أعتقد أنه لم يعد هناك أحد في لبنان لم يسمع بمركبات الديوكسين والفوران، وهي المواد الكيميائية الأعلى سمية على الإطلاق، والأكثر خطرا على البيئة والصحة العامة. وذلك نظرا لتمتعها بميزة السمية العالية جدا، وميزة الثبات والاستقرار لسنوات طويلة جدا في مختلف أوساط البيئة، وميزة القدرة على التراكم الحيوي، أي تزايد تراكيزها في دهون الكائنات الحية، والتي يشكل بعضها جزءا من السلة الغذائية للإنسان. تعتبر هذه المركبات أكثر المواد الكيميائية نشاطا مسرطنا، بالإضافة إلى تأثيراتها السمية الأخرى.

هذه المركبات هي منتج غير مقصود يتكون في كثير من العمليات الصناعية وغير الصناعية، وخصوصا في محارق النفايات، حيث تكون الهالوجينات (الكلور) حاضرة في تركيب مكون ما من المواد، والتعرض لمجال من درجات الحرارة بين 280 و600 درجة مئوية. الديوكسينات والفورانات هي من ضمن الملوثات العضوية الثابتة، موضوع اتفاقية ستوكهولم، التي لبنان طرف فيها منذ 2003 وأصبحت نافذة في العام 2004. تعتبر اتفاقية ستوكهولم محارق النفايات، بما فيها النفايات الصلبة المنزلية، المصدر الرئيس للتلوث بالديوكسينات والفورانات. في محارق النفايات التي تعمل غرف الاحتراق فيها على درجات حرارة عالية جدا، لا يتكون الديوكسين والفوران في الشعلة الملتهبة، بل يتكون في مواقع أخرى لحركة الغازات والرماد عندما تدخل درجات الحرارة في مجال 600 – 280 درجة مئوية، وهذا ما يسمى بالتخليق الجديد للديوكسين. ولذلك أثبتت كل الدراسات ان هذه المركبات عالية السمية موجودة في رماد المحارق، بما فيها العاملة وفق أحدث التقنيات وأكثرها تقدما. يتفاوت تركيزها بين الرماد المتطاير، الذي تلتقطه الفلاتر ونظام مكافحة تلوث الهواء، ورماد القاع، أو ما يسمى أيضا الحمأة، التي يتم إزالتها من غرفة الاحتراق.

تشير أحدث الدراسات، إلى أن رماد القاع أو الحمأة، التي تصل إلى ما بين 20 و30 بالمئة من وزن النفايات الداخلة إلى الحرق (الكتلة الرطبة). وأن الرماد المتطاير على شكل مخلفات أجهزة مكافحة تلوث الهواء (الفلاتر) يكون بين 1 و3 بالمئة من وزن النفايات الرطبة الداخلة، في حين أن كل بقايا أجهزة مكافحة تلوث الهواء تشكل ما بين 2 و5 بالمئة من وزن النفايات الداخلة. إذن، إن عمليات حرق النفايات من شأنها، في أفضل الحالات أن تختزل وزن النفايات إلى 22 – 35 بالمئة مما كانت عليه عند دخولها إلى المحرقة. هذه الحقائق تؤكد أن فعالية اختزال وزن النفايات عبر المحارق ليست كما يدعي مروجو المحارق وسماسرتها، وهي لا تتمتع بأية أفضلية مقارنة مع غيرها من تقنيات تخفيف كمية النفايات المطلوب التخلص النهائي منها. خاصة إذا عرفنا أن الرماد المتطاير المتولد عن الحرق مصنف نفاية خطرة وفق اتفاقية بازل، ويتطلب أن نتخلص منه بعد معالجته بالتصليب في مطامر صحية متخصصة باستقبال النفايات الخطرة.

