جميل أن تنضم منظمة دولية محترمة مثل “هيومن رايتس ووتش Human Rights Watch” إلى صوتنا وصوت الكثيرين من منظمات المجتمع المدني اللبناني، والمنظمات والحركات البيئية، والأكاديميا ومراكز الأبحاث العلمية. لقد دأبت هذه الجهات، منذ بداية أزمة النفايات الكارثية، التي ضربت لبنان في تموز 2015 وحتى الآن، على رفع الصوت عاليا محذرة ومنبهة وعارضة للمخاطر والتهديدات الكارثية، المترتبة عن سوء إدارة النفايات في لبنان. تنتج هذه المخاطر والتهديدات عن الخيارات والقرارات الحكومية السيئة والفاشلة بهذا الشان، وتولد وقائع تضع صحة ملايين اللبنانيين والقاطنين على الأرض اللبنانية في مهب أكبر المخاطر. هذا ما يؤدي إلى تلويث خطير وبعيد المدى، بملوثات تتمتع بميزات عالية الخطورة لجهة سميتها على الصحة البشرية، وسميتها البيئية، واستقرارها الكيميائي وثباتها في مختلف الأوساط البيئية، وقدرتها على التراكم الحيوي في أنسجة الكائنات الحية من حيوانات ونبات، التي هي بدورها موضوع إنتاج السلة الغذائية لبني البشر.

نحن نرحب بالتقرير الذي تم الإعلان عنه منذ أيام، ونطالب الجميع في لبنان، على كل المستويات أن يتعاملوا مع هذا الموضوع الخطير بأعلى درجات الجدية والمسؤولية.

إن المعلومات الواردة في هذا التقرير تشكل نموذجا وعينة عن الواقع الحقيقي، الذي هو أكبر اتساعا وأكثر عمقا وأعلى تهديدا وأشد مخاطرة على الصحة البشرية وعلى البيئة، في المدى المباشر والبعيد والأبعد أيضا. إن هذه المخاطر والتهديدات تطاول هذا الجيل من شعبنا، والجيل الثاني والثالث على الأقل، إن لم نقل الأجيال القادمة لعقود كثيرة آتية.

إن حكومات لبنان المتعاقبة منذ التسعينات وحتى اليوم، دأبت على التعامل مع ملف النفايات على اعتبار أنه محصور في بيروت وجبل لبنان، فكل قراراتها وخططها وتوجهاتها، بغض النظر عن أشكال الإدارة التي اعتمدتها أو الخيارات التي تبنتها، كانت تنحصر في مناطق بيروت وجبل لبنان. ومع الأسف الشديد، انزلقت بعض القوى البيئية إلى هذا المطب أيضا. لقد انتقدنا بقوة هذا الميل، الذي يعتبر بيروت وجبل لبنان مركزا، وباقي مناطق لبنان أطرافا، لا تستحق من حكومات لبنان العناية اللازمة لضمها إلى خطط النفايات التي تفبرك، وإلى قرارات صفقات النفايات التي تتخذ. هذا طبعا ما أدى إلى نتائج واقعية هي أشبه بالكارثة. فعلى امتداد السنوات بين 1997 و2015 كانت بيروت وجبل لبنان موضوع عقود إدارة النفايات ومطمر الناعمة – عين درافيل. لا نناقش مدى صحة وسلامة هذا الإدارة، ومدى تلاؤمها مع معاييرنا الثلاثة، التي نعتمدها لنجري التقييم، وهي مدى الحفاظ على البيئة، ومدى الأمان الصحي، ومدى حسن استعمال المال العام منعا لهدره ونهبه في صفقات لمصالح فئوية على حساب المصلحة العامة. على امتداد هذه السنوات كانت تنتشر المكبات العشوائية في كل مناطق لبنان، التي يتزايد عددها اضطرادا مع مرور الزمن، وينمو اتساعها مع ارتفاع عدد السكان، وبالتالي كميات النفايات المتولدة، في ظل غياب كامل لسياسات رشيدة تقوم بها الدولة، عبر وزاراتها ومؤسساتها وبلدياتها، تدعو للتخفيف من النفايات، وإلى فرزها وتدويرها ومعالجتها، وتخفيف الكميات المطلوب التخلص النهائي منها إلى الحد الأدنى الممكن.

ومنذ تموز 2015، مع تفجر أزمة النفايات الكبرى، ومع إقفال مطمر الناعمة – عين درافيل، دون وضع الخطط البديلة لاحتواء الأزمة الكارثية التي كانت متوقعة، شمل انتشار المكبات العشوائية بيروت بكل أحيائها وشوارعها وساحاتها وجسورها، وكذلك شمل مناطق جبل لبنان، وتابع تفاقمه بوتائر أكبر في كل المناطق الأخرى، التي اعتبرها بعضُ مَنْ في السلطة مكانا مناسبا للتخلص العشوائي من نفايات بيروت وبعض مناطق جبل لبنان.

تحدث تقرير منظمة HRW عن بضعة مئات من المكبات العشوائية. هذه المئات المحدودة، يمكن اعتبارها عينة أو نموذجا يعكس مخاطر الوضع، ولكنها لا تختصر حقيقة الأعداد للمزابل العشوائية، بمختلف الأحجام، المنتشرة على اتساع الجغرافيا اللبنانية، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى الشرق حتى شواطيء البحر. إن هذه الشواطيء أمست ملاذا لرمي ملايين الأطنان من النفايات، بما في ذلك استخدامها موادا لردم البحر، كما يحصل في برج حمود وفي صيدا، وكما يمكن أن يحصل في طرابلس والجية وغيرها من المناطق الساحلية اللبنانية.

