صوتت اللجنة الاقتصادية والمالية في الجمعية العامة للامم المتحدة في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، على قرار يصدر للمرة الثانية عشر، يدين إسرائيل ويطالبها بدفع تعويض قدره 856،4 مليون دولار أميركي بشأن “البقعة النفطية على الشواطئ اللبنانية”، وذلك بسبب قصف قوات الاحتلال الإسرائيلي المتعمّد لصهاريج النفط المجاورة لمحطة توليد الكهرباء في الجية خلال عدوان تموز (يوليو) 2006، ما أدى إلى تسرّب 15 ألف متر مكعب من مادة الفيول إلى البحر، أصابت ما يقارب 150 كيلومتراً من شواطئ لبنان، وصولاً إلى الشواطئ السورية. ومن المتوقع ان تصوت الجمعية العامة للأمم المتحدة على هذا القرار في وقت لاحق من الشهر المقبل.
الملفت ان القرار المذكور لم يحدّث الرقم المتعلق بالقيمة اللااستعمالية للتعويضات، علماً ان التقدير السنوي لهذه الزيادة هي بحدود 45.2 مليون دولار، اي ان القيمة الاجمالية للتعويض المفترض ان تدفعه اسرائيل قد تجاوز 992 مليون دولار أميركي في نهاية العام 2017.
مشروع القرار الذي تقدمت به الاكوادور، لم يحمل أي جديد على مستوى النص التمهيدي والفقرات التنفيذية، باستثناء انه كرر مطالبة دولة الاحتلال بدفع تعويض عادل، ولقد نال مشروع القرار 157 صوتاً مقابل 7 اصوات ضد، بينها الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل، وامتناع 7 دول عن التصويت.
وعلقت المندوب الاسرائيلي على مشروع القرار بالقول “انه مضيعة للوقت”. واضافت:” لقد آن الأوان لسحب هذا القرار من التداول والكف عن إدراجه على جدول أعمال الجميعة العامة للأمم المتحدة لمرة واحدة واخيرة.
بدوره علق مندوب بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة على نتائج التصويت بالقول: “أن التصويت 12 مرة لصالح هذا القرار يقدم رسالة واضحة بأن مرور الزمن ليس وسيلة للافلات من العقاب، او لترحيل المسؤوليات التي ترتبها هذه الافعال المشينة والتنصل من نتائجها”. ولفت مندوب لبنان بأن “الحكومة سوف تعمل بكافة الطرق القانونية لضمان ان هذا القرار سوف ينفذ، وأن التعويضات سوف تدفع دون ابطاء”.
وتقول الأمم المتحدة ان تعويضاً يجب ان تدفعه حكومة إسرائيل إلى حكومة لبنان وشعبه، عما لحقه من أضرار جراء الانسكاب النفطي، لا سيما وأن الدراسات تبيِّن أن قيمة الأضرار التي تكبَّدها لبنان بلغت 856.4 مليون دولار في عام 2014.
ويُقدِّر البنك الدولي بتحفظ، في دراسة أجريت عام 2007، الأضرار الإجمالية وتكاليف التنظيف بسبب الانسكاب النفطي في حدود 203 ملايين دولار (بحدٍّ أدنى قدره 166.3 مليون دولار وحدٍّ أعلى قدره 239.9 مليون دولار)، وتتماشى طريقة الاحتساب والأساس المطبَّق للتوصل إلى هذا الرقم مع القانون اللبناني والقانون الدولي. ولم يشمل رقم البنك الدولي القيمة اللااستعمالية للموارد الساحلية التي تضاف عادة إلى قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة، ولقد بلغ ذلك 217.9 مليون دولار في عام 2006. وبعد احتساب التسوية المتصلة بالتضخم والفرص الضائعة من حيث الفائدة التي ينبغي أن تكون قد تراكمت حتى منتصف عام 2014، فإن الأضرار الناجمة عن الانسكاب النفطي والقيمة اللااستعمالية تبلغ 856.4 مليون دولار، منها 448.8 مليون دولار للأضرار المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن الانسكاب النفطي، و407.6 ملايين دولار للقيمة اللااستعمالية، وبناء على تحديد قيمة الضرر، كررت الجمعية العامة للامم المتحدة طلبها من الحكومة الاسرائيلية أن تتحمل المسؤولية عن دفع تعويض فوري وكاف إلى حكومة لبنان عن الضرر الآنف الذكر، وإلى البلدان الأخرى التي تضررت بصورة مباشرة من البقعة النفطية، مثل الجمهورية العربية السورية التي تلوثت شواطئها جزئيا، عن تكاليف إصلاح الضرر البيئي الناجم عن التدمير، بما في ذلك إعادة البيئة البحرية إلى سابق حالها.
