اطلت من جديد قضية مصنع الاترنيت في شكا الذي لا يزال يشكل خطراً داهماً على السكان المحللين بعد ان عجزت الدولة اللبنانية ان تجد حلاً سليم من الناحية الصحية والبيئة للتخلص من مخزونه المتروك في الهواء الطلق بعد عقود على اغلاقه، ليشكل من كل هبة رياح خطراً دائماً ومسبباً مباشراً للعديد من الامراض ابرزها سرطان غشاء الرئة (ميسوثيليوم)، الناتج حصراً عن اليفات الاميانت.

 

كتاب الى منظمة الصحة العالمية

 

جديد هذا الملف كتاباً وجهه  جورج خوري بطلب من هيئة حماية البيئة شكا الى منظمة الصحة العالمية في جنيف، والمكتب الاقليمي للمنظمة الدولية في القاهرة. وطالب الكتاب ان تتحرك منظمة الصحة من اجل ردع الخطر عن السكان المحليين في شكا والجوار والشروع بالتعاون مع الحكومة اللبنانية الى التخلص الامن من مخزون الاترنيت الموجود في المنطقة.

رئيس هيئة حماية البيئة في شكا بيار ابي شاهين أكد لـ “الاعمار والاقتصاد” ان هذه ليست المرة الاولى التي يتم فيها رفع الصوت من أجل وضع حد لهذه الكارثة السرطانية المقيمة في المنطقة والتي تسبب بوفاة مئات الضحايا على امتداد السنوات والعقود الماضية، آملاً ان تتحرك منظمة الصحة العالمية وان تساعد الحكومة اللبنانية في وضع حد لهذه الكارثة قبل ان تسهم بالمزيد من التلوث البيئي والمخاطر الصحية الجدية على السكان.

 

مشاكل عدة في منطقة واحدة

حين تطرح القضايا البيئية الساخنة في منطقة شكا وجوارها، سرعان ما تتوجه الانظار إلى معامل الاسمنت، يليها معامل السكر وصولاً إلى مزارع الدجاج، لكن أحداً لا يحرك ساكناً تجاه الخطر المحدق منذ عشرات السنوات والمتمثل ببقاء مخزون “شركة اترنيت لبنان” من أنابيب الاترنيت “الأسبستوس” في الهواء الطلق على الطريق بين شكا والهري. في حين لا تزال هذه القضية على المستوى القضائي مجمدة ومتروكة لحارس قضائي، فلا مهمة اتلاف المخزون بطريقة بيئية سليمة، ولا إنصاف العمال والمستخدمين تشكل أولوية لأي من المتابعين لهذا الملف الحساس والخطير، سواء في وزارة البيئة أو على مستوى البلديات المعنية، لا سيما شكا والهري وكفريا وكفرحزير وغيرها من البلديات التي يتنشق اهلها يومياً غبار مادة “الأسبستوس” المسرطنة.

 

ما هو “الأسبستوس”

يطلق مصطلح “الأسبستوس” على مجموعة معادن ليفية تتكوّن طبيعياً كانت لها فائدة تجارية في الماضي، نظراً لمقاومتها غير العادية لقوة الشدّ، ورداءة توصيلها للحرارة، ومقاومتها النسبية لهجمات المواد الكيميائية عليها. ولتلك الأسباب استخدمت مادة “الأسبستوس” لأغراض العزل داخل المباني وفي تشكيلة مكونات عدد من المنتجات، مثل ألواح التسقيف، وأنابيب الإمداد بالمياه، وبطانيات إطفاء الحرائق، ومواد الحشو البلاستيكية، والعبوات الطبية، فضلاً عن استخدامها في قوابض السيارات وبطانات مكابح السيارات وحشياتها ومنصاتها.

أهمّ أشكال الأسبستوس هما الكريسوتيل (الأسبستوس الأبيض) والكروسيدوليت (الأسبستوس الأزرق). ومن الأشكال الأخرى الأموزيت والأنثوفيليت والتريموليت والأكتينوليت.

 

اقفال بدون تخلص آمن

أقفلت “شركة اترنيت لبنان” في شكا عام 1991، بعد ان ثبت ان جميع أنواع “الأسبستوس” تسبب سرطان الرئة، وورم المتوسطة، وسرطان الحنجرة والمبيض، وداء الأسبست (تليف الرئتين). ويحدث التعرض لمادة “الأسبستوس” من خلال استنشاق ألياف موجودة في الهواء في بيئة العمل، أو الهواء المحيط في منطقة مجاورة لمصادر تلوث مثل المصانع التي تتعامل بالأسبست، أو الهواء الداخلي في المساكن والمباني التي تحتوي على مواد أسبستية قابلة للتفتيت. ورغم الخطر المحدق بأهالي شكا نتيجة وجود اطنان من “الأسبستوس” في الهواء الطلق، لم يحرك أحد ساكناً. وعلى عكس الاعتقاد السائد لسنوات طويلة، فإن ألياف “الأسبستوس” لا تتحرك في التربة، ما عزز “مأمونية” استخدامها لعقود خلت، كشفت دراسة حديث صدرت عن جامعة كاليفورنيا – سان ديغو، ان التحدي الحقيقي للتخلص من الأمراض ذات الصلة بالأسبست من خلال الإجراءات الصحية العامة يجب ان تشمل المواد المدفونة في التراب، وليس فقط تلك المكشوفة في الهواء الطلق، لأن هذه المادة تشكل عامل خطورة حتى لو لم تتعرض للهواء.

