غالباً ما يغيب عن الاجندة الاعلامية، قطاع الزراعة العضوية في لبنان والتي يطلق عليه تسميات متعددة من قبيل الزراعة المتجددة والزراعة المسؤولة وصولاً الى تسمية “البيرماكلتشر” اي نشر الثقافة المرتبطة بمهارات وممارسات صديقة للبيئة، من قبيل إعادة احياء الوسائل التقليدية للزراعة والريّ، وتأهيل التربة والمحافظة على البذور المحلية.

الموضوع كان حاضراً في جلسة نقاش، نظمت في بيروت قبل شهرين، بمبادرة من الاستشاري EcoConsulting  حول الزراعة المتجددة وتغير المناخ، وهو موضوع بالغ الاهمية لناحية حداثته وارتباطه الحتمي بمصير الزراعة بشكل عامل والتي تلعب التغيرات المناخية دوراً حاسماً في رسم مستقبلها.

هدفت جلسة النقاش الى اعلام الرأي العام حول الترابط بين الزراعة وتغير المناخ، وكيف ان الانتقال الى الزراعة المتجددة لا يسهم فقط في الحصول على انتاج صحي وخالي من التلوث، بل يسهم ايضاً في التخفيف من حدة تغير المناخ. كما ناقشت الجلسة التحديات التي تواجه المزارع العضوية في لبنان وكيفية تطوير هذا القطاع.

وبحسب التقرير الوطني الثالث للبنان الى اتفاقية الامم المتحدة الاطارية حول تغير المناخ، ساهمت الأنشطة الزراعية بـ 3,3 بالمئة من الانبعاثات الوطنية، وقد نشأت هذه النسبة بالأساس من التربة الزراعية (55 بالمئة)، والماشية المحلية عن طريق التخمر المعوي (23 بالمئة)، وإدارة السماد (22 بالمئة).

وتشكّل الزراعة المصدر الرئيسي لانبعاثات أكسيد النيتروس في لبنان، والناجمة أساساً عن استعمال الأسمدة النيتروجينية الاصطناعية، ومخلفات المحاصيل، وروث الحيوانات في التربة، ومن ترسب الأمونياك وأكاسيد النيتروجين في الغلاف الجوي، وكذلك من الرشح والجريان السطحي للنيتروجين ورعي الحيوانات.

يوفّر التخطيط لأنشطة مناسبة للقطاع الزراعي فرصة إدارة الموارد (المياه، والأسمدة، والبذور، والوقود) بكفاءة، وزيادة الدخل في المناطق الريفية، والحفاظ على سبل العيش لـ 170 ألف مزارع، وكذلك الحد من الانبعاثات وزيادة المرونة في التكيف على نحو أفضل مع آثار تغير المناخ. وقد أظهر استخدام الممارسات الزراعية البسيطة مثل الزراعة الصونية والتسميد لنوع محدود من المحاصيل ومنطقة الحصاد القدرة على الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 10 بالمئة في العام 2020 و27 بالمئة في العام 2040.

المتحدثون في جلسة النقاش، مجموعة من المبادرات الرائدة في الزراعة العضوية مثل مؤسسة بيرماكلتشر “تراب”،  Mycelia ، بساتين بعنوب،Les Racines du Ciel، بيولاند، وبيوماس.

يجمع المشاركون في الجلسة على التقصير الفاضح من قبل وزارة الزراعة في تطوير وتحديث قطاع الزراعة العضوية، ان من ناحية التشريع والرقابة على جودة الانتاج.

ولقد تداعى المشاركون وهم يمثلون قرابة 102 مؤسسة وشركة وتعاونية تعتمد الزراعة العضوية الى التوقيع  على عريضة للمطالبة بكشف عمليات التزوير والخداع التي تمارسها العديد من الشركات، من خلال التصريح عن منتاجتها بأنها عضوية. مكمن الخلل الاساسي بحسب المداخلات في الجلسة، غياب رقابة الدولة على شهادات الاعتماد التي تمنحها شركة خاصة أجنبية اخليت لها الساحة لتعمل وحيدة دون منافس او رقيب. اضافة الى غياب الرقابة من قبل وزارتي الزراعة على مزارع الانتاج، ووزارة الاقتصاد على عمليات التسويق وبيع المنتجات.

يقول المنتج والناشط في قطاع الزراعة العضوية المهندس فادي ضو ، ان ثمار العريضة التي وقعها العشرات من المزارعين بدأت تؤتي ثمارها، حيث وعدت وزارة الاقتصاد بملاحقة المنتجات التي تحمل أوسمة عضوية،  في حين انها منتجات تقليدية تعتمد على الكيماويات والمبيدات ، ولا يتوقع في المرحلة الاولى تسطير محاضر ضبط بل انذارات ومهل للمخالفين لتسوية أوضاعهم، لكن النشطاء في الحملة يؤكدون انهم لن يتراجعوا قبل ان يتم اخلاء السوق اللبناني من جميع المنتجات العضوية المزورة.

