أكثر من 13 عاماَ مضت على اعداد وزارة البيئة لمشروع قانون الإدارة المتكاملة للنفايات. لم يبصر هذا المشروع النور إلا في العام 2012 حين صادقت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على مرسوم احال مشروع القانون الى المجلس النيابي، لكن هذا المشروع بقي طي الأدراج طيلة هذه الفترة، الى ان اعيد البحث بمناقشته في اللجان النيابية المشتركة، قبل اشهر قليلة. وكان يفترض ان تصادق اللجان المشتركة على المسودة الاخيرة لمشروع القانون كما ورد من اللجنة الفرعية، لكن هذه اللجنة التي يرأسها رئيس لجنة البيئة النيابية أكرم شهيب طلبت مهلة ثلاثة اسابيع اضافية لدرس المشروع قبل ان يحال الى اللجان المشتركة مجدداً تمهيداً لوضعه على جدول اعمال الهيئة العامة لاقراره، الى جانب مشروع قانون المحميات الطبيعية ومشروع قانون نوعية الهواء، كجزء من سلة تشريعات ينوي المجلس النيابي اقرارها قبل انتهاء ولايته الدستورية في شهر ايار المقبل.
وعقدت اللجنة النيابية الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة والمكلفة درس موضوع النفايات، امس جلسة لمناقشة مشروع القانون، ومن المقرر ان تعقد اجتماعاً اخراً الثلاثاء المقبل من اجل متابعة النقاش حول هذا الموضوع.
ما هي ابرز ملامح مشروع قانون النفايات ؟ وما هي أبرز الثغرات التي تشوبه؟ توجز وزارة البيئة الاسباب الموجبة لاقرار القانون انه يشجع على تخفيف، وتدوير، وإعادة استعمال وإسترداد الطاقة الموجودة في النفايات الصلبة وذلك لحماية المصادر الطبيعية وتفادي سوء استعمال الأراضي؛ وانه يقتضي استرداد كلفة إدارة النفايات الصلبة عن طريق رسوم مباشرة أو غير مباشرة. لكن المدقق في مواد مشروع القانون سرعان ما يكتشف ان غالبية مواده جاءت عامة وفضفاضة ولا تؤدي الغرض من اقرارها.
ابرز الامثلة على ضعف النص التشريعي، نجدها في الباب الخامس المتعلق بالتمويل والرسوم والحوافز، حيث تشير المادة 24 الى انه يمكن تمويل تطبيق الاستراتيجية الوطنيّة للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، والبرامج المحليّة من الموازنة العامة، من خلال اعتمادات ترصد للهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، ومن موازنات الإدارات المحلية، والقروض والهبات، والصندوق الوطني للبيئة (لدى البدء بالعمل فيه)، واستثمارات القطاع الخاص في عملية إدارة النفايات الصلبة. اما المادة 25 فتنص على ان تحديد رسوم إدارة النفايات الصلبة وطرق استيفاؤها يتم بموجب مرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناء على إقتراح وزراء البيئة والمالية والداخلية والبلديات. ومعلوم ان هذا الامر مخالف للدستور الذي يلزم ان لا يتم وضع اي ضريبة او رسم إلا بموجب قانون يصدر عن المجلس النياب،ي وانه في حال فوض مجلس النواب لمجلس الوزراء هذا الحق بموجب نص قانوني، فان ذلك يقتضي تحديد دقيق لطبيعة الرسم وقيمته، في حين نجد ان المادة المذكور تترك الامر دون اي توضيح وتكتفي بالاشارة الى ان هذه الرسوم، يمكن ان تكون رسوم مباشرة عند المصدر تتعلق بإدارة النفايات الصلبة على أن تأخذ بعين الإعتبار كمية ونوعية وخصائص النفايات الصلبة الناتجة وكذلك الأكلاف المرتبطة بعمليات الإدارة، او رسوم غير مباشرة (على سبيل المثال : رسم على فاتورة الكهرباء) ، ورسوم على المنتجات. اذا وبعد انتظار عقد ونصف من الزمن من المقرر ان يصدر عن المجلس النيابي نص بهذا المستوى من الضبابية والعمومية في وقت ينتظر الشعب اللبناني نص عصري يحدد وبدقة مختلف الخطوات المنوي اتخاذها لادارة النفايات وعلى رأسها التمويل والكلفة ، خصوصاً ان الحكومة تتجه الى اطلاق مناقصة عالمية لتحويل النفايات الى طاقة، ما يعني ارتفاع كلفة معالجة طن النفايات الى ما لا يقل عن 200 يورو في حال التزام المتعهد بترحيل النفايات السامة الناتجة عن الحرق الى خارج لبنان. وبالتالي فان رسوماً جديدة سوف يتم فرضها، ولا يعرف مقادرها، ويجري امرار القانون المذكور دون اي تفصيل يتعلق بشأن هذه الرسوم تأثيرها على المكلف اللبناني.
