مبروك للبنانيين قرارات جلسة الأمس لحكومتهم، التي اتخذت على وجه السرعة قرارات لا أحد يفهم تفاصيلها، ما عدا أن محرقتين للنفايات ستحرق أنفاسهم في “دير عمار” و”الجية”. ومحرقة خاصة أيضا بـ”البيارتة” الكرام، لا داعي أبدا لأن تخضع لنقاش الحكومة، فبلدية بيروت تتمتع “بحكم ذاتي” يتيح لها أخذ ما تراه مناسبا دون بحث أو نقاش. وأن “باركينغ الكوستابرافا المؤقت” (هل يتذكر رئيس لجنة النفايات في الحكومة السابقة؟)، الذي نما فتحول إلى مكب كبير، قررت حكومتنا توسعته ليصبح مكبا دائما، معززا بمعمل للتسبيخ بقدرة 700 طن يوميا.

هنيئا للبنانيين عموما، وتهنئة مميزة نخص بها سكان الشويفات وعرمون وبشامون وبعبدا والحدث وكفرشيما والضاحية الجنوبية وجزء كبير من بيروت، لما حظوا به من اهتمام خاص بتوسعة وتثبيت مكب الكوستابرافا ودعمه بالمعمل الجديد.

وكما العادة في كل الحكومات السابقة، يستهلك الوزراء الأكارم ساعات الإجتماع الطويلة لمناقشة حصص جماعاتهم من الصفقة، في كل مرحلة تخطوها نحو تفكيك السلامة البيئية والأمان الصحي وهدر المال العام للبنانيين.

ففي الحكومات السابقة ناقش وزراؤنا لمدة 5 ساعات كيف يتم تقسيم المناطق الخدمية، وليس خطة إدارة النفايات المفترضة. وهاهم في الأمس غرقوا في نقاش طويل بشأن توزيع المكافآت بقيمة 8 مليون دولار سنويا، ومن سيستفيد منها، ورفعوا أياديهم بالمصادقة على القرارات المعدة مسبقا دون نقاش لحيثياتها وتفاصيلها ومضامينها ومخاطرها على البيئة والصحة العامة، وكلفتها على المكلف اللبناني دافع الضرائب الحقيقي، ودون البحث المعمق فيما إذا كانت هذه الخيارات، التي يصوتون عليها هي الأفضل بين الخيارات الأخرى الممكنة.

كل هذا، في كفَّة، وإهمال النقاش، كما العادة أيضا، في استراتيجية وخطة وزارة البيئة، التي أحالها وزير البيئة إلى مجلس الوزراء منذ أكثر من شهرين، في كفة أخرى. لا أحد في الحكومة يكترث بوضع السياسات والخطط الاستراتيجية والخطط التنفيذية، فقراراتهم لا تحتاج إلى تخطيط، لأن التخطيط يخرب عليهم صفقاتهم، وخصوصا في ملف النفايات – المنجم الحقيقي للذهب، إلى جانب منجم الإتصالات، العائد بكل خيراته إلى حفنة من المتنفذين في السلطة، والشركات غير المتخصصة المرتبطة بهم.

لا شيء تغيَّر في الواقع، فهي تحتكر القرار والإدارة في هذا الملف وموازناته، التي تقاس بمئات ملايين الدولارات سنويا. كانوا في لعبة المطامر عالية الكلفة، على البيئة والصحة العامة والمال العام، وهاهم الآن ينتقلون إلى المحارق، الأكثر كلفة على البيئة والصحة العامة والمال العام. عقلية الصفقة، التي تسيطر على إدارتهم للبلاد منذ أوائل التسعينات، لا تزال مستمرة. فهم يمتنعون عن بحث الخيارات البيئية السليمة، والإدارة المتكاملة للنفايات، التي ننادي بها منذ أكثر من 25 عاما، وهاهم يمتنعون أيضا عن مناقشة الخطة الاستراتيجية للإدارة المتكاملة للنفايات، التي قدمتها وزارة البيئة. هذه الخطة، وإن كان لدينا بعض الملاحظات عليها، إنما هي خطوة نوعية على طريق التفلت من مثلث التدمير البيئي والصحي ونهب المال العام، المتمثل بالطمر والترحيل والحرق. تجاهلتها الحكومة واتخذت قرارات تاريخية بزرع المحارق كخيار استراتيجي، هو الأخطر برأينا على الأمن الصحي للشعب اللبناني. خصوصا وأن التخلص السليم بيئيا من الرماد المتطاير السام، ورماد القاع الغني أيضا بالسموم المعدنية، لم تجر مناقشته بالعمق. فهل مطمر “مجدليا – زغرتا” معد لاستقبال النفايات الخطرة أيها السادة الوزراء، لكي تقرروا أن يستقبل رماد محرقة دير عمار؟ أم أنكم تجهلون بأن الرماد المتطاير هو نفاية خطرة، ينبغي أن تخضع للمعالجة وأن يتم التخلص منها في مطامر متخصصة باستقبال النفايات الخطرة؟ والكلام يصح على مكب أو مطمر “حبالين” وعلى مطمر الناعمة أيضا، إذا كان لا يزال واردا في رأس أحد إعادة تشغيله. أو مكب الكوستابرافا، الذي يحلو لهم زورا تسميته بالمطمر، فهو ليس مطمرا للنفايات الخطرة على الإطلاق.

إذن، ما شغل بال وزرائنا الأكارم، هو كيف توزع الحوافز بقيمة 8 مليون دولار سنويا، ولم يخطر على بالهم مناقشة كيف سيتم التخلص الآمن بيئيا وصحيا ووفق المواصفات العالمية من الرماد المصنف نفايات خطرة. ولم يخطر على بالهم ربما، أن يناقشوا كيف ستتم مراقبة التلوث من انبعاثات المحارق، بحيث يكون خطرها في الحد الأدنى الممكن. ولا مناقشة ماذا ستحرق هذه المحارق؟ وهل سنقضي على صناعة التدوير في لبنان؟ وسيل من الأسئلة الأخرى، المرتبطة بهذه التقنية السائرة إلى الأفول في العالم، واستفاقت عليها الفئة المتنفذة والمتحكمة بهذا الملف في حكوماتنا بعد مسلسل الفشل، الذي تصنعه بأيديها وتفرضه على اللبنانيين منذ سنوات طويلة على حساب بيئتهم وصحتهم ومالهم العام.

Pin It on Pinterest

Share This