وفق دليل اتفاقية ستوكهولم وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP Dioxin toolkit لاحتساب كميات الديوكسين والفوران المحققة عالميا، تشكل محارق النفايات مصدرها الرئيس، حيث تتراوح كمية  الديوكسين والفوران المحققة من محارق النفايات ما بين 7 و 10 كلغ سنويا (7-10 I-TEQ/year)، وذلك في رماد القاع والرماد المتطاير.

إن الإدعاء أن الرماد هو مادة آمنة ويمكن استعمالها في تركيبة مواد البناء هو ادعاء تشوبه الشكوك الكبيرة وعدم الثقة. إذ أن هذا الرماد ينبغي أن يخضع لتحليل محتواته من المواد السامة والخطرة مثل المعادن الثقيلة والمركبات متعددة الحلقات ومركبات الديوكسين والفوران. إن استعمال الرماد في مواد البناء يؤدي لاحقا إلى إعادة تحريك وتحرير المعادن الثقيلة والملوثات العضوية الثابتة الموجودة فيها، ولا سيما الديوكسين والفوران ومركبات ثنائي الفنيل متعدد الكلور الشبيهة بالديوكسين Dioxin-like Polychlorinated biphenyl DL PCBs. هذا ما يحدث على نطاق واسع عن طريق استخدام رماد المحارق.

من أكثر الأمور صعوبة مراقبة استخدامات رماد المحارق في بناء الأرصفة والطرق وعلى مسطحات قريبة من مناطق زراعية.

تصل نسبة الديوكسين والفوران في الرماد المتطاير لمحارق النفايات، بما فيها المحارق العاملة وفق أكثر التقنيات حداثة وتطورا، إلى 96000 ppb.

تشير العديد من الدراسات الحديثة المنجزة في مختلف مناطق العالم، بما فيها في بلدان أوروبا المتقدمة صناعيا وأميركا،  وأخرها دراسة قامت بها وكالة حماية البيئة السويدية Swedish EPA، أن بيض الدجاج من شأنه أن يركز الديوكسين والفوران بفعالية عالية في محتواه الدهني تصل إلى 30 pg TEQ/g. وتشير هذه الدراسات إلى أن هناك علاقة بين تركيز الديوكسين والفوران في بقايا محارق النفايات (الرماد المتطاير ورماد القاع)، وتحققها في التربة، حيث يتراوح بين 4-75 ng TEQ/kg، وبين تركيزها اللاحق في بيض الدجاج المعد للاستهلاك البشري. وتبين هذه الأبحاث أن الحدود المسموح بها للديوكسين والفوران في بيض الدجاج المدرجة في التشريعات الأوروبية الحالية تتجاوز مستوى الكمية التي يسمح بتناولها يوميا (الجرعة اليومية المقبولة TDI  Tolerable Daily Intake) عند الإنسان. وهذا ما يشكل مخاطرة كبيرة على الصحة البشرية، ويتطلب إعادة تقييم المستويات المسموح بها في هذه التشريعات، باعتبار أن الوقائع والدراسات الحديثة المعمقة تدل على أنها غير آمنة على الإطلاق.

إن إدراك المخاطر الصحية الكبيرة المرافقة لمحارق النفايات، يدعونا إلى الرفض الكلي لاعتماد هذا الخيار في إدارة النفايات اللبنانية، خاصة وأن خيارات أخرى بديلة لإدارة النفايات متوافرة. وأن تقنيات وطرق التخلص منها، التي تحول دون تكون الديوكسين والفوران بعيدا عن الحرق، ينبغي أن نعطيها الأولوية المطلقة عند وضع سياساتنا واستراتيجياتنا لإدارة النفايات في لبنان.

تناقش اللجان المشتركة في المجلس النيابي مشروع قانون للنفايات. لن نناقش هذا المشروع في عجالة هذه المقالة، بل إن هذه المناقشة تتطلب مقالة أو مقالات خاصة بها. ولكن الآن، وبالعلاقة مع موضوعنا، أذكر الملاحظات التالية على بعض نقاط المادة الأولى من مشروع القانون المتعلقة بالتعريفات.

