعية وغير الصناعية.

إن التلوث بالبلاستيك يشكل أيضا خطرا على البيئة والصحة، حيث أن حرق النفايات البلاستيكية يؤدي إلى انبعاث مركبات الديوكسين وغيرها من الملوثات الكيميائية عالية السمية. هناك حاجة ملحة، على المستوى الوطني والعالمي، لاتخاذ إجراءات التخفيف الفعال من استعمال المنتجات والسلع البلاستيكية. هناك برامج ومبادرات ودعوات لوقف استعمال المنتجات البلاستيكية ذات الإستعمال الواحد، وهذا أمر قابل للتحقق بسرعة إذا ما أدركنا مخاطر الإستمرار بالنهج الإستهلاكي المتفلت من أية ضوابط، في مجال استعمال البلاستيك وفي مجالات أخرى.

إن الإدارة السليمة للكيمياويات والمنتجات المحتوية على مواد كيميائية والنفايات التي تتولد عنها، وهي مصنفة نفايات خطرة عالية التهديد لسلامة البيئة بكل أوساطها، وعالية الخطورة على الصحة البشرية، تصبح يوما بعد يوم شرطا ضروريا في إطار التنمية المستدامة والعمل الجاد لتحقيق أهدافها.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This