صدر منذ أيام عن منظمة الأغذية والزراعة، التابعة للأمم المتحدة FAO، تقرير هام بعنوان “تلوث التربة حقيقة خفية” Soil pollution a hidden reality.

إن وجود المواد الكيميائية، بتراكيز تفوق وجودها الطبيعي في التربة، ما يترافق بمخاطر على الأجسام الحية، يعتبر تلوثا لها. وهذا التلوث يكون عادة غير منظور ويصعب تقييمه مباشرة، ما يجعله خطرا خفيا.

إن الهيئة العامة للبيئة في اجتماعها الثالث UNEA 3، الذي عقد مؤخرا في نيروبي، أصدرت قرارا تدعو فيه إلى تسريع النشاط والتعاون من أجل إدارة تلوث التربة. هذا ما يؤشر إلى البعد الكلي والأهمية العالمية لتلوث التربة، ويؤشر إلى إرادة دولية لوضع معالجات عملية لأسباب وآثار هذا التهديد الكبير.

إن أكبر المصادر البشرية لتلوث التربة تكمن في الإستعمال الواسع للمواد الكيميائية في كل القطاعات الإقتصادية، الزراعة والصناعة، ومن الإستعمال الواسع للمنتجات، التي تحتوي على مواد كيميائية، وإنتاج المخلفات الصناعية والمنزلية، والمياه المبتذلة والتدفقات السائلة الصناعية، والأسمدة والأدوية الزراعية، والمشتقات البترولية. كل هذه المخلفات ترمى في أوساط البيئة بشكل مقصود، أو غير مقصود خلال الحوادث، أو أنها تتسرب مع عصارة المكبات العشوائية للنفايات، أو عصارة المطامر الصحية غير المعالجة، أو عبر الري بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، أو استعمال الوحول الناتجة عن محطات معالجة المياه المبتذلة. تلوث التربة يمكن أيضا أن يكون نتيجة تساقط ملوثات الهواء الجوي مع المطر أو بفعل الجاذبية، خلال سحق ونقل ورش المبيدات الزراعية، وكذلك الملوثات المتصاعدة مع أدخنة حرائق مكبات النفايات العشوائية، وكل أنواع الحرق غير المراقب في الهواء الطلق، وكذلك مع الملوثات المنبعثة من محارق النفايات على أنواعها، ومن مصادر صناعية مختلفة. وكذلك أيضا، ترسب النظائر المشعة المتولدة عن تجارب الأسلحة والحوادث والتسربات النووية.

في السنوات الأخيرة برزت مصادر جديدة مهمة لتلوث التربة مثل المواد الصيدلانية، والمواد المخلة بالغدد الصماء (المخلة بالنظام الهرموني)، والهرمونات والتوكسينات، والملوثات البيولوجية، مثل الملوثات الدقيقة في التربة، التي تشمل الجراثيم والفيروسات.

يشكل تلوث التربة تهديدا للإنتاج الزراعي، وسلامة الغذاء، والصحة البشرية. إن حجم وخطورة هذا التهديد لا تزال غير معروفة بالكامل.

إن التصنيع الواسع، والحروب، والصناعة الإستخراجية، والزراعة الغزيرة، تؤدي إلى تلويث واسع للتربة عبر العالم. وكذلك، إن توسع المدن والتوسع العمراني، وما يرافقه من زيادة كبيرة لكميات النفايات المتولدة، وسوء إدارة هذه النفايات، يشكل أيضا سببا كبيرا لتلوث التربة في كثير من بقاع ودول العالم.

إن تلوث التربة يؤدي إلى تلوث الغذاء الذي نأكله، والمياه التي نشربها، والهواء الذي نتشقه، وسلامة وصحة المنظومات البيئية. ولذلك إن حماية التربة من التلوث ينبغي أن تقفز إلى المراتب الأولى من أولويات السياسات في كل دول العالم.

إن ترشيد الإنتاج الزراعي واستعمال الأسمدة والأدوية الكيميائية في الزراعة، ووضع استراتيجيات الإدارة السليمة لكل أنواع النفايات، الصناعية والمنزلية والطبية، الصلبة منها والسائلة، ومعالجتها قبل التخلص منها في الأوساط البيئية المختلفة، بحرا ونهرا وتربة، وكذلك تنظيم النمو العمراني، وترشيد الإنتاج والإستهلاك، وترشيد استعمال المنتجات، التي تحتوي على مواد كيميائية، والبحث عن بدائل آمنة لها، والعمل الواعي والمنظم لحماية  التربة من كل أسباب التلوث، يصبح اليوم ضرورة ملحة مع وصول مستويات التلوث في التربة وتنوع طبيعتها إلى ما يهدد سلامة غذاءنا، وصحتنا وصحة أجيالنا، واتزان المنظومات البيئية، التي ترتبط بها حياتنا وشروط أمانها وسلامتها.

Pin It on Pinterest

Share This