إن عدد المكبات والمزابل العشوائية، يتجاوز الـ 1350 مكبا على كامل الأراضي اللبنانية. نحن نعتقد أن العدد الحقيقي اليوم هو أكبر من ذلك بكثير. إن هذا العدد قد جرى الإعلان عنه رسميا من قبل ممثلة وزارة البيئة في مؤتمر إدارة النفايات، الذي نظمته نقابة المهندسين في شهر آذار 2017. اليوم، مر تسعة أشهر على هذا التاريخ، وبالتالي إن عدد المزابل في لبنان قد نما بوتائر كبيرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن عدد المزابل في قضاء النبطية وحده قد نما، من مكب واحد في بلدة الكفور إلى 30 مزبلة منتشرة في كل قرى وبلدات القضاء، وذلك منذ فشل إدارة وتشغيل معمل النفايات في الكفور. هذا نموذج عن وتيرة ازدياد أعداد المزابل في لبنان في ظل السياسات والقرارات والممارسات الفاشلة للحكومات اللبنانية المتعاقبة.

إن عددا كبيرا من هذه المزابل هو في حالة اشتعال دائم، يخبو قليلا ويعود إلى الإشتعال مجددا. وهي تبث أطنانا من الأدخنة والغازات على مدى ساعات الليل والنهار. لقد سبق لنا ولغيرنا رفع الصوت عاليا، كتابة وتصريحا على وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، أن تحدثنا عن هذا الأمر، وعن المخاطر الكبيرة، التي يشكلها هذا التلوث على الأمان الصحي للمواطنين، واعتبرنا أن عموم الناس، بغض النظر عن عمرهم وجنسهم ووضعهم الصحي، معرضون لأعلى تراكيز من أكثر الغازات والملوثات سمية وخطرا على الصحة، ومن بينها المركبات الكيميائية المعروفة بتأثيرها المسرطن، الذي لا نقاش بشأنه. وقد قامت مجموعة من الباحثين في الجامعة الأميركية في بيروت والمركز الوطني للأبحاث العلمية بدراسة علمية أشارت بوضوح إلى تلك المخاطر الكبيرة، وإلى حقيقة تعرض اللبنانيين لتراكيز عالية جدا لأكثر الملوثات الكيميائية سمية وتهديدا للصحة البشرية، مما يسمح بالتوقع العلمي بارتفاع وتيرة الإصابة بالأمراض السرطانية، وغيرها من الأمراض المزمنة المستعصية.

إن سياسات الحكومات المتعاقبة، ومنها الحكومة الحالية، وغياب المبادرة والفعالية عند الوزارات المعنية، وفي مقدمتها وزارة البيئة، المسؤولة عن وضع السياسات البيئية، وتطبيق القوانين والتشريعات البيئية، ومتابعة مخالفاتها عبر تفعيل دور القضاء البيئي، ومساعدة البلديات على القيام بدورها الرقابي والتنفيذي والإداري في مجال إدارة النفايات، وقمع المخالفات وتقديم البدائل الناجعة للتعامل مع هذا الملف. وكذلك وزارة الصحة، المتخلية كليا عن دورها في السياسة الصحية الوقائية، لجهة العمل على مكافحة أسباب تعريض الصحة العامة للتهديات الكبيرة والمخاطر الداهمة. وهي عبرت عن قصورها في العديد من المراحل من خلال اكتفائها بإصدار المذكرات المكتبية، التي تدل على العجز والقصور، وعلى التخلف عن القيام بما ينص عليه قانونها من واجبات وصلاحيات. وكذلك وزارة الداخلية، التي لم تقم يوما بفعالية لقمع المخالفات، والعمل على التخفيف من مخاطرها على الصحة والبيئة والسلامة العامة، ولم تقم بما يساعد البلديات على القيام بمهامها في هذا المجال.

إن الإدارة السليمة للنفايات تتطلب وضع سياسة وطنية شاملة ومتكاملة، لا تستثني منطقة هنا أو قضاءا هناك. فلبنان بلد صغير كفاية ولا يحتمل التجزئة في سياسات التعامل مع النفايات أو إدارتها السليمة.

إن مدخل هذه السياسات يرتكز على التخفيف من تولدها، وفرزها وجمعها المنفصل، وعلى التدوير والتسبيخ والمعالجة، والتخفيف قدر الإمكان من كميات المتبقيات المطلوب التخلص النهائي منها بطرق سليمة بيئيا، وآمنة صحيا، ومعقولة الكلفة.

إن دور الحكومة أن تضع هذه السياسة، وتصوغها بخطة وطنية شاملة ومتكاملة، وأن تصدرها بتشريع ملزم للجميع على كامل الأراضي اللبنانية، وأن يجري تطبيقها لامركزيا، على مستوى البلديات واتحادات البلديات، عبر توفير كل الدعم التقني والإداري والمالي لها، لكي تتمكن من القيام بهذه المهمة بنجاح.

إن المجتمع المدني والمنظمات البيئية والمنظمات الإنسانية الدولية ترفع الصوت عاليا للتنبيه والتحذير، وتسليط الضوء على المخاطر الحقيقية والواقعية، التي تهدد صحة اللبنانيين وبيئتهم، حاضرا، ولعقود بعيدة في المستقبل. وهي مدعوة لمزيد من الجهد لنشر الوعي وإيصال الحقائق عن هذه المخاطر إلى عموم الناس، لكي يقوموا للدفاع عن مصالحهم وعن صحتهم وصحة أطفالهم وأجيالهم الآتية. لا أحد يمكن أن يحل محلهم في ممارسة الضغط الكافي والفعال لفرض سياسة نفايات سليمة بيئيا، وآمنة صحيا، ومعقولة الكلفة للبنان، كل لبنان.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This