ليس قائدا عاديا في لبنان من يعد شعبه بمكافحة الفساد. فالسيد حسن نصرالله هو ذلك القائد السياسي الكبير، الذي اتخذ هذا الأمر حلقة رئيسية من برنامج حزبه الإنتخابي. وعاد فأكد على طرحه، وبقوة لا تدع مجالا للتردد، في احتفال العيد الأكبر للبنانيين، عيد التحرير في 25 أيار (مايو) 2018.

هذه الإستفاقة مرحب بها، حتى وإن جاءت متأخرة كثيرا، بعدما نهش الفساد كل تلافيف الدولة، حتى باتت كل مفاصلها على درجة عالية من الخراب والهشاشة، ما يهدد بانهيار شامل على رؤوس الجميع، والدخول في مجهول لا أحد يستطيع التنبؤ بنتائجه على البلاد والعباد.

لقد دأبنا، ودأب غيرنا طبعا، على تسليط الضوء على مظاهر الفساد وأعراضه ونتائجه المدمرة على موارد لبنان كلها، الطبيعية منها والإقتصادية والمالية، وذلك منذ سنوات طويلة دون تحقيق أي تقدم يذكر، بعدما فقدت قوى السلطة السياسية حس الخفر من الفضيحة، فباتت تجاهر بممارسة آليات نهبها للمال العام بصلافة تجاوزت كل حدود.

نحن لا نملك خيارات بديلة عن الإستمرار في كشف مظاهر الفساد وتحليل أسبابه ورفض نتائجه ومقاومة لاعبيه، آملين هذه المرة أن تكون المعركة السياسية ضد الفساد، بكل أبعاده، جادة وحقيقية، من منطلق انخراط قوى سياسية على درجة عالية من القوة والجدية والثقة، على المستوى الشعبي، كما على مستوى مؤسسات الدولة.

إذا اعتبرنا أن الفساد لا ينحصر فقط في مظاهر الضعف الإداري، وانتشار الرشوة في كثير من المؤسسات والإدارات، وفي الصفقات الكبرى، التي تقوم بها قوى نافذة في السلطة لصالح شركات مرتبطة بها، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، مملوكة من الأزلام والأتباع هنا وهناك. وإذا اعتبرنا أن التمنع عن إعادة بناء إدارات الدولة ومؤسساتها، بعدما شهدته من تفكك وانهيار وضعف خلال سنوات الحرب الأهلية، وبعدما عرفته حكومات ما بعد الطائف من سياسة تشكيل بدائل للإدارة، عبر إدارات موازية من المستشارين وفرق العمل، حلت وتحل محل الإدارات والمؤسسات، وتقوم بما يعود لها القيام به من تخطيط وبرمجة وتنفيذ ومراقبة، مع كل ما يرافق ذلك من إنفاق للمال العام خارج الآليات والأطر القانونية، وخارج ضوابط الأنظمة المالية لعمل الدولة، عبر تشريع بدائل مخالفة للقانون في جوهرها، ومتنافية معه في روحه ومضمونه. وإذا أعتبرنا أن إرساء سوابق تحولت مع الزمن إلى أعراف وممارسات واقعية، هي مخالفة للنصوص الدستورية والقانونية، فيما يتعلق بآليات التوظيف، ومعايير التوظيف، وفي التوظيف من حيث المبدأ، واستبداله بالتشغيل بالفاتورة كأجراء، أو بعقود لا تخضع لأي معايير، لجهة قياس الكفاءة المهنية، أو الإستحقاق لجهة توفر الشروط القانونية والخلفية العلمية والخبرة. إذا اعتبرنا أن كل ذلك، ما هو إلا أعراض ومظاهر ونتائج للفساد المتملك بعقول وممارسات أصحاب القرار في السلطة السياسية. وإذا عرفنا بأن السلطة السياسية ما هي إلا تتابع الحكومات والبرلمانات، التي تعاقبت على حكم لبنان منذ مطلع التسعينات حتى اليوم، فماهو جوهر الفساد إذن؟

نحن نعتقد أن جوهر الفساد في السلطة السياسية التي تحكم لبنان يكمن في المقاربات والسياسات والخيارات الاقتصادية والمالية والتربوية والتنموية والبيئية.