قدّرت وزارة البيئة تكلفة تنظيف البقعة النفطية بمبلغ 150 مليون دولار أميركي، استناداً إلى نموذج تطبيقي للتكاليف لكل طن مسرّب، فيما قدّر فريق خبراء من الأمم المتحدة التكلفة الإجمالية لأعمال التنظيف وإعادة التأهيل بما يتراوح بين 137 مليون دولار و205 ملايين دولار. أوصى فريق الخبراء باعتبار هذا الهامش حداً أقصى، محدداً القيمة الدنيا بمبلغ 68 مليون دولار. وعليه، اقترح الفريق العامل أن يكون السعي إلى الحصول على تمويل مـستنداً إلى مبلغ أوّلي قدره 68 مليون دولار لعام 2006، مقروناً بمبالغ تكميلية محتملة لعام 2007. وبلغ مجموع المـساعدات التي تلقّاها لبنان حتى أواخر العام 2017 نحو ١٠ بالمئة من متوسط هامش الحد الأقـصى (15 مليون دولار عن المرحلة الأولى من التنظيف وأقل من مليون دولار عن المرحلة الثانية)، أي نحو ٣٧ بالمئة فقط من القيمة الدنيا، ولم تقدَّم تبرعات إضافية منذ حزيران (يونيو) 2008.
اقترح القرار الأساسي، الذي صدر عن الأمم المتحدة حول البقعة النفطية عام ٢٠٠٦، إنشاء صندوق استئماني لمعالجة أضرار التسرّب النفطي في شرق البحر المتوسط، يموّل عن طريق التبرعات، لكن هذا الصندوق لم يبصر النور إلا في حزيران (يونيو) 2010، بعدما اقترحت وكالات الأمم المتحدة العاملة في لبنان على الحكومة اللبنانية أن يستضيف هذا الصندوق الاستئماني، صندوق إنعاش لبنان الذي أنشئ عقب عدوان تموز (يوليو) 2006. ورغم موافقة اللجنة التوجيهية لصندوق إنعاش لبنان لم تودع أموال جديدة لاستكمال عملية تنظيف الشاطئ وإجراء دراسات تقييم للأثر البيئي الطويل الأمد. ورغم ترحيب الجمعية العامة للامم المتحدة بموافقة صندوق إنعاش لبنان على استضافة الصندوق الاستئماني لعلاج أضرار الانسكاب النفطي في شرق البحر الأبيض المتوسط، ورغم حث الأمين العام الدول الأعضاء والمنظمات الحكومية الدولية والقطاع الخاص، على تقديم تبرعات مالية للصندوق الاستئماني، لأن لبنان ما زال عاكفاً على معالجة النفايات ورصد الإنعاش، فإن اياً من الجهات المانحة لم تقدم منح او تبرعات>
وترفض الحكومة الإسرائيلية تحميلها أي مسؤولية عن دفع تعويض فوري وكافٍ للحكومة اللبنانية، وقد وجّهت الأمم المتحدة الى اسرائيل رسالة مكرّرة بشأن هذا الموضوع، من دون الحصول على إجابة.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد كلف من الجمعية العامة “النظر في خيار دراسة الدور المحتمل للجنة التعويضات في الأمم المتحدة، في تأمين التعويضات المناسبة من إسرائيل”، وكان مجلس الأمن قد أنشأ في عام 1991 صندوقاً لدفع تعويضات عن الخسائر والأضرار الناجمة عن غزو الكويت. ونتيجة لذلك، دفع الى الآن نحو 29 مليار دولار تعويضاً عن الإيرادات التي خسرتها هذه الدولة خلال فترة الركود. وللمرة الأولى سمح صراحة بدفع تعويضات وصلت إلى 4 مليارات دولار، عن الضرر الذي لحق بالبيئة وعن تدمير الموارد الطبيعية. لكن تبين في وقت لاحق ان لا صلاحية للجنة التعويضات التي أنشئت بناءً على قرار مجلس الأمن الرقم 687 في عام 1991، لكونها محصورة فقط بدفع تعويضات عن الخسائر والأضرار