إختارت الأمم المتحدة للبيئة شعار “لنكافح التلوث بالبلاستيك”. نحن نشارك العالم الرأي بأن التلوث بالبلاستيك أخذ أبعادا كبيرة وخطيرة في المحيطات والبحار وعلى الأرض. ونؤيد كل الخطوات والبرامج التي تدعو إلى مكافحة التلوث بالبلاستيك، والتخفيف من استعماله، وإعادة النظر بإنتاج العديد من منتجاته، والوقف الفوري لإنتاج واستعمال المنتجات والسلع والأدوات ذات الإستعمال لمرة واحدة، ونثني على جهود الدول والشعوب والمنظمات غير الحكومية العاملة على تحقيق هذه الأهداف، وربطها بأهداف التنمية المستدامة.

ولكننا في لبنان، ندعو الى الإحتفال باليوم العالمي للبيئة تحت شعار لبناني: “لا مدوية للمحارق في لبنان”، نظرا للمخاطر الكبيرة التي تشكلها محارق النفايات، وللأهمية الكبرى لمواجهة سياسة الدولة، المتجهة سريعا نحو تمرير صفقة المحارق، تحت مسميات تضليلية مختلفة، تارة “تفكك حراري”، وتارة أخرى “من نفايات إلى طاقة”.

كنا قد كتبنا مقالات كثيرة نكشف فيها تفاصيل هذا التضليل، مرتكزين على الحقائق العلمية، المرتبطة بتحديد نوع وكمية المخاطر المتولدة عن المحارق، وبكشف ضعف وهشاشة الحجة العلمية لمقولة “استرداد الطاقة” من النفايات عبر المحارق.

نعم “للإدارة المتكاملة للنفايات” ولا مدوية للمحارق. ندعو الدولة، حكومة وبرلمانا، إلى التخلي الكامل عن سياسة اعتماد محارق النفايات، وعن تغطية تكاليف تمويلها الهائلة، والتراجع عن تضليل الناس تحت شعار “من نفايات إلى طاقة”، وعن تبني خيار المحارق في العديد من مناطق لبنان. وندعوها، إلى الإعتماد الجدي والصادق لنماذج الإدارة المتكاملة للنفايات، بإلتزام الدولة كامل وإشراك المجتمعات المحلية.

نحن نعلن تضامننا اللامحدود مع السكان والأهالي في كل مناطق لبنان، من عكار حتى أقصى الجنوب، ومن الساحل حتى أقاصي الشرق قي البقاع، الذين يواجهون تهديدات مشاريع محارق النفايات المتعددة، التي تحضر لهم.

تفرض هذه التقنيات أعباء تلوث كبيرة، مترافقة بتأثيرات هامة على الصحة البشرية وعلى البيئة، تطاول المناطق القريبة والبعيدة وسكانها. إن المحارق، المسماة “من نفايات إلى طاقة” أو منشآت “استرداد الطاقة”، تدمر الموارد، وتنتج انبعاثات خطيرة في الهواء، وتخلف رمادا ساما. إن إنشاء محارق “من نفايات إلى طاقة” هو خطوة في الإتجاه الخاطيء لمواجهة تغير المناخ، وهي خطوة أكثر خطأ حيال خيارات الطاقة النظيفة المتجددة، والإدارة المستدامة للنفايات والإقتصاد الدائري. نحن ندعو إلى اعتماد نماذج آمنة وموثوقة ومجربة ومستدامة للإدارة المتكاملة للنفايات على كل الأراضي اللبنانية.

لقد عارض اللبنانيون بقوة، وعلى مدى عقود، خيارات محارق النفايات في كل مراحلها، ورفضوا السير بها، وأفشلوا كل المحاولات السابقة منذ 1995 وحتى اليوم. ولكن سماسرة المحارق، نشطوا من عدة مواقع، وإستهدفوا رجال السياسة، في مجلس النواب والحكومات، بهدف استدرار تأيدهم ودعمهم، من أجل رصد أموال طائلة، متجاهلين اعتراض الناس، لتمويل مشاريع المحارق الملوثة والقاتلة في عدة مناطق لبنانية، كخطوة أولى، يليها تعميم محارق الموت في كل المناطق. نحن ندعو إلى مواجهة واسعة وحازمة وقوية من أجل رفض قاطع لهذه الصناعة الملوثة، وعالية الخطورة على الصحة والبيئة والمال العام في آن واحد.

نحن ندعو إلى الوقف الفوري للتضليل القائل بأن محارق النفايات، المسماة زورا “من نفايات إلى طاقة”، تنتمي إلى مفهوم “الطاقة المتجددة”، وبالتالي تتمتع بأفضلياته وسهولة حصوله على التمويل والدعم والتقديمات.

