د. ناجي قديح

 

ربما قليلون من يتذكرون أن يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر)، اقترحته مجموعة من منظمات ونشطاء المجتمع المدني من البيئيين كانت تسمى “المنبر الأخضر” في أوائل التسعينات من القرن الماضي، يوما وطنيا للنظافة. حيث كانت تطلق حملات التوعية والنشاطات الواسعة بشأن الإدارة السليمة والمتكاملة للنفايات. وقامت بتجارب رائدة لفرز النفايات من مصدر تولدها في بعض شوارع وأحياء بيروت. وتكرَّس هذا اليوم يوما وطنيا للنظافة أمرا واقعا، حيث انخرطت فيه أوساط شعبية واسعة وبلديات وجمعيات ونشطاء، وكذلك دخلت وزارة البيئة على خط الإحتفال الواسع بهذا اليوم.

بعد ذلك تحول هذا اليوم إلى اليوم الوطني للبيئة، خاصة وأن قضية النفايات والأزمات المتعلقة بها قد تفاقمت لتصبح قضية البيئة الأولى في لبنان، وذلك نتيجة السياسات الفاشلة، التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة بعيدا عن السياسة المطلوبة للإدارة المتكاملة، السليمة بيئيا والآمنة صحيا ومعقولة الكلفة، للنفايات.

استمر يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) يوما احتفاليا للبيئة في لبنان، يستثمره وزراء البيئة المتعاقبون للظهور الإحتفالي أمام وسائل الإعلام، وإلقاء التصريحات العامة التي لا تمت بصلة بما هو مرتجى، ودون الذهاب بعيدا في العمل على وضع سياسات بيئية شاملة ومتكاملة، ولا العمل على وضع وإقرار سلسلة المراسيم التطبيقية لقانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002، والتي يناهز عددها 72 مرسوما، ولا سيما منها ما هو على علاقة بالنفايات، وبتلوث الأوساط البيئية، وحماية الموارد الطبيعية.

تتالت السنين، وبقي اليوم الوطني للبيئة مناسبة للتصريحات والمواقف الإحتفالية والحضور الإعلامي، لوزراء البيئة، وكذلك لبعض القوى البيئية غير الحكومية، وعلى كل المستويات.

يسجل لوزارة البيئة، ولخبرائها الفنيين، هذا العام، حضورا ومشاركة مميزة في اليوم الوطني للبيئة. كانت هذه المناسبة ملائمة تماما لإصدار وزارة البيئة التعميم رقم 7/1 بتاريخ 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، والذي شكل مذكرة إرشادية كاملة وغنية حيال قضية من أكثر القضايا إلحاحا في مجال الإدارة المتكاملة للنفايات،  حيث لا تزال أزمة النفايات ومعالجاتها الناقصة والإرتجالية والفاشلة تهيمن على قرارات الحكومة، وخصوصا منها قرار توسيع مكب الكوستابرافا، والإمعان في تلويث البحر وتدمير المناطق الساحلية عبر التوسع بأعمال ردم البحر بالنفايات في برج حمود وغيره من المناطق اللبنانية. وكذلك قرارات إعتماد المحارق عالية المخاطر على البيئة والصحة العامة، وعالية كلفة الإنشاء والتشغيل.

تمثل هذه الورقة الإرشادية دليلا مفيدا للبلديات واتحادات البلديات وكل الفاعلين في المجتمعات المحلية، في مختلف مناطق لبنان، من أجل إرساء إدارة سليمة بيئيا للنفايات. مرفقة بشروح تفصيلية عن الآليات الفعالة للفرز من المصدر والجمع المنفصل لمكونات النفايات، وتسليط الضوء على فوائد ومحاسن هذه الخيارات من الناحية البيئية والصحية والإقتصادية. بالإضافة إلى لوائح محدَّثة للمصانع والشركات والجمعيات العاملة على جمع ومعالجة العديد من مكونات النفايات.

هذه هي المرة الأولى، التي نرى فيها تبنيا كاملا من قبل وزارة البيئة، باعتبارها الإدارة الرسمية المسؤولة عن السياسات البيئية في لبنان، لرؤية خطة الإدارة البيئية المتكاملة والسليمة، التي تنادي بها منظمات المجتمع المدني البيئية منذ أكثر من 27 عاما، وتعمل على تطبيقها بكل الوسائل الممكنة، وبإطلاق مئات المبادرات والمشاريع الساعية لتقديم النموذج الناجح لهذه الإدارة على مستويات مختلفة، منفردة أحيانا، وبالتعاون مع البلديات وبعض القطاع الخاص والأكاديميا أحيانا أخرى.

إن التبني الرسمي لهذه الرؤية المتكاملة والاستراتيجية السليمة لإدارة النفايات، يشكل خطوة نوعية على طريق اعتماد هذه الخطة رسميا من قبل الحكومة، وإصدارها في تشريعات ملزمة للجميع، بدل هذا الإرتجال في القرارات المفككة، والتي تستجيب لمصالح فئات نافذة تتحكم بهذا الملف على حساب بيئة لبنان وصحة شعبه وماله العام.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This