في النقطة 8 – النفايات الخامدة Inert materials، عندنا اعتراض شديد على اعتبار الجزيئات الناعمة للرماد، الذي لا يصنف رماد متطاير، من النفايات الخامدة. وذلك لاعتبار أن طبيعة هذه الجزيئات يمكن أن تكون من المعادن الثقيلة، وهي كذلك في معظم الأحيان وبنسب عالية. وبالتالي إن اعتبار جزيئات المعادن الثقيلة موادا خاملة هو خطأ جسيم، ولا يستقيم مع بديهيات علم الكيمياء. وفي مكان آخر من هذه النقطة تقول بأن المعادن التي يمكن أن تمر من خلال منخل (مصفاة) صغير الحجم، تصنف أيضا مواد خاملة. إن هذا الكلام هراء مثير للدهشة، وهو على تناقض تام مع العلوم بأبسط صورها. فكيف أن حجم الجزيئة المعدنية يحيلها خامدة إذا ما مرت عبر منخل؟ إن تعريف الخمول في علم الكمياء، وعلم الفيزياء أيضا، هو عدم تفاعليتها الكيميائية والحيوية، أي عدم قدرتها على الدخول في تفاعلات مع مواد أخرى للتفكك أو للتحول إلى مركبات مختلفة عما هي عليه في الأصل. وهذا لا يحصل إلا إذا كانت ذرات هذه المادة ذات تكافؤ صفر، أي عدد البروتونات في  نواتها يساوي عدد الإلكترونات الدائرة في مدارات حولها. وهذه حالة بعض الغازات التي تحمل هذا الإسم.

في النقطة 10، الحمأة أو رماد القاع، تقول هذه النقطة بأن هذه الحمأة (رماد القاع) هي مواد غير مضرة، وهذا هذيان كبير، نربأ بأن يبقي عليه المشرع اللبناني في نص قانوني، حيث أنه يتعارض كليا مع الحقيقة العلمية. وبرأينا ينبغي على هذه المواد أن تخضع للفحص المخبري لتحديد دقيق لمحتواها من المواد السامة والخطرة ولا سيما المعادن الثقيلة والديوكسين والفوران والمركبات متعدد الحلقات عالية السمية، قبل الإقرار بإمكانية استعمالها في إنشاءات الطرق أو في مواد البناء.

في النقطة 18 التفكك الحراري، تعرف هذه النقطة التفكك الحراري بأنه عملية حرق النفايات. إذن لماذا على صيغة القانون أن تنزلق لتبني مصطلح التفكك الحراري، الذي لجأ إليه بعض أصحاب المصلحة بتضليل الناس وإخفاء حقيقة التقنية التي يروجون لها، أي المحارق؟ إن ما يصر عليه بعض الجهلة، أو المروجون، أو السماسرة، أولائك العاملون على تصوير أن التفكك الحراري هو تقنية سحرية مختلفة عن المحارق، وهي آمنة لا تسبب انبعاثات ملوثة وخطيرة على الصحة، ولا ينتج عنها رماد متطاير مصنف عالميا نفاية خطرة، ولا رماد القاع، الذي يسمونه في النقطة 10 حمأة، هو كلام تضليلي يراد منه استبعاد مصطلح المحرقة والمحارق، لعلمهم أنها مرفوضة من جميع الحريصين على الأمان الصحي والأمان البيئي للشعب اللبناني وماله العام.

ندعو المشرع اللبناني، والسادة النواب في كل اللجان المتابعة لإعداد هذا القانون، أن يزيلوا من نصوصه هذه الثغرات المعيبة، ويمتنعوا عن تمرير استبدال المصطلحات الحقيقية بغيرها للتضليل. وأن يسموا الأشياء بأسمائها الدقيقية العلمية. ونحن على ثقة بأن نواب الأمة حريصون على تنقيح مسودة القانون من كل أنواع الشوائب التي لا تزال عالقة بها.

Pin It on Pinterest

Share This