د. ناجي قديح

أصبح واضحا لكل اللبنانيين، وليس فقط للبيئيين المتابعين لملف النفايات منذ مطلع التسعينات، أن حكومات لبنان، أي السلطة السياسية، تتعاطى مع هذا الملف على أنه الدجاجة الي تبيض ذهبا خالصا.

إن حكومات لبنان المتعاقبة، وضمنا الحكومة الحالية، هي تآلف كل قوى السلطة في النظام الطائفي-المذهبي، الذي يحكم لبنان دون أي مساءلة حقيقية أو محاسبة جدية أو مراقبة تصل إلى نهايات وخلاصات تسمح بتحديد مسؤوليات عن فساد هنا أو هدر هناك، أو تعسف هنالك. تتقاسم هذه القوى النفوذ والمصالح والمنافع فيما بينها، وتتوزع الملفات “الدسمة”. إن القرارات المتعلقة بهذا الملف أو ذاك، تمرر في مجلس الوزراء، دون نقاشات معمقة، وفي غالب الأحيان، بتوافق، أصبح مفهوما لدى جميع اللبنانيين، بحيث أن كل فئة من مكونات السلطة واضعة يدها على قطاع يدر لها الذهب الخالص، وفي المقدمة منها قطاع النفايات.

كنا على إدراك، بأن تهرب الحكومات المتعاقبة من إقرار استراتيجية متكاملة لإدارة النفايات، هو خيار سياسي لها، وليس وليد عائق هنا، أو عامل تأجيل أو تأخير هناك. فكم من الاستراتيجيات التي أرسلت إلى مجلس الوزراء، تم التعامل معها بالإزدراء والتجاهل. وحتى تلك التي حظيت بـ”تكرم” الحكومة لإقرارها، بقيت ولاتزال منذ عقود مرمية في الأدراج، تآكلها الغبار والنسيان. إن أحدث هذه الاستراتيجيات، ما أحاله وزير البيئة شهر آب (أغسطس) من العام الفائت، ولو بعد تأخر كبير تبع الوعود الحامية، التي تحدث عنها في حينه، ليس فقط وزير البيئة وأوساطه السياسية، بل أن رئيس الجمهورية ومستشاريه دخلوا أيضا على خط الوعود والدعوة لانتظار الترياق الآتي من استراتيجية البيئة للنفايات.

بدل أن تذهب الحكومة إلى درس ومناقشة “استراتيجية الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”، التي تعبت وزارة البيئة لوضعها، وبذلت جهودا في تدقيق تفاصيلها وبنودها، تجاهلتها للشهر السادس على التوالي، كأنها لم تكن. لا بل أكثر من ذلك ذهبت لمتابعة أخذ القرارات في نفس السياق، الذي أوصل البلد إلى الأزمة الكارثية للنفايات، وما تتركه من آثار مدمرة على البيئة بكل أوساطها، الهواء والبحر والتربة والمياه، وانعكاساتها الخطيرة جدا على صحة المواطنين، بحيث أصبح لبنان في مراتب متقدمة من التعرض للأمراض السرطانية في كل منطقة الشرق الأوسط، وإنهاكها للمال العام، عبر الخيارات الملتهمة لمئات ملايين الدولارات من أموال وقوت الشعب اللبناني، على معالجات مؤقتة وغير جذرية، وغير مجدية، بل تشكل خطوات تهيء الأرضية لقرارات توسعة إضافية، تترافق بكلفات جديدة من مئات ملايين الدولارات، وقرارات أكثر جذرية، بالإنتقال إلى خيار المحارق بعد أن استنزفوا خيار المطامر حتى آخر رمق فيه، واستثمروه في تحقيق مشاريع ردم مئات الألوف من الأمتار المربعة في البحر، وفي وضع اليد على ملايين الأمتار المربعة من الواجهة البحرية والشاطيء، التي تشكل ملكا عاما للشعب اللبناني بأجياله المتلاحقة.

