أطلقوا عليها إسم “حكومة استرجاع الثقة” فلا هي استرجعت ثقة مفقودة منذ عقود طويلة، ولا هي وضعت أسسا لبناء ثقة جديدة، هذه الحكومة تمعن في إغراق البلد في الأزمات من كل نوع، وتوغل في تجاهلها لحقوق الناس من كل الفئات والقطاعات.

إجتمع أمس، في ساحة رياض الصلح في بيروت، إعتصامان في وقت واحد، إعتصام أساتذة الجامعة اللبنانية، وإعتصام ذوي الحاجات الخاصة والمقعدين، في ظل تجاهل متمادي لحقوقهم المهدورة، وتلكؤ بليد عن الإستجابة لمطالبهم، من قبل حكومة لا يوجد في رصيدها أي إنجاز حقيقي تتباهى به أمام شعبها، الذي يتابع يوميا الإستماع لمهاتراتهم وأكاذيبهم ووعودهم الصلفة في تحقيق مستقبل أفضل، وهم يخوضون حملاتهم الإنتخابية، التي لا تخلوا من التعديات على الحقوق الشخصية لبعض المرشحين، ومن الإستعمال الفاقع للمال الإنتخابي، ولصرف النفوذ في الدولة وأجهزتها وإداراتها، في ظل شلل شبه كامل لردات فعل لجنة الإشراف على الإنتخابات، أو أجهزة وزارة الداخلية، التي تشرف على العملية الإنتخابية.

ماذا يمكن أن تسمى حكومة تصم آذانها على مطالب فئتين من أهم فئات المجتمع واكثرها استحقاقا لاهتمام الحكومة والدولة بكل أجهزتها وإداراتها ومؤسساتها؟ فهل هناك أكثر احتياجا لاهتمام الدولة والحكومة من فئة المقعدين وذوي الإحتياجات الخاصة؟ هذه الفئة، التي تحظى في بلدان العالم المتحضر بأكبر اهتمام ورعاية، وتتمتع بأفضليات في كثير من الأمور، وتتميز بحقوق تنص عليها القوانين والتشريعات بشأن إدماجها ومشاركتها وتوظيف قدراتها في بناء الإقتصاد والمجتمع والتنمية.

في لبنان، ونتيجة الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما، وبنتيجة الحروب والإعتداءات الصهيونية على بلدنا، تشكل هذه الفئة نسبة كبيرة، تقدر بحوالي 15 بالمئة من عموم الناخبين في لبنان، فهل يجوز أن تبقي الحكومة مراكز الإقتراع غير مؤهلة وغير مجهزة لتسهيل وصول ذوي الإحتياجات الخاصة لممارسة حقهم بالإنتخاب إسوة بكل المواطنين اللبنانيين؟ وهل يجوز أن لا تلتفت إلى توفير طرق ووسائل متاحة لتسهيل ممارسة حق فاقدي البصر والسمع لحقهم بالإقتراع؟ وتوفير وسائل تؤمن لأصحاب الإعاقات الجسدية ظروف الوصول إلى غرف الإقتراع في المراكز المنتشرة على طول وعرض الأراضي اللبنانية؟

ومن جهة أخرى، هل هناك قطاع أهم من قطاع التعليم الرسمي في كل مراحله، ولا سيما الجامعة الوطنية اللبنانية، التي كانت على مدى عقود فخر التأهيل العالي في كل الإختصاصات ومجالات العلوم؟

لقد بنت بلدان عدة في العالم قواعد انطلاق تنميتها وتطورها وتقدمها التقني والإقتصادي والإجتماعي، ونمو دخلها ورفع  مستوى معيشة شعبها ورفاه حياته، على الاهتمام بقطاع التعليم في كل مراحله، وفي المقدمة منها التعليم العالي والجامعة. إسألوا اليابان عن أسباب تقدمها وتبوئها أولى المراكز في العالم اقتصادا وحضارة ونموا. إسألوا سنغافورة كيف بنت نموها وتقدمها، وهي مجرد مدينة تفتقر إلى كل شيء، باستثناء ذكاء وحكمة حكوماتها، التي أعارت التعليم والجامعة الإهتمام الذي تستحقه، فشكل رافعة موثوقة لتحقيق ذلك التقدم والنمو، الذي وصلت إليه وبسرعة كبيرة.

هل يعقل أن نرى أساتذة الجامعة الوطنية في الشارع؟ وأن لا يستجيب المسؤولون لمطالبهم؟ هل يعقل أن يدير البلد سياسيون يفتقدون للحس الكافي لتقدير أهمية الجامعة وأساتذتها؟ إن بلدا تقوده سلطة سياسية تجهل أو تتجاهل أهمية الجامعة وأساتذتها في بناء اقتصاد ومجتمع وتنمية وحضارة البلد وثقافته، لهو بلد يسير نحو التقهقر والتراجع والتخلف، وهو بلد ينتقل من أزمة إلى أخرى، ينتج عنها إفراغ لبنان من شبابه ومن عقوله ومن قواه الإنتاجية المبدعة، رافعة التقدم والنمو والتحضر.

أنتم لا تستحقون ثقتنا، إرحلوا إلى غير رجعة.

Pin It on Pinterest

Share This