الناجمة عن غزو العراق للكويت. لكن الحكومة اللبنانية امامها العديد من الخيارات للمواجهة، على ضوء “الدراسة القانونية حول كيفية تأمين التعويضات اللازمة من إسرائيل في موضوع كارثة التلوث النفطي” التي أعدها البروفسور نصري أنطوان دياب، المحامي والباحث المختص في القانون الدولي، لصالح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتكليف من وزارة البيئة. في الدراسة، يلفت الباحث دياب الى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تمتلك وفق قواعد القانون الدولي صلاحية إنشاء لجنة للتعويضات في حالة تسرب النفط اللبنانية، على غرار اللجنة المعنية بالكويت، إلا أنه يمكنها أن توصي مجلس الأمن بإنشاء هذه اللجنة، كذلك تبين الدراسة أن الصندوق الاستئماني لمعالجة أضرار التسرّب النفطي في شرق البحر المتوسط يموّل عن طريق التبرعات الطوعية، وبالتالي، لا يمكن إلزام إسرائيل بأن تدفع تعويضات إلى هذا الصندوق. وتعرض الدراسة العديد من الاتفاقيات المتعلقة بالتلوّث النفطي في البحر التي وقّعها العديد من بلدان شرق البحر المتوسط. كما تعرض اتفاقيات ومخططات تعويض أخرى محتملة.
في الخلاصة تبيّن الدراسة أن جميع هذه الاتفاقيات لا تسري أثناء الأعمال العدائية المسلحة، ومن بين هذه الاتفاقيات، بروتوكول عام 1992 الملحق بالاتفاقية الدولية المتعلقة بإنشاء صندوق دولي للتعويض عن الأضرار الناجمة عن التلوث النفطي، الصندوق الدولي للتعويض عـن التلـوث النفطـي، وبروتوكول عام 2003 المتعلق بإنشاء صندوق تكميلي للتعويض عن الأضرار الناجمـة عـن التلـوث النفطـي المعروف بـ”بروتوكول الصندوق التكميلي”. جميع هذه الاتفاقيات والبروتوكولات لا تسري إلا عن تسرب النفط من ناقلات في البحر، لا عن الحوادث البرية كتلك التي وقعت في الجية. الى المحاكم الدولية در كيف يمكن للبنان إذاً أن يقاضي إسرائيل؟ يقدم الباحث دياب مروحة واسعة من الخيارات، من ضمنها تلك التي تؤدي إلى “النهايات المغلقة”، أي التي لا توصل إلى نتيجة إيجابية، ومن بينها اتفاقية الأمم المتحدة حول قانون البحار لعام 1982، اتفاقية برشلونة لعام 1976 وملحقاتها، الاتفاقية الدولية المتعلقة بالمسؤولية المدنية عن الضرر الناجم عـن التلـوث النفطـي لعـام 1969، وبروتوكـول عـام 1992 الملحق بها، بالإضافة الى إمكانية المقاضاة أمام المحاكم المدنية الإسرائيلية واللبنانية. فئة أخرى من الخيارات أطلقت عليها الدراسة تسمية “المداخل”، وبينها معاهدة لاهاي لعام 1907، واتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية لها، وكذلك اتفاقية الأمم المتحدة حول التنوع البيولوجي لعام 1992، والتي يمكن أن ينتج منها قرار غير ملزم لإسرائيل بدفع التعويضات. تقترح الدراسة أيضاً خيار اللجوء الى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وتصف الدراسة هذا الخيار بأنه “تقليدي” لا يوصل إلى قرار ملزم، لكن يمكن الاستفادة منه سياسياً ومعنوياً ولديه تأثير سياسي بالغ الفعالية، بالاستناد إلى القرار الشهير الذي صدر عن المحكمة حول جدار الفصل العنصري في فلسطين.