المسألة الثانية التي تستحق التوقف عندها فيما يتعلق بالقانون المذكور ما تضمنه في المادة 10 حول انشاء هيئة وطنية لإدارة النفايات الصلبة تحت وصاية وزير البيئة؛ يتمّ تنظيمها وتحديد ملاكها بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير البيئة، وذلك خلال فترة لا تزيد عن 12 شهراً من تاريخ صدور هذا القانون. ومن المقرر ان تشرف هذه الهيئة على اعداد دفاتر الشروط الفنيّة والإدارية الخاصة بالمشاريع المتعلّقة بتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، وذلك خلال فترة لا تزيد عن 6 أشهر من تاريخ صدور مرسوم تنظيم الهيئة.
يلاحظ هنا ان هذه الهيئة حصر عملها باعداد الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، في حين ان العديد من الخبراء يؤكدون ان المطلوب اولاً اعداد استراتيجية تكون بمثابة خارطة طريق لاعداد قانون ادارة النفايات وليس العكس. وبحسب المعلومات المتداولة تنوي اللجنة الفرعية تعديل المادة العاشرة بما يكفل توسيع صلاحيات هذه الهيئة وتحويلها الى مجلس وطني لادارة النفايات يضم مختلف الوزارات المعنية والهيئات الخاصة والاهلية والاكاديمية، كما ان هناك اقتراح بان يرأس هذا المجلس وزير الداخلية والبلديات وليس وزير البيئة، خصوصاً انه وزير الوصاية على البلديات المفترض ان تتولى ادارة النفايات عن طريق الخطة المركزية التي تقترحها وزارة البيئة والتي اقرت في مجلس الوزراء.
ومن الملفت ايضاً ان مشروع القانون المذكور لم يشر الى مسألة هرم ادارة النفايات التي يولي الخيارات الاقل كلفة والاقل تلويثاً الاولوية مثل التحفيف والفرز من المصدر، في حين يضع في اسفل الهرم خطوات الحرق والطمر. كما يخلو مشروع القانون المذكور من اي اشارة الى الحوافز المتعلقة بالتخفيف من النفايات والتي تحتاج الى قوانين وتشريعات اضافية من قبيل قانون لحظر استخدام الاكياس البلاستيكية الذي اقر في مختلف دول العالم.
ويشير القانون في المادة 18 الى انه يجب معالجة قسم من النفايات الصلبة الممكن استردادها والمكونة من نفايات عضوية، نفايات قابلة لإعادة الإستعمال أو التدوير، بهدف إعادة الاستعمال أو التدوير أو التسبيخ أو استرداد موارد الطاقة، وذلك قبل التخلص منها، إلا في حال تسبب هذه المعالجة لتلوث أكثر على البيئة. كما يمكن استعمال النفايات الصلبة كمصدر لإنتاج الطاقة، شرط ألا تؤثر هذه العملية والمنتجات الثانوية الناتجة عنها على سلامة البيئة، وأن تتوافق مع المعايير والشروط المحددة بموجب قرار يصدر عن وزير البيئة. ويلاحظ ان النص بصيغته الحالية بات لزوم ما لا يلزم، فقرار اطلاق مناقصة للتفكك الحراري متخذ في مجلس الوزراء وبالاستناد الى دفتر شروط معد من قبل شركة أجنبية ، كما ان مجلس الانماء والاعمار انجز مرحلة التأهيل المسبق للشركات، ليأتي مشروع القانون المذكور ويشترط صدور قرار عن وزير البيئة بهذا الشأن، بدل ان يتضمن النص معايير صارمة تتعلق بضمان عدم تحول عملية الحرق من حلقة في ادارة النفايات يسبقها الفرز الاولي والثانوي والمعالجة والتسبيخ ، الى حلقة وحيدة يحرق خلالها جميع انواع النفايات بعد تجفيفها فقط ودون اي فرز يذكر، ما سيؤدي الى تداعيات خطيرة على الصحة العامة.
والى حين يبصر مشروع القانون المذكور النور لا تزال المسودة التي يجري نقاشها ، خارج السياق ويشوبها الكثير من العيوب، وبدل ان يتم التمهل في اقرارها والحصول على اوسع مروحة من الاراء والاستشارات بشأنها على غرار ما كان مطروح بالتعاون مع الاتحاد الاوروبي، يستعجل المجلس النيابي المصادقة على النص بعد كل هذه السنوات، ما يطرح علامات استفهام حول اسباب هذه العجلة ودوافعها.

Pin It on Pinterest

Share This