ويعد عدم مصادقة المجلس النيابي على مشروع قانون تنظيم الانتاج العضوي، العقبة الابرز امام تحسين  جودة  المنتجات ومدى مطابقتها للمواصفات العضوية، خصوصاً المنتجات التي خفضت أسعارها عن باقي المنافسين رغم أن الاكلاف لا تزال مرتفعة فيما لو قرر المزارع الالتزام الكامل بالمواصفات. كما يلاحظ غياب كامل لوزارتي الزراعة والاقتصاد عن القيام بدورهما الرقابي،  للتأكد من حصول المستهلكين على منتجات طازجة وذات جودة في نقاط البيع، وخلوها من المواد الكيميائية الاصطناعية والمواد المعدلة جينياً وترسبات مياه الصرف الصحي و”الاشعاع المؤين” أو اي مركب من هذه المواد. ورغم اصدار المؤسسة الوطنية للمقايس والمواصفات، مواصفة إلزامية معنية بالانتاج العضوي في العام 2003 تحت الرقم NL724، إلا أن عمليات الرقابة للتأكد من تطبيق هذه المواصفات لا تزال دون المستوى المطلوب.

ينص مشروع القانون المتعلق بتنظيم الانتاج العضوي والذي أحالته الحكومة الى مجلس النواب في آب (أغسطس) العام 2012 على إنشاء جهاز للرقابة واصدار الشهادات، يكون مسؤولاً عن التحقق من أن المنتج المباع والملصق على عبوته بيانات تفيد انه انتج “عضوياً”، قد تم تصنيعه وتجهيزه وتداوله بما يتوافق مع القانون. ويعطى هذا الجهاز بعد ان تعترف به السلطة المعنية بالاعتماد (المجلس اللبناني للاعتماد) صفة رسمية عند تسجيله لدى وزارة الزراعة. ويفترض ان تخضع  المنتجات الزراعية العضوية الطازجة، والمصنعة من النباتات، لمراقبة وزارة الزراعة، وفق القانون، وذلك منذ سريان نظم تنظيم انتاج، وبيع المنتجات الزراعية العضوية المنتجة من النباتات، والنظم المتعلقة بالمنتجات العضوية المنتجة من الحيوان. ويفترض على المستهلك التحقق من وجود العلامة الموحدة الصادرة عن وزارة الزراعة التي تؤكد بأن هذه المنتجات عضوية موسومة على المنتجات العضوية، وذلك لكي يعرف بالتأكيد بأن المنتج الذي يشتريه تمت زراعته وانتاجه حقا حسب المعيار العضوي، وخضع فعلاً للمراقبة من قبل إحدى هيئات المصادقة التي خولتها وزارة الزراعة لذلك.

تقوم وزارة الزراعة اللبنانية بوضع الإطار التنظيمي لقطاع الإنتاج العضوي، وهي أصدرت القرار رقم 542/1 (انشاء وتنظيم السجل الوطني للزراعة العضوية). نشطت في قطاع الراقبة وإصدار الشهادات العديد من الشركات بينها شركة معهد المتوسط للمصادقة IMC (شركة ايطالية) ، وشركة «ليبان سرت»، وشركة أس جي أس-  لبنان (شركة نمساوية). لكن اسباب عديدة دفعت الشركات الى وقف العمل او الاندماج فيما بينها،  وحالياً يوجد شركة واحدة  هي CCPB الايطالية التي تحتكر منح الشهادات في لبنان.  ويشتكي العديد من المزارعين انها تستسهل في بعض الاحيان منح التراخيص وتقارير الرقابة لمزارع لا تلتزم المعايير المتعلقة بالزراعة العضوية، اضافة الى الكلفة العالية التي تتقاضاها.

وتقول وزارة الزراعة أنها انشأت لجنة وطنية للزراعة العضوية مؤلفة من ممثلين عن وزارة الزراعة، شركات الرقابة وإصدار الشهادات، الجمعيات المحلية العاملة في مجال الزراعة العضوية، كليات الزراعة، وزارة الإقتصاد والتجارة، وزارة الصناعة، مؤسسة المقاييس والمواصفات اللبنانية – ليبنور، جمعية حماية المستهلك والمنتجين العضويين.

