تخطط مراكز القوى في السلطة السياسية اللبنانية لاستدانة مليارات الدولارات لإنشاء محارق للنفايات بكلفة تفوق كل مستويات الهدر والنهب، التي رافقت سياسات النفايات الحكومية منذ مطلع التسعينات وحتى الآن، وتفوق كل مستويات المخاطر البيئية والتهديدات الكبيرة على الصحة العامة.

ففي حين تقرر هيئات الإتحاد الأوروبي إقرار السير بسياسات الإقتصاد الدائري والإقتصاد الأخضر، الذي يعني في مجال إدارة النفايات إعطاء الأولوية المطلقة للإسترداد المادي لقيمة الموارد، وإعادة إدخالها في الدورة الإنتاجية، وتفادي السير بها إلى الطمر أو إلى الحرق، يسير حكام لبنان في الإتجاه المعاكس تماما. فهم ذاهبون لاستدانة المليارات لبناء المحارق، التي يأفل نجمها، وتعود كبريات الدول في العالم عن الإستمرار في تشغيلها، وحيث هي لا تزال تعمل، فإنها تخضع لرقابة صارمة وفق تشريعات أكثر صرامة، ولشروط دقيقة لمعالجة كل أشكال التلوث، الذي تتسبب به محارق النفايات بكل تسمياتها، من انبعاثات عالية السمية في الهواء الجوي، ومن رماد متطاير سام، ومن رماد القاع، الذي يتطلب عناية خاصة للتعامل معه.

أعيد هنا ما كنت قد رددته مرارا من أن المحارق هي بحقيقتها ليست أكثر من “تقنية تحيل النفايات غيرالخطرة إلى نفايات خطرة”، فما هي الحكمة، وما هو العقل في هذه السياسة وفي هذا الخيار الأخرق؟

في سدني، العاصمة الأسترالية، كان مخطط للمحرقة أن تكون الأكبر في العالم لتحرق 1.3 مليون طن من النفايات سنويا. حاولوا تمرير هذا المشروع، ولكن وكالة حماية البيئة، ووكالات التخطيط والصحة والبيئية، رفضوا جميعا هذا المشروع، بدعم واسع وقوي من حزب الخضر وحزب العمل وحملات نشيطة من المجتمع المدني والبيئي المعارضة للمشروع.

لذلك، نحن نطالب وزارة البيئة ووزارة الصحة وكل المؤسسات الحكومية المعنية بالتخطيط إن وجدت في لبنان، القيام بواجباتهم التي تنص عليها القوانين البيئية والصحية بمواجهة ورفض مشاريع المحارق عالية الخطورة على البيئة والصحة العامة، مدعومين من كل قوى ونشطاء المجتمع المدني والبيئي على كافة الأراضي اللبنانية.

إن فشل مشروع محرقة سدني – أستراليا هو مقدمة لرفض مشاريع المحارق في كل أستراليا وفي كل بلدان العالم. هذا يؤشر إلى الإتجاه الصحيح نحو سياسة مستدامة للإدارة المتكاملة للنفايات وفق رؤية الإقتصاد الدائري، التي تعتمد على الفرز والتدوير والمعالجة، والعمل الجاد باتجاه تخفيف كمية المتبقيات المطلوب التخلص النهائي منها نحو تصفيرها تماما.

إن قرار رفض مشروع محرقة سدني والتراجع عنه هو انتصار جديد لقوى حماية البيئة والصحة العامة وحفظ المال العام من الهدر والنهب المنظم، وهو انتصار جديد للرؤية البيئية العاقلة والعقلانية حيال إدارة النفايات واسترداد قيمتها وتطوير الإقتصاد الدائري والإقتصاد الأخضر بديلا عن النهب والتدمير البيئي وتهديد الصحة العامة بأكبر المخاطر، التي تمثلها المحارق، حتى في أكثر البلدان تقدما.

في العام 2016، رفض الناشطون البيئيون في مدينة مكسيكو، العاصمة المكسيكية، إقامة محرقة للنفايات تحت شعار “محرقة مكسيكو غير مقبولة”.

في الولايات المتحدة الأميركية، تحتفل مجموعات بيئية ومجتمعية مدنية مع منظمات العدالة البيئية والصحية بقرار مجلس المترو بشأن عدم المضي قدما باقتراح إرسال 200 ألف طن سنويا من النفايات إلى محرقة Covanta Marion في ولاية أوريغون، ويسقطون السير بخيار حرق نفاياتهم.

في بريطانيا، تم سحب خطط لمحارق شمال هورشام، والتراجع عن إقامتها والسير بها، تحت ضغط النشطاء البيئيين والإجتماعيين.

في جنوب إفريقيا، واجه المناضلون البيئيون ونشطاء مدنيون ورجال أعمال مشروع مقترح لإنشاء محرقة للنفايات تحت عنوان “من نفايات إلى طاقة” في مدينة ولينغتون، وأسقطوا هذا المشروع.

إن سياسة حرق النفايات تشكل ضغطا غير مشروع، وغير مبرر اقتصاديا وبيئيا وصحيا وماليا على تحقيق أهداف تطوير التدوير وإعادة إدخال الموارد الثانوية في الدورة الإنتاجية. هذا ما يعيق تحقيق الأهداف الموضوعة في بريطانيا لتطوير التدوير.

في لبنان، عندنا حركات بيئية منظمة وواسعة التأثير والقوة، مدعومة من أوساط واسعة من المجتمع المدني وبعض القوى السياسية ورجال الأعمال، ولا سيما الصناعيون، الحلفاء الطبيعيون للبيئيين في مجال النضال ضد حرق الموارد القابلة للتدوير، وصناعتنا التدويرية متعطشة لهذه الموارد لتطوير الصناعة اللبنانية، ولتشغيل اليد العاملة اللبنانية. هذه الحركات مدعومة بقوة من أوساط واسعة من المثقفين والفنانين والصحافيين والخبراء والمدافعين عن الأمن الصحي للشعب اللبناني.

“نعم نستطيع”، كلنا نستطيع الوقوف بمواجهة سياسىة بعض مراكز القوى في السلطة السياسية لإفشال مشروع المحارق، ودفع البلد نحو خيار الإقتصاد الدائري، والإدارة المتكاملة السليمة بيئيا للنفايات، بتشجيع الفرز والتدوير والمعالجة واسترداد قيمة الموارد، وتحويل بعضها الآخر عبر عمليات بيولوجية إلى سلع ومنتجات مفيدة، تدخل الدورة الإقتصادية في الزراعة، أو في توليد الطاقة من البيوغاز المنتج من عمليات الهضم اللاهوائي للمكونات العضوية من نفاياتنا، وهي المكون الرئيس لنفايات لبنان.

Pin It on Pinterest

Share This