إن حرق النفايات، من أجل الحصول على الطاقة، يساهم أكثر من الفحم والفيول والغاز في إطلاق غازات الدفيئة، المسببة للتغير المناخي، وفي إطلاق الملوثات السامة في الهواء الجوي، لإنتاج نفس الكمية من الطاقة. ترتبط محارق النفايات بالقيمة الحرارية العالية للنفايات البلاستيكية، التي هي بدورها منتجات ترتكز على الفيول الأحفوري، وتحتوي على عدد كبير من المواد الكيميائية السامة، التي تؤدي إلى تلويث كبير للهواء الجوي.

إن محارق النفايات، المسماة زورا “من نفايات إلى طاقة”، لا تنتج طاقة نظيفة متجددة، وبالتالي يجب أن تحذف من لائحة مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، وأن تحرم من أي تسهيلات وتقديمات وحوافز مالية وتشريعية. إن هذه الحوافز والتسهيلات والتقديمات المالية يجب أن تقدم بسخاء إلى مشاريع الطاقة النظيفة المتجددة الحقيقية، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والطاقة الجيوحرارية، وطاقة الأمواج والطاقة الكهرومائية.

تطلق محارق النفايات لائحة طويلة من الملوثات السامة والخطرة، التي تشمل الزئبق، وذلك بإقرار اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، والجزيئات الصلبة متناهية الصغر، والجزئيات النانوية، والملوثات العضوية الثابتة POPs، مثل الديوكسين والفوران PCDD/DF، وسداسي كلورو بنزين HCB، والمركبات متعددة الكلور ثنائية الفنيل PCBs، والملوثات البرومية العضوية الثابتة، وهي كلها موضوع اتفاقية استوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة. إن لبنان بلد طرف في هاتين الإتفاقيتين، وبالتالي هو ملزم بالتخفيف، وحيث يمكن القضاء كليا على كل أشكال الملوثات العضوية الثابتة. هذه المواد السامة، المسماة “ملوثات عضوية ثابتة”، هي عالية الثبات والإستقرار، وذات نشاط سمي كبير، وهي ملوث خطير للبيئة وللصحة العامة، وهي تتراكم حيويا في السلسلة الغذائية، وتستطيع التنقل لمسافات طويلة عبر حدود الدول والقارات، وتسبب تأثيرات خطيرة على كل شعوب العالم. مع اعتماد محارق النفايات في لبنان، سوف يزيد مستوى انبعاثات الديوكسين والفوران وغيرهما من الملوثات العضوية الثابتة، والمعادن الثقيلة، والجزيئات عالية السمية والخطورة على الصجة البشرية والبيئة، وهذا انتهاك كبير للإتفاقيات الدولية التي لبنان طرف، حيث يضع سكان المناطق القريبة والمحيطة بالمحارق وعموم شعبه أمام مخاطر إضافية، تهدد الأمان الصحي والبيئي لكل اللبنانيين.

إن أكثر الناس هشاشة وضعفا حيال المخاطر الصحية، والأكثر عرضة للتهديدات، هم الأمهات الحوامل والرضع والأطفال وكبار السن والمرضى. هؤلاء، بالإضافة إلى شرائح حساسة من المعرضين، هم على خطر كبير من ملوثات الهواء السامة والخطرة، التي تطلقها محارق النفايات، ومن كميات الرماد السام التي تولدها. هذه الملوثات الخطيرة تهدد الصحة على مستويات منخفضة، وبتراكيز متناهية الصغر في الهواء الجوي وعناصر البيئة الأخرى.

إن الإدارة المتكاملة للنفايات، التي ترتكز على التخفيف من كمية النفايات، والفرز والتدوير وإعادة الإستعمال، والتسبيخ والهضم اللاهوائي للمكونات العضوية لإنتاج البيوغاز لتوليد الطاقة، من شأنها أن توفر فرص عمل في المجتمعات المحلية في مختلف مناطق لبنان، إضافة إلى كونها تحمي الصحة والبيئة وتحد من هدر المال العام.

إن حرق النفايات هو هدر للموارد الطبيعية، في تقنية عالية الكلفة على الإقتصاد والمجتمع، وعالية التهديد للأمان الصحي والبيئي، على المستوى المحلي والوطني والإقليمي والعالمي، يترافق بهدر كبير للمال العام، هو أقرب إلى النهب، كنتيجة للفساد وخيارات السياسات الخاطئة في إدارة النفايات، وما يترتب عن هذه الخيارات الخاطئة من نتائج مدمرة على الصحة العامة والبيئة.

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This