وتقول الدراسة ان المواد العضوية السائلة الموجودة في التربة تحمل جزيئات “الأسبستوس”، وان تغيير في الشحنة الكهربائية لهذه الجزيئات يتيح لها التحرك بسهولة من خلال التربة، الأمر الذي يفاقم خطر انتشار هذه المادة من خلال تسربات المياه في التربة وغيرها من عوامل الانجراف والترسب، والتي قد تفضي في نهاية المطاف إلى دخول هذه الجزئيات إلى جسم الانسان عن طريق الجهاز التنفسي.

 

معاهدة بازل والقانون 387

 

تقول “منظمة الصحة العالمية” انه يتعرض حالياً نحو 125 مليون شخص في العالم لمادة الأسبست في مكان العمل. وفي عام 2004، أسفرت الأمراض ذات الصلة بالأسبست – ناجمة عن تعرض مهني – عن 107000 حالة وفاة، وهي سرطان الرئة وورم المتوسطة وداء الأسبست. لم تطرح الحكومات اللبنانية المتعاقبة مسألة إقفال المعمل وفق الأصول، وتهربت وزارة البيئة من المسؤولية تاريخياً.

واقترحت وفقا لمعاهدة بازل، والقانون 387 ان يتم نقلها إلى الخارج للتخلص منها وفق الاصول. ويحتاج التخلص من هذه المادة إلى تغليفها بغلافين عازلين، ومن ثم صبّ الأسمنت عليها وطمرها في أماكن مخصصة لهذا الغرض، وذلك وفق عملية معقدة وتحتاج إلى اجراءات خاصة. وفي العام 1998 اصدرت وزارة البيئة القرار رقم 174/1، ويقضي بمنع استيراد بعض أنواع الحرير الصخري لأغارض استخدامه في معامل المنتوجات الاسمنتية ومعامل كوابح السيارات، وهو من الكريزوتيل Crysotile Blanc Cas N. 12001-29-5، لكن كما العادة هناك تفلت وفوضى عارمة في استيراد العديد من انواع “الأسبستوس” واستخدامها دون حسيب أو رقيب.

ويقول رئيس هيئة حماية البيئة في شكا، بيار أبي شاهين، ان قضية معمل الاترنيت في شكا لا تزال يلفها الغموض، فالبعض يقول ان الدولة عاجزة، وان هناك شخصيات سياسية نافذة وضعت يدها على الملف، خصوصاً بعد إعلان افلاس الشركة من قبل صاحبها اللبناني بيار عبود الذي اشتراها بدوره من السويسري ستيفن شيدهيني”. ويضيف ابي شاهين: “صحة الناس اهم من كل الاعتبارات، وبقاء الانابيب في الهواء الطلق خطر داهم ودائم على صحة ناس، سواء في محيط المصنع أو في المكبات العشوائية، وخصوصاً في مكب حالات الذي رميت فيها بقايا الاترنيت على مدى سنوات عدة”. واردف: “في كل مرة تأتي وسائل إعلام وتقابل عمالا كانوا يعلمون في الشركة، لكن الشهود على هذه الجريمة البيئية المتمادية يرحلون الواحد تلو الآخر. ويلفت ابي شاهين الذين عمل لفترات متقطعة في مصنع الاترنيت في شكا، ان امراض السرطان لم تفتك فقط بالعمال والمدراء وجميع من عمل في هذا المصنع، بل فتكت ايضاً بعائلاتهم، لان العمال في حينها لم يتخذوا اجراءات الحماية الكافية وكان يعودون إلى منازلهم مرتدين نفس ثياب العمل، وبالتالي انتقلت جزيئات وألياف هذه المادة القاتلة إلى صدور عائلاتهم.

وبحسب معلومات “الاعمار والاقتصاد” توفي بالسرطان قبل سنوات عدة اشخاص كانوا يعملون في مصنع الاترنيت في شكا، وجميعهم جرى تشخيص حالاتهم المرضية على انها ناتجة عن “الأسبستوس”. وما زاد الطين بلّة أن اهالي المنطقة كانوا يشترون غبار “الاسبستوس” في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي الذي كانت تجمعه الشركة، فيمزجونه بالماء ليصبح كالإسمنت ويستخدمونه في اعمال الصيانة في منازلهم.