إن اعتماد الاقتصاد الريعي أساسا للسياسة الإقتصادية والمالية في لبنان، على حساب إهمال وتهميش القطاعات المنتجة من صناعة وزراعة، وكذلك السياحة باعتبارها قطاعا حيويا في لبنان، يشكل سببا من الأسباب الحقيقة لفساد الدولة. إن كل ما قامت به حكومات لبنان وبرلماناته خلال الحقبة الماضية، منذ التسعينات حتى اليوم، كان قاصرا بشكل فاضح عن الوصول إلى حد وضع سياسات تنمية هذه القطاعات، واستراتيجيات تطوير لها، مرتكزة على العناصر التفاضلية ومكامن القوة التي تتميز بها لبنانيا، والتخصصات الأكثر ملاءمة لها في الظروف اللبنانية الملموسة.

تمنعت السلطة السياسية بحكوماتها وبرلماناتها عن اعتماد سياسة مالية وضرائبية عادلة، تساهم في توفير شروط التنمية الحقيقية والحماية الإجتماعية للفئات الفقيرة وذات الدخل المحدود. وتمنعت أيضا عن وضع سياسات التحفيز وتسهيل إطلاق المبادرات الفردية الصغيرة والمتوسطة، وبقي كل ما قامت به على هذا الصعيد محدود الأثر، وقاصرا عن تحقيق الأهداف المطلوبة في تنشيط الحركة الاقتصادية، وتحقيق مستوى مقبولا من العدالة الإجتماعية.

تمنعت الحكومات والبرلمانات عن وضع سياسات تعيد معها للمدرسة الرسمية والجامعة الوطنية الدور الريادي، الذي كانت تلعبه في العقود الماضية، في تكوين الكوادر الوطنية. وأن تعيد إليها المستوى الرفيع من التعليم والثقافة والتربية الوطنية، والمستوى الرفيع من الإعداد الأكاديمي والبحثي والتقني، الذي تحتاجه مع تقدم العلوم والتكنولوجيا في أيامنا هذه. بل هي ذهبت لتخصيص كل شيء، وكأن الترياق يكمن في الخصخصة، بمعزل عن السياسات الوطنية المطلوبة في كل القطاعات، وفي مقدمتها قطاع التربية والتعليم العالي.

قامت الحكومات والبرلمانات، التي حكمت لبنان منذ مطلع التسعينات حتى اليوم، بإغراق لبنان في الديون، الداخلية والخارجية، حتى أصبحت خدمة الدين تستهلك قسما حيويا من موازنات الدولة. ومن جهة أخرى، بدل ملء الشواغر في الإدارة العامة بالموظفين الكفؤين، المختارين عبر الآليات القانونية لمجلس الخدمة المدنية، قامت بإغراق الإدارة ومؤسسات الدولة بأعداد كبيرة وعشوائية من الأجراء والمتعاقدين، دون الإلتفات إلى أي من معايير الكفاءة والإستحقاق، حتى بلغت الرواتب والأجور نسبة حيوية أخرى من موازنات الدولة. وهكذا أصبحت الموازنات تتآكلها الأجور والرواتب وخدمة الدين العام. وفي ظل العجوزات المتراكمة والمتواصلة، لم يبق أي نذر يسير للتوظيف الإستثماري، الذي يعول عليه في النمو الإقتصادي، وتوفير فرص العمل وتحريك الإقتصاد وتنشيطه.

إن الفساد بكل بشاعته وآثاره المدمرة قد تجسد بقوة وفجاجة في مقاربات وسياسات وخيارات السلطة السياسية، حكومات وبرلمانات، في مجال البيئة.

بقيت وزارة البيئة، عبر كل تلك السنين، وزارة مقصوصة الجوانح، ضعيفة الشوكة، “تستوطي حيطها” وزارات أخرى ومجلس الإنماء والإعمار، الذي تحول، في ظل هذه السلطة السياسية، إلى “سلطة مطلقة الصلاحيات” في التخطيط والبرمجة، ووضع دفاتر الشروط والتلزيم، والتنفيذ والمراقبة، والبحث عن مصادر التمويل وإنفاق الموازنات، في حالة فريدة من نوعها عبر نظم ودول العالم، حيث تجتمع كل الصلاحيات المتناقضة والمتعارضة في جسم تنظيمي واحد، يحيل التنمية إلى ألعوبة في يد امبراطورية دكتاتورية، عصية على المحاسبة.

