يشكل احتفاء القوى السياسية والبلدية في طرابلس بـ “إنجاز” اقفال معمل فرز وتسبيخ النفايات التابع لاتحاد بلديات الفيحاء، فضيحة مدوية وغير مسبوقة. يمول جزء من المعمل من قبل الاتحاد الاوروبي وتنفق وزارة التنمية الادارية على تشغيله من اموال الخزينة، عبر تلزيم لشركة AMB للمقاولات، ولقد بدء العمل به منذ سبعة اشهر فقط فلماذا وصلنا الى هذه النهاية المأساوية ومن يتحمل المسؤولية؟
تقول الراوية المتداولة ان ﺭﺋﻴﺲ ﺑﻠﺪﻳﺔ ﻃﺮﺍﺑﻠﺲ ﺃﺣﻤﺪ ﻗﻤﺮ ﺍﻟﺪﻳﻦ “ﺘﺎﺑﻊ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻻﻭﻟﻰ ﺭﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﻨﻔﺎﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﻨﺘﺸﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﻓﺈﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﻤﻜﺐ ﺗﻘﻮﻝ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻨﺎ ﻭﺇﺩﺍﺭﺓ ﻣﻌﻤﻞ ﺍﻟﻔﺮﺯ ﺗﻘﻮﻝ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻨﺎ . وﻋﻬﺪ ﻟﺠﻬﺔ ﻓﻨﻴﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﺍﻥ ﺗﺘﺎﺑﻊ ﺍﻷﻣﺮ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻣﻜﺎﻥ ﺇﻧﺒﻌﺎﺛﻬﺎ، ﻭﻗﺪ ﺗﺄﻛﺪ ﻟﻨﺎ ﺍﻻﻥ ﻣﺼﺪﺭﻫﺎ ﻭﻫﻲ ﻣﻦ ﻣﻌﻤﻞ ﺍﻟﻔﺮﺯ ﻭﺗﺤﺪﻳﺪﺍ ﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺘﺴﺒﻴﺦ، ﻟﺬﻟﻚ اتخذ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻹﺗﺤﺎﺩ ﻗﺮﺍﺭﺍ ﺑﻮﻗﻒ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺑﻪ ﻟﺤﻴﻦ ﺗﺤﺴﻴﻦ ﻋﻤﻠﻪ ﻭﺗﺤﺪﻳﺜﻪ ﺣﻔﺎﻇﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ”. بدورها طالبت الوزيرة عناية عز الدين بفتح تحقيق في عمل المعمل واوصت باغلاقه مؤقتاً.
لكن ما حقيقة الرائحة المنتشرة في طرابلس ؟ وهل فعلاً مصدرها الاوحد معمل التسبيخ؟ واذا كان الجواب نعم، هل الحل يكون باقفاله او بالبحث عن اسباب الخلل ومعالجتها فوراً؟ بدل اقفال المعمل الذي يخفف من كمية النفايات المتدفقة يومياً الى مكب طرابلس العشوائي المهدد بالانهيار والذي جرى توسيعه طيلة السنوات الماضية بانتظار الحل الموعود المستدام.
هي ليست المرة الأولى التي تفشل فيها المشاريع التي يمولها الاتحاد الاوروبي ويشرف على ادارتها وزارة التنمية الادارية OMSAR. تقوم هذه الوزارة منذ سنوات عديدة بادارة هبات من الاتحاد الاوروبي ضمن برنامج ادارة النفايات وقيمتهما الاجمالية 49 مليون يورو لإنشاء مراكز معالجة النفايات الصلبة بحسب الخطة المقرة من مجلس الوزراء عام 2006. كما تقوم OMSAR بتمويل تشغيل وصيانة المعامل التي تم إنشاءها بهبة من مجلس الوزراء من الموازنة العامة للدولة اللبنانية قيمتها 12 مليون دولار في السنة بسعر محدد لمعالجة الطن 25 دولار أميركي. ومؤخراً اقرت هبة جديدة من الاتحاد الاوروبي لتمويل مشاريع مماثلة في اقضية جبل لبنان، في حين لم تجر عملية تقييم ومراجعة مستقلة للمشاريع التي نفذت في الجنوب والبقاع والشمال، خصوصاً ان المعلومات المتداولة تفيد ان غالبيتها تعمل باقل من 30 بالمائة من الشروط المحددة في دفاتر التلزيم، وتعاني من سوء ادارة وتتعثر اما بسبب اتحادات البلديات المعنية او بسبب رفض الناس للحلقة المتكاملة والملزمة لادارة النفايات والتي تتطلب وجود مطامر الى جانب المعامل للتخلص من العوادم والمرفوضات الناتجة عنها. هذا يعني فشل وزارة التنمية الادارية في تطبيق ناجح لما يتم عرضه ورقياً عبر تلزيم مكتب فني متخصص للقيام بوضع الدراسات الهندسية والمواصفات والشروط الفنية واختيار التكنولوجية المناسبة لمشاريع ادارة النفايات مع القيام بدراسة تقييم الأثر البيئي. المسؤولية هنا مشتركة بين OMSAR والاتحاد الاوروبي الذي يكتفي بكيل الثناء للتقارير التي تصله من OMSAR، خصوصاً ان هناك فريق متخصص في الوزارة يحسن كتابة التقارير التي ترضي بيروقراطية الاتحاد الاوروبي.
