فيما تمعن الإدارة الأميركية في تبني مواقف مناقضة للعلم في موضوع تغير المناخ، وفيما شهدنا ونشهد من إجراءات تجافي الواقع، ليس أقلها الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، يتأكد للعالم أكثر من أي وقت مضى أن الولايات المتحدة الأميركية هي الأكثر تضررا من ظاهرة الاحترار العالمي وتغير المناخ.

إن الأعاصير المدمرة التي خلفت وراءها كوارث بيئية اقتصادية واجتماعية، بدأت ترمي بثقلها على سكان المناطق المنكوبة، والكثير منهم باتوا لاجئي مناخ، ولو مؤقتا، وهذا يعني أنه في ما لو استمرت الإدارة الأميركية في سياساتها الرامية إلى تشجيع الاستثمار في الوقود الأحفوري، فستكون النتائج الكارثية أكبر في المستقبل.

 

الإدارة الأميركية تكابر

 

لا يقتصر الأمر على الأعاصير فحسب، وإنما على سائر الظواهر المناخية المتطرفة، ولا سيما منها الجفاف والحرائق الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة، وآخرها الإعصار “توماس” الذي يعتبر الأكبر في تاريخ ولاية كاليفورنيا، بحيث ستشهد الولايات المتحدة موجات من الهجرة الداخلية أكثر بكثير مما هو حاصل الآن.

الاعتراف بوجود مشكلة هو مقدمة لحلها، وهنا يتبدى لنا دور الصين في ما اتخذت من خطوات جبارة في سياق تحولها نحو الطاقات البديلة، فعلى الرغم من معاناة الصينيين على مستوى ظاهرة الضباب الدخاني الذي طاول مدنا عدة من بينها العاصمة بكين، إلا أن كل المؤشرات تؤكد أن هذه الظاهرة شهدت تراجعا، ومن المتوقع أن تنحسر وتتبدد في غضون سنوات قليلة، فيما الإدارة الأميركية تكابر غير عابئة بالنتائج المترتبة على إنكار رئيسها (دونالد ترامب) لتغير المناخ!

 

الجزر الحاجزة

 

فقد ألمحت “النيويورك تايمز” إلى أن سكان الولايات الأميركية المعرضة لخطر الكوارث المناخية يعيشون في توجس وخوف كبيرين من فقدان بيوتهم، لتتساءل: “هل عملت الحكومة حسابا لموجة متزايدة من لاجئي المناخ؟”.

يعيش سكان ولاية لويزيانا في قلق من كارثة مناخية لائحة في الأفق، فتراهم يدعمون بيوتهم بركائز إضافية تقيها المياه، ويحتفظون بقوارب في أفنيتها، ومن لم يتحصن منهم يعلم أن النزوح يوشك أن يكون خياره الوحيد، فهل استعدت حكومة الولايات المتحدة لإعانة موجة النازحين التي توشك أن تغرقها؟

لا تخفى على ولاية لويزيانا هذه المشكلة، وبالفعل وضعت خطة تدعى “الخطة الرئيسة الساحلية للعام 2017″، لإصلاح السواحل عن طريق إعادة إنشاء الجزر الحاجزة وزراعة الأهوار، لكن لا يمكن إصلاح السواحل كلها، ما يعني أن على بعض الناس الرحيل، وفقا للمصدر عينه.

وقد بات معلوما ما لتغير المناخ من تأثير في شدة الفيضانات وعددها، وبات مثل هذا الأمر محتملا أي لجهة أن تخرج الفيضانات الناس من ديارهم. وينطبق واقع لويزيانا على ولايات أخرى تعيش في خوف من الخطر ذاته.

ويقدر “مركز رصد النزوح الداخلي”، وهو منظمة غير حكومية، أن إعصار “ماثيو” ساهم في نزوح 875,000 نسمة من سكان الساحل الأميركي الجنوبي الشرقي في العام 2016، وتوجد أدلة على أنه تفاقم بسبب ارتفاع درجة الحرارة وسخونة البحار الناتجيْن عن تغير المناخ.

 

أبعد من لويزيانا

 

إن كان نصيب لويزيانا من الكوارث البيئية كبيرا، فهذا لا يعني هذا أن الولايات الأخرى في منأى عن الخطر، فمؤخرا اندلعت في غابات كاليفورنيا حرائق سرعان ما نشبت في بيوتها ومنشآتها، وتسببت في خسائر لم يكتمل إحصاؤها حتى الآن، ويرى العلماء آثار التغير المناخي في تلك الحرائق التي دمرت آلافا من البيوت، وأودت بكثير من الضحايا وأولئك الذي فقدوا بيوتهم قد يصبحوا قريبا جزءا من موجة لاجئي المناخ التي سيشهدها البلد.

ووفق “مرصد المستقبل” الإماراتي، فقد خصصت الحكومة الأميركية مواجهة حالات الطوارئ الحرجة بقدر من المال، مع أنها لم تضع بعد خطة طويلة الأمد، ففي العام 2016 منحت “وزارة الإسكان والتنمية الحضرية الأميركية” 13 ولاية ما يبلغ مجموعه مليار دولار، لمساعدتها على مواجهة آثار التغير المناخي، ومن هذا المبلغ حصلت جزيرة “دي جان تشارلز” في لويزيانا على 48 مليونا، لاضطرار جميع سكانها إلى النزوح.

وإلى جانب ذلك، خطت الوزارة خطوات عدة نحو وضع خطة فدرالية شاملة لمعالجة مشكلات النزوح الناتج عن الكوارث المناخية، لكن يبدو، وفقا لـ “نيويورك تايمز”، أن تلك الخطوات تباطأت في عهد الرئيس ترامب؛ ومما يبُث في النفس مزيدا من القلق أن بعض المراقِبين يخشى من أن يتفاقم الأمر بسياسات الطاقة الجديدة التي يسعى الرئيس إلى تنفيذها، لأنها ستتيح إجراء عمليات حفر جديدة في المناطق الساحلية المعرضة للخطر والمكتظة بالسكان.

Pin It on Pinterest

Share This