يختتم العام 2017 بيئياً على العديد من الملفات العالقة التي احيلت الى لجان وزارية. الملفت كيف ان مجلس الوزراء يؤجل منذ العام 2012، ورغم تعاقب ثلاث حكومات، طلباً اساسياً لوزارة البيئة يتعلق بالموافقة على اعداد مخطط توجيهي لحماية قمم الجبال والمناطق الطبيعية، وتنظيم واستثمار الشواطئ، والمساحات الخضراء والاراضي الزراعية في لبنان.

يضع المشروع الحفاظ على البيئة في سباق مع الجرافات التي قضت على مساحات شاسعة من المناطق البيئية الحساسة، لكن الأكيد ان ثمة من يريد ان تبقى الجرافات متصدرة المشهد، وتستكمل اعمال استباحة ما تبقى من طبيعة لبنان.

جديد هذا المشروع اعادة طرحه من قبل وزير البيئة طارق الخطيب في كتاب الى مجلس الوزراء في بداية العام الجاري، ولقد تم تأجيل البحث به لعدة جلسات كان آخرها جلسة 26 تشرين الأول ليختتم هذا العام على وقع تأجيل البحث بهذا المشروع.

وكانت وزارة البيئة قد تقدمت في آب 2012 باقتراح لحماية قمم الجبال والمناطق الطبيعية وتنظيم استثمار الشواطئ والمساحات الخضراء والاراضي الزراعية في لبنان، ولقد لاقى هذا الاقتراح ردوداً ايجابية من قبل مختلف الوزارات المعنية باستثناء وزارة الاشغال العامة والنقل التي اعتبرت ان اعداد المخططات التوجيهية هو من صلاحياتها.

واقترح الوزير الخطيب ان تكلف وزارة البيئة اجراء الدراسات التمهيدية للمخطط التوجيهي المذكور بما في ذلك دراسة التقييم البيئي الاستراتيجي بناءاً على المخطط التوجيهي الشامل لترتيب الاراضي، على ان يتم ذلك بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الانمائي، وعلى ان يتم تكليف مجموعة او ائتلاف يضم شركة استشارات بيئية وشركة هندسة تنظيم مدني للقيام بهذا العمل بموجب مناقصة، وأن يجري التنسيق الدوري مع لجنة تمثل وزارات البيئة والطاقة والمياه والاشغال العامة والنقل والزراعة ومجلس الانماء والاعمار، على ان يتم مراجعة النتائج من قبل لجنة موسعة تضم الى الوزارات الممثلة في اللجنة الاولى وزارات الثقافة والداخلية والبلديات والصناعة والاقتصاد والتجارة والمالية والدفاع الوطني.

كما اقترح الوزير الخطيب ان يتم نقل مليار ومئتا مليون ليرة لبنانية لهذه الغاية ، على ان تحدد الفترة الزمنية لانجاز الدراسات ومراجعتها بسنة من تاريخ صدور مرسوم نقل الاعتماد.

ويمثل طلب الوزير الخطيب نسخة طبق الاصل عن طلب سابق تقدم به الوزير محمد المشنوق في نيسان العام 2016 ولم يتم الاخذ به.

ويهدف اقتراح المخطط توجيهي لحماية قمم الجبال والمناطق الطبيعية، وتنظيم واستثمار الشواطئ، والمساحات الخضراء والاراضي الزراعية في لبنان، إلى تنظيم عملية الاستثمار في المناطق الحساسة، قبل أن يُقضى على الإرث الطبيعي للبنان وخزانه المائي والسياحة، بالإضافة إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي. وينص على تكليف مجلس الإنماء والإعمار بالتنسيق مع وزارة البيئة ومجموعة من الشركات المختصة بالهندسة والتنظيم المدني والاستشارات البيئية بأعداد المخطط التوجيهي المذكور.