إن الغريب في الأمر، أن وزير البيئة، بدل أن يطالب بوضع استراتيجيته على جدول الأعمال لكي تناقش وتقر، ويصحح مسار إدارة النفايات في لبنان، من ملف تطغى عليه الممارسات غير البيئية وغير الصحية والمترافقة بهدر فظيع للمال العام، إلى إدارة متكاملة ترتكز على مباديء استرداد القيمة والإدارة السليمة بيئيا لنفايات لبنان، رأيناه، عبر كل حركته وتصاريحه، يشكل غطاء وتبريرا للمسارات الخاطئة وللخيارات، التي تلبي مصالح فئوية، وتتعارض كليا مع معايير حماية البيئة والصحة العامة، ومقتضيات الإئتمان على حسن التصرف بالمال العام.

كان واضحا لنا، نحن البيئيين، منذ أزمة النفايات التي انفجرت في 17 تموز (يوليو) 2015 وحتى اليوم، أن تعامل الحكومات مع هذه الأزمة، التي أذلت اللبنانيين أيَّما إذلال، يحكمه الميل إلى توظيف هذه الأزمة بكل ثقلها الضاغط على الجميع، من أجل تمرير مشاريع، يتم تقاطعها مع مسألة النفايات، تحقق أهدافا ومصالح ومنافع فئوية، تجلت في مشاريع ما أسموه “المطامر” الشاطئية في الكوستابرافا وبرج حمود – الجديدة. حيث استثمروا في أزمة النفايات للعودة إلى تنفيذ مشاريع ردم البحر، المعدة منذ سنوات، في هاتين المنطقتين تحديدا. وتجاوزوا في ذلك كل الإعتراضات والإحتجاجات، وكل ما تم طرحه وتفصيله وتعليله من مخاطر بيئية وصحية وهدر للمال العام. وجرى التمنع عن تنفيذ قرارات قضائية، حيث مورست كل أشكال الضغوط، ومن كل أطراف السلطة دون استثناء، لكي يستمر العمل في هذه المواقع، متعاملين بطريقة وحشية مع مخاطر الطيور على سلامة الطيران المدني، عبر تنفيذ مجزرة رهيبة بحق طيور النورس لم يسبقهم عليها أحد.

قلنا منذ المؤتمر الصحافي، الذي عقدته الحركة البيئية في نقابة الصحافة، يوم 12 كانون الثاني (يناير) 2015، أن هدف الحكومة الحقيقي هو الذهاب نحو اعتماد المحارق، وكل ما تقرره اليوم من إجراءات، هو إجراءات مؤقتة تمهيدا للوصول إلى المحارق.

إن قرارات مجلس الوزراء الأخيرة، بشأن النفايات، جاءت لتكشف النقاب كاملا عن أهداف الفئات الممسكة بملف النفايات في استكمال مشروع ردم البحر في موقعي الكوستابرافا وبرج حمود-الجديدة، واستكمال السير في الخيارات المتناقضة كليا مع استراتيجية الإدارة المتكاملة للنفايات، التي تلتزم مقتضيات قانون حماية البيئة في الحفاظ على الموارد الطبيعية وحمايتها، وتلتزم حماية الصحة العامة من مخاطر التعرض للملوثات السامة، المسببة لأخطر الأمراض المزمنة، والتي تضع شعب لبنان أمام تهديدات الإنهيار الصحي الكامل، عبر تمهيد الطريق وتهيئة الأرضية للسير إلى تعميم المحارق على كامل الأراضي اللبنانية. وما الإجراءات الأخرى، من تطوير معامل الفرز والتسبيخ إلا ذرّاً للرماد في العيون، وإيهام اللبنانيين أنهم ذاهبون لتطوير هذه الخيارات، التي تشكل حلقة رئيسية من حلقات الإدارة المتكاملة للنفايات.

في ظل غياب استراتيجية واضحة وسليمة للإدارة المتكاملة للنفايات، تشكل أساسا للسياسة الرسمية لحكومات لبنان، ترتكز على مباديء أولوية استرداد القيمة من الموارد الموجودة فيها من ورق وبلاستيك ومعادن ومكونات أخرى صالحة للتدوير، لتشجيع ودعم الصناعة اللبنانية العاملة في هذه القطاعات، وأولوية معالجة المكونات العضوية عبر عمليات التسبيخ الهوائية لإنتاج الكومبوست النوعي، أو الهضم اللاهوائي لإنتاج البيوغاز وتوليد الطاقة، تكون المحارق متعارضة بالمبدأ مع هذا السياق البيئي المتكامل، وتصبح عاملا حاسما في إفشالها وسقوطها المدوي.

