في ذكرى استشهاد المعلم كمال جنبلاط، نستحضر فيض علمه، وننهل من عظيم حكمته، ونستنير بنور ثقافته وعميق فكره، ونتمثَّل شمول شخصيته، مفكرا وفيلسوفا وعالما ومثقفا ومناضلا وطنيا وقوميا وإنسانيا، وعارفا بيئيا، بعلمٍ وإحساس دقيق باتزان الطبيعة، ودينامية تفاعلات وتبادلات عناصرها.

الصديق المناضل البيئي الصلب، المفعم بالوعي، وعميق الاقتناع، وشديد الحماس، وصلب الإرادة، المهندس الأستاذ محمود أحمدية وضع كتابا بعنوان “كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره”. المهندس أحمدية تلميذُ نجيب للمعلم، ومتابعٌ بتبصر وحكمة لمحيطات المعرفة عنده، شهيد الوطن والأمة والإنسانية، المعلم كمال جنبلاط.

للحرية قدسية فائقة عند المعلم، فمنه نتعلم ما للحرية من دور في ارتقاء الإنسان وتقدمه وتحضره، فلا حضارة إنسانية إذا انتهكت الحرية، حرية الأفراد والجماعات والشعوب. والحرية نغم من أنغام انسجام العقل والروح والفكر مع الطبيعة الغناء. هي مدرستنا الأولية لفهم أبعاد الحرية…وهذا ما ارتقى إليه المعلم في فكره وعمله.

الثقافة محيط لا حدود لاتساعه، ولا نهاية لعمقه، نهل منها المعلم في كل أبعادها الانسانية. وهو بشمول ثقافته لا يقف عن حد، فكان عارفا ومدركا ومستشعرا بعقله وحسه وعميق فكره، للمخاطر الكبيرة للتوسع باستعمال الكيماويات في منتجات الصناعة والزراعة والاستهلاك. وأدرك محذرا من مخاطرها وآثارها المدمرة على التوازن القائم بين عناصر البيئة، المتفاعلة والمتكاملة والمتضادة فيما بينها في دينامية متزنة، تتساند فيها المكونات في سياق متكامل متزن ومنسجم، وفي حركة تطور وارتقاء لا تتوقف.

أدرك في مراحل مبكرة جدا آثار تلوث الهواء والمياه والتربة، وازدياد النفايات وسوء تدبيرها. ربط بين ازدياد النفايات وتحول الاستهلاك إلى أسلوب طاغ لحياة البشرية، تحت تأثير الإرتهان لمصالح المنتجين المسيطرين على أسواق العالم.

أدرك مبكرا كنه العلاقة بين ارتفاع مستويات التلوث وتأثيرها على سلامة كوكب الأرض، الذي يعتبره بحق “حاملا للطاقة الحية”، والإنسان من ضمنها. وها نحن اليوم نعرف بالعلم والبحث العلمي المتطور خفايا ظاهرة الإحتباس الحراري والتغير المناخي، كأحد أهم انعكاسات ارتفاع مستويات التلوث في الغلاف الجوي للأرض.

صديقنا محمود الأحمدية، في كتابه “كمال جنبلاط البيئي سابق عصره”، يسمي هذا الوعي البيئي، الناضج والعميق عند كمال جنبلاط، حدسا، وأنا أسميه ثمرة ناضجة للاطلاع والمعرفة والإدراك العميق والتفكر، إنه أرقى أشكال الوعي العلمي الإنساني.

أدرك مبكرا مخاطر استصناع البيئات على حساب البيئة الطبيعية. ويعلِّمنا، لو أدركنا قوانين الطبيعة وأخذنا الدروس منها عميقا في تدبير أمورها، وماثلناها في تدبير ما استجد من مسائل مع التقدم والتطور المتسارع للتقنيات وأساليب الإنتاج والاستهلاك المعاصرة، وفهمنا عميقا كيف أن الطبيعة وما فيها من كائنات حية، مجهرية وحيوانية ونباتية، ومواد ومركبات كيميائية وفيزيائية، وظروف مناخية وحرارة وإشعاع وعوامل طاقوية، تفكِّك المخلفات وتحيلها موادا وعناصر مفيدة ومغذية لبعضها البعض، لما كنا ذهبنا بعيدا إلى عمليات صناعية تخالف الطبيعة، في تدبير نفاياتنا ومعالجة مخلفات حضارتنا.

أدرك مبكرا أن دور الإنسان في نشاطه الاقتصادي والعمراني، الإنتاجي والاستهلاكي، يكمن في أساس ما أصاب كوكبنا من خراب ودمار وتدهور في اتزانه/ انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وغازات الدفيئة الأخرى، الاستعمال الواسع للكيماويات المخلَّقة في الانتاج الزراعي والصناعات الغذائية، والاستعمال الواسع للكيماويات في كل صنوف الصناعة والإنتاج، ولا سيما في العقود والسنوات الأخيرة في الصناعة الإلكترونية والأجهزة الرقمية الذكية.

أدرك مبكرا مخاطر الإبادة المنظمة للحيوانات والحشرات على التوازن البيئي وعلى استمرار الحياة ذاتها على كوكبنا. وها نحن اليوم نعرف بالعلم والبحث العلمي المتطور أهمية الغنى البيولوجي، وخطر انقراض الأنواع والتدمير المستمر للأنواع وتناقص الثروة الجينية على كوكبنا.

أدرك بفكره الفياض وعمقه الفلسفي للعلاقة بين مكونات الطبيعة الحية وغير الحية وتكاملها، فلسفة التوازن البيئي وتأثير الإنسان عليها. فالأدوية الزراعية أبادت الآفات وأضدادها معا، فأخلت بالإتزان الطبيعي القائم بين الكائنات وأضدادها. تدخَّل الإنسان في أنظمة الطبيعة فأفسدها، سوء تدبير النفايات الصناعية الخطرة وغير الخطرة.

إن حبَّه للطبيعة، وانسجامه معها، جسدا وروحا وفكرا ومعرفة وثقافة وسلوكا فرديا واجتماعيا، شكل هذا الإكتمال البالغ الراقي والرفيع عند شخصية كمال جنبلاط المعلم.

الحكمة الكلية نأخذها من فكره، إن خلاصنا ليس بالسيطرة على الطبيعة وإخضاعها، بل باكتشاف مسارات التعايش والإنسجام معها في سلام وتآلف وتشارك مع ما فيها من كائنات، هي أمم مثلنا، لها الحق في الحياة على الأرض، ولها دور في الحفاظ عليها وعلى اتزانها واستمرارها.

 

Pin It on Pinterest

Share This