النقطة الأهم، التي تطرحها وزارة البيئة، تتعلق بإعطائها الحق وفق قرار معلل، في تأجيل البتّ بدراسات تقويم الأثر البيئي والتقويم البيئي الاستراتيجي، العائدة لأي مشروع في هذه المناطق (قمم الجبال، الشواطئ، المناطق الطبيعية، المساحات الخضراء، الأراضي الزراعية) من تاريخ صدور قرار مجلس الوزراء بالموافقة على إجراء هذا المخطط ولحين إقراره نهائياً من قبل مجلس الوزراء. لكن هذا الاقتراح سقط حكماً ولا تزال المشاريع التي تنهش المناطق التي يستهدفها المخطط تمنح التراخيص والموافقات الاستثنائية.

ويعيد عرقل المخطط التوجيهي طرح السؤال عن الاسباب التي تعرقل ايضاً اقرار مشروع القانون لحماية قمم الجبال المحال الى مجلس النواب منذ العام 2008، ومشروع قانون المحميات الطبيعية المحال الى مجلس النواب منذ العام 2012، وغيرها من الاطر القانونية ذات الصلة.

كذلك تقترح وزارة البيئة أن توضع مهلة زمنية لا تتجاوز ستة أشهر قابلة للتمديد شهراً ونصف شهر، لإنجاز المطلوب بالتنسيق مع لجنة تمثل وزارات البيئة والطاقة والمياه والأشغال العامة والنقل والزراعة والداخلية والبلديات و”مجلس الإنماء والإعمار”. ويكلف التفتيش المركزي لجنة للمراقبة إلى حين أن يقر مجلس الوزراء المخطط المعدل.

ومن شاطئ الدالية الى كفرعبيدا مروراً بالعاقورة واللقلوق وعكار وصولاً الى القرنة السوداء، يبدو واضحاً ان المشاريع الاستثمارية ستقضي على ما تبقى من مناطق يفترض ان تبقى محمية. ومعلوم ان المشاريع السكنية الضخمة لا يمكن ضبطها من خلال مرسوم تقويم الأثر البيئي وحده. وترفض وزارة الأشغال اقتراح وزارة البيئة جملة وتفصيلاً، بحجة أن إعداد المخططات التوجيهية هو من صلاحيات المديرية العامة للتنظيم المدني، لتعرضها بدورها على المجالس البلدية لإبداء رأيها، وبعدها تعرض على المجلس الأعلى للتنظيم المدني، الذي يمكنه تعديلها، ومن ثم تصدق وتصبح نافذة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الأشغال العامة والنقل.

وتعود أهمية جبال لبنان إلى أمرين أساسيين: الأول أنها تشكل خزاناً أساسياً لمياه الينابيع، وتحتضن الرقعة الخضراء، وبالتالي إن مستقبل لبنان الاقتصادي هو في الحفاظ على هذه الجبال، خصوصاً لجهة منع التوسع العمراني في المناطق التي يزيد ارتفاعها على 1500 متر. الأمر الثاني هو أن هذه الجبال تحتضن المجتمعات الريفية المهددة بالنزوح والهجرة إلى المناطق الحضرية، ما يسبب اختلالاً في توازن النظم الإيكولوجية. تؤدي الجبال أدواراً مهمة في التأثير في المناخ المحلي والمناخ العالمي معاً، حيث تدفع الجبال الهواء إلى الأعلى، ما يزيد كمية الأمطار والثلوج على الجانب المواجه للرياح، ويخلق مناطق أكثر جفافاً، أو ما يسمى “ظلال المطر” في الجانب الآخر. وهكذا فإنه لن يكون ثمة موسم للرياح الموسمية، مثلاً، لولا الجبال التي تعترض كتل الهواء. كذلك إن المياه التي تسقط على شكل أمطار في الجبال أو التي تخزن فيها على شكل ثلج أو جليد في الأنهار الجليدية ثم يطلقها الذوبان إلى الربيع والصيف، تعدّ مورداً حيوياً لما يزيد على نصف سكان العالم. غير أن مناطق الجبال ذات تضاريس معقدة للغاية، ولذلك يتذبذب المناخ فيها بصورة كبيرة ضمن مسافات قصيرة، ومن المؤسف كذلك أنه لا توجد سجلات طويلة الأجل وموثوق بها للمناخ في الجبال، وخصوصاً في الارتفاعات الشاهقة.

