في أواخر القرن التاسع عشر اخترع الإنسان السيارة الآلية، لكن ما لا يعلمه كثيرون أن أول مركبة صنعت عام 1832 كانت سيارة كهربائية، وسبقت سيارات الاحتراق الداخلي بنحو سبعين عاماً، غير أن ثورة النفط شكلت مقدمة لتصميم سيارات تعمل بالوقود الأحفوري، وهذا يعني أن البشرية تأخرت قرابة قرن كامل في مجال تكنولوجيا الطاقة البديلة.

وما نشهده اليوم مع ثورة التكنولوجيا الصديقة للبيئة، لا يمثل صحوة ناجمة عن ظاهرة تغير المناخ فحسب، فهذه التكنولوجيا باتت خيارا اقتصاديا، وتمثل الآن استثمارات واعدة تقدر بمليارات الدولارات.

 

هواجس مناخية

 

والطاقة البديلة والمتجددة، تعتبر اليوم خيارا لا بديل عنه للحد من ارتفاع درجات الحرارة، ومواجهة ظاهرة الاحترار العالمي، وهي في الوقت عينه تندرج في سياق تطوير وتحديث اقتصادات الدول، كونها توفر فرص عمل وتحد من معدلات البطالة في الدول الغنية والنامية، حتى في الولايات المتحدة التي انسحبت من اتفاقية باريس للمناخ، يسعى المناهضون لسياسة الرئيس دونالد ترامب لتوفير البنى الاستثمارية اللازمة لصناعات صديقة للبيئة.

ومن هنا، لا يمكن مقاربة هذا التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة بمعزل عن الجانب الاقتصادي، وما ساعد في تفعيل وتطوير الاستثمارات لدى أصحاب رؤوس الأموال، لا ينطلق بالضرورة من “هواجس مناخية”، وإنما من الجدوى الاقتصادية الاستثمارية، بالتوازي مع تطوير تكنولوجيا حديثة حتى غدت الطاقة المتولدة من مصادر متجددة أقل كلفة من الطاقة التي تعتمد على الوقود الأحفوي، وهذا عامل إيجابي تعول عليه الدول لتفي بتعهداتها في مجال خفض الانبعاثات انسجاما مع مقررات اتفاقية باريس.

 

منظمة العمل الدولية

 

في هذا الإطار، لا بد من التوقف عند تقرير صدر مؤخرا عن “منظمة العمل الدولية” أشار إلىى أن 24 مليون فرصة عمل جديدة ستُخلق عالمياً بحلول عام 2030 “إذا وُضعت سياسات صائبة لتعزيز اقتصاد أكثر اخضراراً”.

وقالت نائبة المدير العام لمنظمة العمل الدولية ديبورا غرينفيلد أثناء إصدار التقرير إن الجهود الرامية إلى الحد من الاحترار العالمي بمقدار درجتين مئويتين ستفضي إلى خلق فرص عمل أكثر من فرص العمل الضائعة والتي يبلغ عددها 6 ملايين فرصة.

وأشار التقرير الذي جاء بعنوان “الاستخدام والآفاق الاجتماعية في العالم 2018: التخضير مع فرص العمل” إلى خلق فرص عملٍ جديدة باعتماد ممارسات مستدامة في قطاع الطاقة، ومنها التغييرات في مزيج الطاقة، وتشجيع استخدام مركبات كهربائية، وتحسين كفاءة الطاقة في المباني وخدمات النظم البيئية التي تحافظ على جملة أمور، منها أنشطة الزراعة وصيد الأسماك والحراجة والأنشطة السياحية، والتي يعمل فيها 1.2مليار عامل، بحسب موقع الأمم المتحدة.

 

اقتصاد أكثر صداقة للبيئة

 

وأوضحت ديبورا أن الزيادات المتوقعة في درجات الحرارة ستزيد الإجهاد الحراري، وخصوصا في الزراعة، ويمكن أن تسفر عن عدة حالات طبية كالإرهاق والسكتة الدماغية. ويشير التقرير إلى أن الإجهاد الحراري سيسبب خسارة عالمية في ساعات العمل بنسبة 2 بالمئة في عام 2030 جراء المرض.

وقالت ديبورا: “تؤكد نتائج تقريرنا أن الوظائف تعتمد اعتماداً كبيراً على وجود بيئة صحية وعلى ما توفره من خدمات. ويمكن للاقتصاد الأخضر أن يمكِّن ملايين الناس من الخروج من براثن الفقر وأن يوفر سبل عيش أفضل للجيل الحالي ولأجيال الغد. وهذه رسالة إيجابية للغاية عن الفرص الممكنة في عالم من الخيارات المعقدة”.

ودعا تقرير منظمة العمل الدولية البلدان إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتدريب العمال على المهارات اللازمة للانتقال إلى اقتصاد أكثر صداقة للبيئة وتوفير الحماية الاجتماعية لهم بما ييسر الانتقال إلى وظائف جديدة ويسهم في منع الفقر ويقلل من ضعف الأسر والمجتمعات المحلية.

Pin It on Pinterest

Share This