لا تشير الدراسة إلى تقصير لبنان الفاضح في إدراج مسألة التسرب النفطي في قرار مجلس الأمن الرقم 1701 الذي صدر في آب (أغسطس) 2006. واللافت أن أياً من المعنيين في حينها لم يطرح هذه المسألة، وجرى تسويق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه “انتصار دبلوماسي كبير للبنان”. في المقابل، تفنّد الدراسة العديد من القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة، وشكلت رافعة قانونية هامة وتمهيدية لصدور قرار إجرائي عن مجلس الأمن، وبينها القرار الشهير حول “قانونية التهديد باستخدام الأسلحة النووية”. وبحسب الدراسة، فإن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول التسرّب النفطي على الشواطئ اللبنانية، يستند إلى مجموعة اتفاقيات وتعهدات راسخة في القانون الدولي، وأهمها إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية لعام 1992، وبخاصة المبدأ 16 الذي نصّ على أن يتحمل الملوِّث، من حيث المبدأ تكلفة التلوث. إلا أن الدراسة تعود إلى التذكير مجدداً بأن قرار الجمعية العامة لا يمكن أن يخرج إلى حيّز النفاذ الجبري إلا من خلال مجلس الأمن. وتردف “بما أنه من المستبعد أن يبادر مجلس الأمن إلى تبني قرار جديد يلزم إسرائيل بدفع التعويضات، ولن ينشئ لجنة تعويضات خاصة بلبنان، يجب أن تركز الحكومة اللبنانية على درس خيارات مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية للحصول على هذه التعويضات”.
بالعودة إلى خيار رفع دعاوى قضائية، وفي فقرة شديدة الاختصار، تستنتج الدراسة أن رفع دعوى قضائية أمام المحاكم اللبنانية للحصول على تعويضات من إسرائيل ممكن نظرياً، ولكن غير ذي فعالية بسبب صعوبة إنفاذ المفاعيل القضائية للمحاكم اللبنانية ضد إسرائيل، كما أنه يغلق الباب أمام إمكان رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية، وأمام المحاكم الوطنية التي تعتمد القواعد الموسعة في النظر في القضايا الجنائية الدولية. التشاؤم نفسه تخلص إليه الدراسة في حالة اعتماد خيار رفع دعوى أمام المحاكم الإسرائيلية، والذي يمكن أن يتم من الناحية النظرية، لكنه في المقابل يؤدي إلى اعتراف لبناني بإسرائيل، إضافة إلى أنه يقضي على فرصة رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية والوطنية الأخرى. تصف الدراسة خيار اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية بأنه خيار “مبتكر”، يمكن أن يترك أثراً قانونياً كبيراً، وتحديداً بالاستناد الى الفقرة ١12 من اتفاقية روما لعام 1998. لكن هذا الخيار دونه العديد من الصعوبات، بينها إثبات حجم الضرر الخطير والمستمر والواسع الانتشار الناتج من التسرّب النفطي. وتخلص الدراسة إلى أنه بالاستناد إلى المادة الثامنة من معاهدة روما، فإن التسرّب النفطي يدخل ضمن اختصاصها، وينطبق عليه التعريف المعتمد للنظر في القضايا التي ترفع أمامها باعتبارها جرائم حرب. كما تلفت الدراسة إلى أنه رغم عدم توقيع كلّ من لبنان وإسرائيل لاتفاقية روما، فإن ذلك لا يمنع إمكانية نظر المحكمة في جريمة الحرب التي ارتكبت في الجية، إذا ما رفعت القضية إليها بناءً على توصية من مجلس الأمن.
خيار قضائي تصفه الدراسة بـ”الضروري والأخير”، وهو اللجوء إلى المحاكم الوطنية التي تعتمد قواعد قضائية موسعة تسمح بالنظر في قضايا جنائية حدثت خارج النظاق الإقليمي. وتقترح الدراسة بأن يتم تفحص إمكانية رفع دعاوى في كل من كندا وجنوب أفريقيا وهولندا وسويسرا والولايات المتحدة الأميركية. الملفت ان هذه الدراسة التي لم يتم مناقشتها بشكل جدي من قبل الدوائر المعنية في وزارتي العدل والخارجية والمغتربين، بقيت حبراً على ورق.

Pin It on Pinterest

Share This