وتقول وزارة التنمية الادارية انها تتولى حالياً ادارة المعامل التالية : سرار ويخدم محافظة عكار 500 طن/اليوم. المنية لاتحاد بلديات المنية 70 طن/اليوم. طرابلس لاتحاد بلديات الفيحاء 450 طن/اليوم. الضنية لقضاء الضنية 150 طن/اليوم. زغرتا-الكورة للقضائين 250 طن/اليوم. البترون لقضاء البترون 150 طن/اليوم. بعلبك لمحافظة بعلبك-الهرمل 250 طن/اليوم. زحلة لقضاء زحلة 250 طن/اليوم. جب جنين لاتحاد بلديات البحيرة 100 طن/اليوم. النبطية لقضاء النبطية 250 طن/اليوم. صور لقضاء صور 250 طن/اليوم. بنت جبيل لاتحادات بنت جبيل-القلعة-جبل عامل 250 طن/اليوم. اي ما مجموعه 2920 طن/اليوم.
وبحسب معلومات موثقة تمكن موقع greenarea.me من الحصول عليها فإن هذه المعامل اما لا تزال في مرحلة البناء او تعثر تلزيمها لاسباب ادارية وسياسية، او انها تعاني من سوء ادارة بسبب بدائية التقنيات وعدم وجود مساحات كافية للتسبيخ، او توقفت بسبب غياب او تغييب المطامر التي يحتم وجودها لاكتمال حلقة ادارة النفايات.
الملفت ان الاستثمار في هذه المشاريع لا يزال يعتمد تقنيات بدائية في عمليات التسبيخ دون الفرز و/او التفريق من المصدر اقله في المنشآت الكبرى (سوق الخضر، المصانع، المسالخ إلخ)، ما ينتج عنه سباخ ملوث غير قابل للاستخدام الزراعي، اضافة الى ان معامل التسبيخ تُحشر في مساحات ضيقة ما يؤدي الى عدم القدرة على استكمال عملية التسبيخ التي تحتاج الى سبعة اسابيع كحد ادنى ما يؤدي الى تكدسها في الهواء الطلق قرب المعامل وانبعاث الروائح الكريهة منها، كما حصل مؤخراً في طرابلس وادى الى نقمة شعبية عارمة دفعت القوى السياسية الى استعجال اغلاق المعمل بدل البحث عن سبل تحسينه وتوسيعه وتطويره، وهو ما رفضه اتحاد بلديات الفيحاء الذي لم ينفذ تعهد بتقديم مساحة ارض كافية للتسبيخ.
لم تكتف وزارة التنمية الادارية بهذا المستوى من انعدام الرؤية والفشل على المستوى التقني في ادارة المعامل ومراقبة عملها، بل ادخلت وبطلب من الاتحاد الاوروبي معدات لفرم النفايات غير القابلة للتدوير والتسبيخ وروجت على ان هذه المعدات تنتج الوقود البديل المعروف باسم RDF ، في حين ان انتاج هذا الوقود بنوعية قابلة للتصدير والاستخدام في معامل الاسمنت اللبنانية، يحتاج الى حلقة اضافية من المعاجلة تشمل التجفيف واستخراج مواد غير قابلة للحرق، وهذا ما لم يحصل في اي من المعامل الممولة من الاتحاد الاوروبي، ما يعني تكدس اضافي للمواد التي تذهب الى الطمر مع فارق انه جرى انفاق اموال اضافية على معالجها بشكل مبتور وغير مجدي قبل طمرها!
يحدث كل ذلك في وقت تعاني المعامل المركزية في الكرنتينا والعمروسية من نفس سوء الادارة والتخطيط مع فارق وحيد ان الدولة اللبنانية تتبنى خيارات انشاء المطامر وتوسيعها عبر مجلس الانماء والاعمار، فلا تواجه مشكلة التصريف بعد الفرز البدائي والمعالجة البدائية والناقصة والمبتورة، في حين لا تساعد على انفاذ حلول توصل الى تأهيل المكبات العشوائية وتحويلها الى مطامر صحية كما في سرار في عكار، وبعلبك، وغيرها من المناطق اللبنانية.
وبانتظار ما سوف تنتهي اليه قضية انبعاث الروائح في طرابلس والتي يمكن البحث عن مصادرها ومعالجتها سواء في المكب او في المعمل او في المسلخ او في المنطقة الحرة إلخ، فان هذه الحادثة تستدعي البحث جدياً في مجموعة من الخيارات، ابرزها اعادة النظر في برنامج ادارة النفايات الممول من الاتحاد الاوروبي، والطلب من وزارة التنمية الادارية العودة الى الهدف الحقيقي من انشائها وهو محاربة الفساد وتطوير الادارة وليس معالجة النفايات، بالتزامن مع الطلب من الاتحاد الاوروبي انفاق هذه الهبات في مشاريع متكامل وذات ادارة سليمة تبدء من الفرز والتفريق من المصدر بنسبة معينة، الى الفرز المركزي المؤتمت والحديث، والتسبيخ المجدي والفعال للنفايات العضوية الخضراء والمفرزة وغير الملوثة، وتمويل معامل بتقنيات متوفرة في دول الاتحاد الاوروبي منذ عقود لكنها لم تنفذ في لبنان، من التسبيخ اللاهوائي الى انتاج الوقود البديل الى غيرها من الخيارات، والتي لا تغني جميعها عن وجود مطمر لكل مشروع وفي كل منطقة خدماتية للتخلص النهائي من النفايات المتبقية، على ان يتم ادارة هذه المشاريع من قبل الادارة المعنية اي وزارة الداخلية والبلديات الوصية والمسؤولة المباشرة عن عمل الاتحادات والمجالس البلدية.

Pin It on Pinterest

Share This