د. ناجي قديح

 

لم يفلح الرئيس الأميركي “ترامب” أن يقوض إتفاقية باريس لتغير المناخ، بل بالعكس تماما، لقد استثارت مواقفه الغريبة والمستهجنة بالإنسحاب من الإتفاقية ردات فعل قوية، داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، ولا سيما في الإتحاد الأوروبي وغيره من كبريات الدول الصناعية في العالم، تجلت بالإصرار على التمسك باتفاقية باريس، وبكل ما تضمنته من التزامات وتعهدات ووعود.

تمكنت دول العالم أن تتجاوز التهديد “الترامبي” في مؤتمر مراكش الثاني والعشرين، وها هو المؤتمر الثالث والعشرين ينعقد في بون (ألمانيا الاحادية) برئاسة فيجي وجزر المحيط الهادي، هذه الجزر الصغيرة والفقيرة والأكثر هشاشة حيال التغير المناخي، والمهددة بأكبر المخاطر من التغيرات المناخية، التي تضرب كل مناطق العالم.

لم يعد التشكيك بالتغير المناخي جديا، بل نشهد عاما بعد عام، تجليا أكثر وضوحا لظواهر تغير المناخ، حيث انضمت السنة الحالية إلى السنوات الثلاثة الماضية باعتبارها الأكثر احترارا من سابقاتها. وبلغت الخسائر المرتبطة بالتغير المناخي أرقاما قياسية جديدة، ويجد العالم نفسه أمام تحديات مناخية لا تقبل التردد أو التشكيك أو كثرة الثرثرة، بل تتطلب أعلى درجات الجدية والعملية في وضع السياسات والخطط والبرامج المناسبة لتخفيف الإنبعاثات المسببة لتغير المناخ، وللتكيف مع نتائجها والتقليل من آثارها المدمرة، إقتصاديا واجتماعيا، على ملايين البشر على امتداد الكرة الأرضية. إن ترف النقاش “البيزنطي” بشأن الإحترار لم يعد معقولاً ولا مقبولاً، بل العمل الجاد والحثيث هو المطلوب، من أجل اعتماد إجراءات عالمية فعالة وقوية لوضع حد لهذا الإحترار، وعدم تجاوزه حدود الدرجة والنصف مئوية.

يلاحظ العالم بارتياح الميل الشديد، عند الكثير من الحكومات والشركات والمجتمعات المحلية، للإستثمار في الطاقة المتجددة والنظيفة، على الرغم من لوبي الوقود الأحفوري، الذي لا يزال قويا، ويدافع عن مصالحة بقوة وشدة تصل أحيانا لتفجير الأزمات والحروب.

هذه الثورة المناخية المظفرة تتزايد اتساعا وقوة يوما بعد يوم. ففي لبنان مثلا، نحن حيَّيْنا ورحَّبْنا بقرارات الحكومة بشأن إنتاج الطاقة من الرياح، وتوسيع نطاق الإستثمار في الطاقة الشمسية، وندعو إلى الإستخدام الذكي، إلى الحد الأقصى المتاح وطنيا، لمجالات الطاقة النظيفة والمتجددة.

إن رئاسة “فيجي” لمؤتمر بون الثالث والعشرين، ممثلة لجزر المحيط الهادي الأكثر تأثرا بالتغير المناخي، يعكس اعترافا دوليا واسعا بهذه المخاطر، وإرادة دولية لمزيد من الإلتزام الطموح بسياسات التحكم بهذه الظاهرة الكونية، إن لجهة تخفيف أسبابها أو التكيف مع نتائجها، بغاية الحد من الخسائر الإقتصادية والإجتماعية والبشرية، والحد من ظواهر الهجرة والمرض والجوع، التي تهدد شعوبا بأسرها في مناطق عديدة من العالم.

إن اتفاقية باريس، التي تضمنت التزامات وتعهدات طموحة، عبرت بقوة عن إرادة دولية للعمل المشترك، بغية عدم تخطي مستوى الإحترار العالمي الدرجة والنصف مئوية، بالمقارنة مع المستوى الذي كان سائدا قبل الثورة الصناعية، تعتبر فرصة متاحة لتخفيض حقيقي للإنبعاثات، وإلى توفير الدعم اللازم في مجال التكيف والتكنولوجيا والتعويض عن الأضرار الناجمة، ومساعدة الدول والشعوب النامية على تخفيف أضراراها والقيام بالإجراءات المناسبة لذلك.

لا بد من السير قدما في التعاون الدولي والشراكة وتحقيق الإلتزامات والتعهدات، بل العمل على تجاوزها حينما يكون ذلك ممكنا، في مجالي سياسات التخفيف والتكيف المطلوبة.

إن الرد الحاسم، الذي انتفض له العالم في وجه انسحاب الإدارة الأميركية من الإتفاقية، والإجماع الذي تحقق بشأنه، واعتبار اتفاق باريس غير قابل للتفاوض، قد ساهم في رفع تعزيز الثقة المتبادلة بين دول العالم، حيث نرى أن مؤتمر بون يشكل مناسبة لتعزيز الشراكة بين كل البلدان ذات المستويات المتفاوتة من الهشاشة والتنمية الاقتصادية.

سوف يفضي المؤتمر الثالث والعشرين لتغير المناخ، المنعقد في بون برئاسة جزر المحيط الهادي، إلى تطوير مباديء توجيهية للتنفيذ، وخارطة طريق لحوار ناجح لتقييم التقدم المشترك نحو تحقيق أهداف إتفاقية باريس. إنها إرادة الخير التي تنتصر….

Pin It on Pinterest

Share This