تتشتت الصلاحيات المتعلقة بإدارة البيئة وحمايتها على وزارات متعددة. وفي الممارسة الواقعية، تتناتش صلاحيات بيئية أخرى، وزارات لا دخل لها في البيئة، لا من قريب ولا من بعيد، وزارة التنمية الإدارية على سبيل المثال لا الحصر، ويصادر عمليا معظم تلك الصلاحيات مجلس الإنماء والإعمار، ذلك الأخطبوط القابض على كل أعمال البلد.

كل ذلك، كان يتم في ظل سكوت، بل تواطؤ، بل خضوع، بعض وزراء البيئة، الذين تعاقبوا على هذه الوزارة، وبعضهم كان يردد دون تمحيص بأن “دور وزارة البيئة هو دور استشاري”. إن هذا الكلام الخفيف شكَّل، على مدى سنوات، تبريرا لتخلف الوزارة عن القيام بالدور المناط بها في وضع السياسات والاستراتيجيات والخيارات المطلوبة، حيال حماية البيئة ومعالجة ملفاتها، وإدارتها بما يتوافق مع ما تنص عليه القوانين النافذة، بدءا من قانون إنشاء وتحديد صلاحيات وتنظيم وزارة البيئة، مرورا بأهم قانون بيئي في لبنان، قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002، وبعدد آخر من القوانين والمراسيم والقرارات، التي كانت لتحمي بيئة لبنان بكل أوساطها ونظمها البيئية، ولتحمي موارد لبنان الطبيعية، بحرا وأنهارا وأرضا وهواء، ولكانت لتحمي الأمان الصحي للبنانيين، ولكانت لتحفظ مالهم العام من الهدر والنهب المنظم، فيما لو كان هناك وزيرا أو حكومة تتولى تطبيقها وتنفيذها، ومراقبة حسن تطبيقها من كل المعنيين، في القطاع العام وإدارات ووزارات الدولة، وفي القطاع الخاص والشركات الناشطة في استنزاف الموارد الطبيعية، ضاربة بعرض الحائط كل مفاهيم وتشريعات وقيم حماية البيئة.

إن الفساد الحقيقي يكمن في السياسات والخيارات، التي اعتمدتها وزارة البيئة، في عهود الوزراء المتعاقبين، أو تلك التي تخلفت عن اعتمادها، أو في السكوت عن وضع اليد على قراراتها وخياراتها من قبل جهات أخرى نافذة في الدولة. فكانت النتائج كارثية على بيئة لبنان، وعلى صحة اللبنانيين، وعلى المال العام. لقد تجلى هذا الفشل الذريع بشكل فاقع في خيارات الحكومات حيال ملف النفايات، فكان التدمير البيئي مرعبا، في البحر والجو والمياه السطحية والجوفية، وفي التربة على امتداد الجغرافية اللبنانية. وكان الإنهيار الصحي، مقاسا عبر الإرتفاع المخيف لنسب التعرض للأمراض السرطانية، وغيرها من الأمراض المزمنة، عند فئات واسعة من الشعب البناني، في مناطق مختلفة، معرضة لمستويات عالية جدا وخطيرة من التلوث القاتل، في الهواء الجوي، وفي المياه السطحية، وفي التربة، مهددة سلامة المنتجات الزراعية، وبالتالي السلسلة الغذائية لعموم اللبنانيين.