 

مراسلات ستيفن شيدهيني

قام أبي شاهين بمراسلة مؤسس شركة الاترنيت، ستيفن شيدهيني، طالباً منه أن يدفع تعويضات لأهالي المنطقة، تماماً كما فعل في إيطاليا بعد أن دانت محكمة ايطالية رجل أعمال آخر بتهمة التسبب بوفاة 2200 شخصا، وحُكم في شباط (فبراير) 2012 على ستيفن شيدهيني نفسه بالسجن لمدة 16 عاماً. لم يتجاوب شيدهيني مع مراسلات أبي شاهين، في حين لم يقدم أي من أهالي الضحايا في قضاءي البترون والكورة على رفع دعوى مماثلة أمام القضاء اللبناني أو الأوروبي.

وبحسب حيثيات الحكم الايطالي الذي نشرته هيئة الاذاعة العامة البريطانية الـ “بي بي سي”، فإن الادعاء العام دفع أثناء المحاكمة بضرورة تشديد العقوبة، مشيراً إلى أن آثار استخدام المادة ما زالت تؤثر في الضحايا. ونقلت وكالة “فرانس برس” عن بييرو فيراريس، الذي توفي والده العامل في مصنع محلي بسبب إصابته بسرطان الرئه، قوله “ستسجل هذه المحاكمة في التاريخ، لكنها لن تعيد إليّ والدي”. وكانت شركة الاترنيت قد أوقفت عملياتها في إيطاليا في العام 1986، أي بعد 6 أعوام من منع استخدام الاسبست في البلاد، تماماً كما حصل في لبنان، مع فارق جوهري، أن القضاء اللبناني اكتفى بإدارة تفليسة الشركة وعين حارساً قضائياً عليها، واكتفت المحكمة باتخاذ اجراءات من قبيل بيع بعض المعدات لتسديد نفقات المحاكمة، في حين لم يحصل اكثر من 700 عامل على تعويضاتهم، ولقد ناشد هؤلاء قبل سنوات الرؤساء الثلاثة الإلتفات إلى قضيتهم دون ان يستجيب أي من المسؤولين لطلباتهم.

 

أحدث الاحصاءات

في شباط العام 2017 عرض  الدكتور باسم القبرصي في مؤتمر نظم في الكورة، نتائج مسح اجرته منفذية الكورة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، بهدف مقارنة نسب الاصابة بالسرطان بسبب عامل البعد او القرب من شركات الاسمنت المحيطة بالكورة، واستفتاء الرأي العام حول الحلول المطروحة بين اقفال الشركات او فرض الرقابة عليها. ولقد وزعت الاستمارات في سبع قرى كورانية ما عادل 106 عائلات. واظهر المسح ان هناك عشرات الاصابات بأمراض الحساسية. لكن الاهم انه تبين، وفق عينة المسح، ان اصابات السرطان بلغت وفق ما اعلنت عنه العائلات 152 اصابة، وان 73 عائلة من اصل 106 لديها اصابات سرطانية، وان 69 عائلة لديها حالات وفاة بسبب امراض السرطان. كما اظهرت العينة ان النسبة الاعلى لانوع السرطان المنتشرة هي سرطان الرئة، يليها سرطان غشاء الرئة (ميسوثيليوم)، ثم الجهاز الهضمي، والصدر، والبروستات، والرأس، والغدد، والدم والحنجرة.

ويعلق الدكتور القبرصي على هذه النتائج بالقول ان وجود 14 حالة مصابة بسرطان ميسوثيليوم يدعو فعلياً الى القلق، لان هذا المرض قليل الانتشار، ويرتبط بشكل مباشر بالأسبستوس. ومعلوم ان معمل الاترنيت في شكا الذي بقي يعمل لعقود قبل ان يغلق في اواخر الثمانينيات من القرن الماضي، قد تسبب بانتشار هذا المرض بين العمال. ومعلوم ان وزارة الصحة اللبنانية تصدر سنوياً السجل الوطني للسرطان، لكنها تكتفي بتعداد اعداد المرضى وانواع الاصابات وتوزعها على اساس العمر والجنس، لكن الحكومات اللبنانية المتعاقبة تحجب انتشار السرطان على اساس المناطق او الاقضية، رغم اهمية هذا المعطى الاحصائي لتبيان ما اذا كانت هناك مناطق لبنانية موبوءة بسبب عوامل خاصة بها، كما هو الحال في قضاءي الكورة والبترون، حيث تعاني القرى المحيطة بمعامل الاسمنت من تفشي الامراض والاصابة بالعديد من الامراض، وغالباً ما يربط الاهالي بين التلوث الصناعي والاصابة بامراض السرطان، ولا تقدم الحكومة اللبنانية اي معلومات او معطيات من شانها تأكيد هذه الهواجس او نفيها.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This