ومهام هذه اللجنة متابعة شؤون الانتاج العضوي وتحديد المشاكل والصعوبات التي يواجهها هذا الإنتاج، متابعة تنفيذ مفاعيل التشريعات والقرارات الخاصة بتنظيم قطاع الزراعة العضوية، التنسيق مع كل الجهات العاملة في مجال الانتاج العضوي، دراسة مشاريع القوانين والقرارات المتعلقة بتنظيم القطاع واقتراح خطة وطنية للنهوض بقطاع الزراعة العضوية. لكن هذه اللجنة التي نشطت في فترة تولي وزير الزراعة الاسبق حسين الحاج حسن ، خفت عملها تدريجياً حتى بات شبه منعدم في الفترة الحالية، في حين ان مشروع القانون المحال الى المجلس النيابي لم يناقش بعد.

وتضم اللائحة الرسمية للمشغلين العضويين المسجلين في وزارة الزراعة لغاية العام 2013  19 مشغلاً، لكن العدد وصل الى ما يزيد عن مئة مشغل حالياً، والملفت ان الشركات التي حضرت جلسة النقاش حول الزراعة المتجددة وتغير المناخ أبدت حماسة في التعاون فيما بينها ومع الجهات الحكومية، لكن الطرف الرسمي لا يبدو مستعداً لمثل هذه الخطوة.

وعلى غرار التدخل التقليدي الذي تقوم به وزارة الزراعة، بادرت الوزارة الى تشجيع الزراعة العضوية من خلال تقديم الدعم للمزارعين عبر توزيع مواد مكافحة للتلف والحشرات ومخصبات ذات تركيبة عضوية، مثل  زيت النِّيم Neem Oil. لكن قطاع الزراعة العضوية يحتاج الى تدخل من وزارة الزراعة ابعد بكثير من المساهمات العينية التي لا تخلو من الشوائب والمحسوبية.

ويستخرج هذا الزيت من شجرة النِّيم الهندية. وتحتوي شجرة النِّيم على مادة فعالة، هي مادة Azadizachtin وهي توجد في جميع أجزاء الشجرة ولكن بنسب مختلفة، وتكون أكثر تركيزًا في البذور والثمار.

أوراق الشجرة تحتوي على مواد فعالة مركزة في الأوراق هي Triterpenoids، وهي ذات تأثير سام على الحشرات وفي مكافحة الآفات الزراعية فهي لها تأثير طارد للحشرات ومانع للتغذية، حيث لا تستطيع الحشرات أن تأكل أوراق النِّيم أو الأوراق المرشوشة بمستخلص النِّيم، كما أنها مانعة للانسلاخ وتطور الحشرة، فهي تؤثر على هرمون معين في دم الحشرات هو هرمون “الشباب”، وتحدث تشوهات في الأطوار المختلفة للحشرات. مستخلص النِّيم له تأثير على إنتاجية الجيل الثاني، فتنخفض كمية البيض ونسبة الخصوبة به، ومن هذه الحشرات دودة القطن والمَنّ والذبابة البيضاء صانعة الأنفاق. يمكن استخدامها لمكافحة الآفات كالسوس والجراد والخنافس والديدان التي تصيب المحاصيل الزراعية بفعل المواد الفعالة في الشجرة، فتبتعد الآفات عن النبات نتيجة عدم استساغتها، وكذلك تبتعد الطيور بسبب المرارة التي توفرها هذه المواد.

ماذا عن الانتاج الحيواني العضوي ؟ يعزو منتجو بيض الدجاج العضوي في لبنان ارتفاع اسعارها بشكل كبير عن المنتجات التقليدية لكون المزرعة مرغمة على استيراد علف الدجاج العضوي من فرنسا، في غياب اي مصنع لإنتاج العلف العضوي في لبنان، إضافة الى امتناع المزارع العضوية عن استخدام اية مضادات حيوية وادوية بيطرية في علاج الحيوانات المريضة، الامر الذي يؤدي الى ارتفاع السعر.

ويشتكي المزارعون الذين ينتجون زراعات عضوية من ان السلطات الجمركية منعتهم من استيراد حشرات لمكافحة الآفات الزراعية بطريقة عضوية، وذلك لغياب دراسات تسمح بهذا النوع من المعالجة تؤكد سلامة هذه الطريقة من الناحية البيئية. كذلك تغيب الرقابة الحكومية عن كيفية زراعة المحاصيل الزراعية العضوية، وتحت أي قيود تتم زراعتها (البعد عن حقل مزروعات “تقليدية”، الري، تفادي عمليات الجرف)، كيفية تحويل قطعة أرض تزرع بمزروعات “تقليدية” إلى قابلة لزراعتها بمزروعات عضوية، كيفية تغليّف وتخزين ونقل المنتجات الزراعية العضوية، كيفية عرض المنتجات العضوية في نقاط البيع، كيفية تغليق المنتجات، وما هي الأوسام الموسومة عليها، وما هي عمليات التفتيش والمراقبة التي خضعت لها.

 

 

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This