إن الفساد الحقيقي تجلى في سياسات وخيارات الحكومات والبرلمانات حيال إدارة الشواطيء والأملاك البحرية العامة. فمصادرة هذه الأملاك العامة، بمراسيم وقرارات حكومية، هي في أصلها مخالفة لروح القوانين والدستور، التي تعتبر الأملاك البحرية ملكا عاما. هذا يعني أنها ملك الشعب اللبناني عبر الأجيال. وليس لحكومة أو وزير أو رئيس في هذه الحقبة، أو في أي حقبة أخرى، أن يتصرف بشكل غير قابل للتصحيح، بما هو ملك أجيال اللبنانيين القادمة، مما يحد من قدرتهم على التمتع بهذا الملك العام، لحساب مصالح فئوية خاصة، ويغير وجهة استعمال الشواطيء والأملاك البحرية العامة بشكل لا قلوب، مما يحرم عموم الشعب اللبناني، في هذا الجيل والأجيال القادمة، من حق التمتع بالشاطيء وحق الوصول إلى البحر بحرية ومجانية ودون أية عوائق من أي نوع كان. وإذا كانت روح القوانين، التي تعنى بهذا الأمر، قد أتاحت استعمال الأملاك البحرية في حالات شديدة الإستثنائية، وللصالح العام، بما لا يعيق أو يحد من حقوق عموم الشعب في هذه الأملاك العامة، رأينا أن الحكومات والبرلمانات، التي تحكم لبنان منذ بداية التسعينات حتى اليوم، قد تجاوزت حدود الفهم الموضوعي لهذه القوانين، وضربت عرض الحائط بمضمونها وباستثنائيتها. ونراها اصدرت مراسيم، وعدلتها بما يتناسب مع مصالح فئات خاصة على حساب المصلحة العامة، وبتعارض واضح مع روح وجوهر القوانين، التي تنظم الأملاك العامة، البحرية خصوصا، وكذلك الأملاك العامة النهرية.

قمة ممارسة الفساد، شهدناها مع الحكومة الحالية، حيث في لحظات حياتها الأخيرة، قبل دخولها في مرحلة تصريف الأعمال، استعجلت لاتخاذ مجموعة من القرارات المتعلقة بالتصرف بأملاك بحرية عامة. في سابقة مثيرة للإشمئزاز والقرف الشديدين عند كل الحريصين على بيئة لبنان، وعلى حقوق الشعب اللبناني الممتدة في الزمن للأجيال القادمة.

إن ما شهدناه من تلاعب وتحايل وميوعة مارستها الحكومات، وهذه الحكومة بالذات، حيال شاطيء الرملة البيضاء، والأساليب المفضوحة للإلتفاف على القوانين ومخالفتها، نصا وروحا ومضمونا. وكذلك شاطيء أنفة بملاحاته التاريخية والتراثية، حيث تشكل معلما طبيعيا وإرثا ثقافيا وحضاريا وحرفيا يستحق المحافظة عليه، بدل استصدار “فرمانات” تتيح وضع اليد عليه لصالح شركات خاصة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مواقع عديدة على طول الشاطيء اللبناني، المحدود أصلا بما لا يزيد عن 220 كلم. فرأينا التدمير المنهجي لمواقع شاطئية، تمهيدا لردم البحر بمواجهتها، تحقيقا لسياسة جشعة، تلبي مصالح فئوية خاصة على حساب الصالح العام.

تجلى الفساد بصوره البشعة أيضا في السياسات والخيارات، التي اعتمدت على مدى سنين طويلة، في التساهل مع الملوِّثين والمدمرين للبيئة، من صناعيين يرمون مخلفاتهم دون معالجة في الأنهر والروافد، ومن مجاري الصرف الصحي المساقة إلى مجاري الأنهر دون معالجة، ومن انتشار مكبات النفايات العشوائية على ضفاف الأنهر وفي الوديان وعلى الهضاب. فكانت نتيجة ذلك، تلوث خطير لمياه نهر الليطاني وبحيرة القرعون، وهو أهم شريان مائي في لبنان، ترتبط فيه مصالح مئات آلاف اللبنانيين، بل مصالح اللبنانيين جميعا، باعتبار مناطق حوضه في البقاع والجنوب، مناطق زراعية تزوِّد السوق اللبنانية بالخضار والمنتجات الزراعية.

نعم، إن مكافحة الفساد المتفشي في الدولة اللبنانية ممكنة التحقق، إذا ما توافرت لها الشروط السياسية والإرادة الصادقة، وإذا ما تم حشد كل القوى ذات المصلحة الحقيقية والموضوعية بمكافحة الفساد، وفي مقدمتها القوى الشعبية العريقة في مواجهة الفساد ومقاومته ومقارعة قواه في السلطة وخارجها. وإذا ما تم إحداث الإصلاحات اللازمة في كل مستويات الدولة، عبر إقامة جبهة وطنية وشعبية واسعة ضد الفساد العميق في الدولة، ومن أجل الإصلاح السياسي والإقتصادي والمالي والتربوي والتعليمي والتنموي والبيئي، المطلوب بإلحاح لإنقاذ الوطن والمواطنين من الانهيار الشامل، الذي لا ينجو منه أحدا.

 

Pin It on Pinterest

Share This