إن المحارق، التي يتراجع العالم المتحضر عن اعتمادها خيارا للتخلص من نفاياته، تشكل خطرا بيئيا وصحيا عاليا، في ظل غياب تلك الاستراتيجية البيئية، التي تتحدد فيها أولوية فرز الموارد المكونة للنفايات، وأولوية تدويرها دعما للصناعة اللبنانية، وأولوية السعي لتصنيع أكبر كمية ممكنة من المتبقيات، عبر تحويلها إلى منتجات لها استعمالات مختلفة، وأولوية التخلص السليم بيئيا من المتبقيات في مطامر صحية نظامية، يتم اختيار مواقعها باحترام المعايير البيئية، ويتم تشغيلها بطريقة هندسية بيئية سليمة، من قبل شركات متخصصة بهذه الأعمال. إن المحارق في ظل غياب كل ذلك، تتحول واقعيا إلى عامل تعطيل وإفشال لأي منشأة للفرز، وإلى عامل إعاقة لمحاولات التدوير، وتخريب فعلي لمساعي المعالجة، بل تدفع نحو استسهال تحويل كامل النفايات، وربما أنواع أخرى من النفايات، طبية وصناعية، إلى المحارق على حساب كل الإدارة المتكاملة السليمة بيئيا لها.

إن المحارق، هي مصدر رئيس لأكثر الملوثات الكيميائية والجزيئية خطرا على الصحة البشرية. وهي في رأس قائمة مصادر انبعاث الديوكسين والفوران وغيرها من الملوثات العضوية الثابتة، عالية السمية، وعالية الاستقرار والثبات، والقدرة على التراكم الحيوي. وهي أيضا في رأس قائمة مصادر التلوث بالمعادن الثقيلة ولا سيما الزئبق. وفي رأس قائمة مصادر انبعاث الجزيئات الصغيرة ومتناهية الصغر، الأكثر خطرا والأعلى تهديدا للصحة البشرية، والمسببة للائحة طويلة من الأمراض المميتة والمزمنة.

إن المحارق، تولد رمادا متطايرا ورمادا يتبقى في قعر غرفة الإحتراق، بنسبة تقدر بـ 25-30 بالمئة من وزن النفايات الداخلة إليها. وتصنف نفايات خطرة علينا معالجتها والتخلص منها في مطامر متخصصة باستقبال النفايات الخطرة، غير موجودة في لبنان.

إن المحارق، ليست منشآت تقوم بذاتها، بل هي تستلزم قيام منشآت لمعالجة الرماد المتطاير، الذي يتجمع في تجهيزات مكافحة التلوث، ومطمر متخصص باستقباله بعد المعالجة باعتباره نفاية خطرة وفق التصنيف العالمي. وهي تستلزم أيضا قيام منشآت لمعالجة النفايات السائلة، المتولدة عن عمل تجهيزات معالجة غازات الإحتراق، المنبعثة من غرف الإحتراق، وذلك قبل انطلاقها في الهواء الجوي. إن تلك النفايات السائلة تحتوي على ملوثات كيميائية عالية الضرر البيئي، وتشترط معالجتها المسبقة، قبل التخلص منها في البحر أو في أي وسط بيئي آخر.

إن لبنان يدخل مع قرار الحكومة لاعتماد المحارق عصر انهيار الأمان الصحي، ويدخل عصر الإرتفاع المرعب للأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة المستعصية والمميتة. ليضاف إلى ما نعيشه منذ سنوات من انهيار للأمان البيئي والصحي، الذي نتج عن العبث ببيئة لبنان، وفي المقدمة ملف النفايات، وما ارتبط به من تلوث للهواء والمياه والتربة والبحر، ما سببه من ارتفاع لمعدلات الإصابة بالأمراض وتراجع الأمن الصحي لعموم الشعب اللبناني.

 

Pin It on Pinterest

Share This