وسيؤدي تغير المناخ كذلك إلى تغيرات في الدورة الهيدرولوجية، ما يقلل كميات الثلوج ويزيد كميات الأمطار، بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية والأكثر تكراراً مثل الحرائق والفيضانات والجفاف والعواصف. ويمكن أن تحدث هذه التغيرات في ظل زيادات طفيفة نسبياً في درجات الحرارة، ويمكن أن تكون ذات تأثيرات خطيرة على سبل المعيشة القائمة على الزراعة وعلى البنى التحتية والصحة.

وتتأثر الجبال اللبنانية تلقائياً بظواهر تغيّر المناخ على المستوى العالمي، خصوصاً لجهة ارتفاع درجة الحرارة وأثرها في الذوبان السريع للثلوج، الأمر الذي سينعكس على غزارة الينابيع، وبالتالي سيزيد من ندرة المياه خلال فصل الصيف. واقع الساحل اللبناني، ليس أفضل، فقد سببت المنتجعات السياحية تآكل الشواطئ التي تُعَدّ أملاكاً عامة، وتشارك في تلوث المياه البحرية، عبر صرف المياه المبتذلة ومياه أحواض السباحة مباشرة في البحر، وغالباً بدون أي معالجة، بما يخالف تعهدات لبنان الدولية، ولا سيما معاهدة برشلونة لعام ١٩٧٧ المتعلقة بالمحافظة على البحر الأبيض المتوسط وحمايته من مصادر التلوث. إضافة إلى المراسيم بإشغال الأملاك العامة البحرية التي تعطى دائماً بصورة استثنائية وتسبب ردم عشرات الكيلومترات على طول الساحل اللبناني (ضبية، النورماندي، برج حمود، الشويفات، صيدا، الجية وغيرها)، الأمر الذي يسبب تدمير الموائل البحرية ومصائد الأسماك والجرف القاري. ولا تتوقف الانتهاكات التي يتعرض لها الساحل عند المشاريع الخاصة، بل تصل إلى بناء منشآت عامة لمعالجة المياه الآسنة في مواقع مصنفة مثل الجية، حيث يبني “مجلس الإنماء والإعمار” محطة لتكرير المجارير على عقار مملوك من قبل وزارة الثقافة، ويحوي آثاراً فريدة وجميلة. وترافق إعداد الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية عام 2004 مع إعداد ثلاثة مشاريع قوانين تتعلق بحماية قمم الجبال وحماية الساحل، ومشروع القانون المتعلق بالحدائق أو المتنزهات الوطنية. ولقد ورد في هذه الخطة بند يتعلق بحماية الجبال والمرتفعات عبر إنشاء حزام خاص بها يحميها من التمدد العمراني. تصف الخطة الشاملة الخصائص الحسية المؤثرة في استخدام الأراضي والتحديات المستقبلية والتركيبات البديلة لاستخدام الأراضي وتطويرها. كذلك تقدم خطط عمل قطاعية للنقل والسياحة والطاقة والمياه والبيئة والتعليم. وقد نشر التحليل النهائي ووافق مجلس الوزراء على هذه الخطة بعد خمس سنوات، وصدرت بمرسوم حمل الرقم 2366/2009. تلا ذلك تشكيل لجنة تضم الوزارات المعنية، ورغم أن هذه اللجنة عقدت العديد من الاجتماعات، إلا أنها لم تنجح في إنفاذ الخطة الشاملة وتطبيق بنودها.

Pin It on Pinterest

Share This