د. ناجي قديح

لا بد لأي مراقب موضوعي تابع حديث وزير البيئة، في مقابلته على تلفزيون المنار صباح يوم الثلاثاء الفائت في 10 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا وأن يحيي بحرارة صراحته، ووضوح نقده في العديد من القضايا المفصلية. على أمل أن تكون هذه الروح النقدية الواضحة للعديد من المسائل، التي أعاقت وتعيق تفعيل دور وزارة البيئة، ليس فقط في رسم السياسات والاستراتيجيات، بل أيضا بقدرتها على وضع حد للتجاوزات حيال البيئة، على يد الكثيرين، في السلطة، وعلى هامشها وخارجها، أقول على أمل أن تكون قابلة للتوظيف في تطوير السياسات البيئية وتحسين مستقبل البيئة في لبنان.

انتقد وزير البيئة بوضوح وقسوة خطة الحكومة السابقة، التي رمت بملف النفايات المشتعل مع بدايات الأزمة في تموز 2015 على البلديات، التي لم تتمكن طبعا من التعامل معه، ووضع الحلول الناجعة لأزمة النفايات، مع ما تعانيه البلديات من ضيق مساحة صلاحياتها وقدراتها وإمكاناتها المالية.

وألقى ضوءا ساطعا على واقع الحال في لبنان، المتمثل بتعدد الجهات المتدخلة بملف النفايات، فمن مجلس الإنماء والإعمار إلى وزارة التنمية الإدارية فإلى وزرة الداخلية، وأعلن تحفظه الصريح والمباشر على تنافس الصلاحيات، وعلى “تناتشها”، وخصوصا في ملف النفايات. فهل يمكننا اعتبار هذا التحفظ، الذي لم يسبقه أي وزير للبيئة على طرحه بهذا الوضوح، مدخلا أو بداية لطرح مسألة تداخل وتضارب وتنافس و”تناتش” الصلاحيات، على أولويات الإصلاح السياسي المطلوب، في مجال الحفاظ على البيئة المتداعية في لبنان؟ إن هذا الوضع من التضارب والتداخل يعيق إدارة ملف النفايات، ويعرقل تحديد المسؤوليات عن ما يحدث فيه من أزمات متتالية ونتائج مدمرة وهدر فظيع للمال العام.

اشار الوزير أيضا، وبحسرة نشاركه إياها بصدق، أن لا ثقة بوزارة البيئة عند القوى المكوِّنة للسلطة في لبنان، وهم لا يريدون إعطاءها دورها، أو السماح لها بممارسة هذا الدور في لجم التعديات، وفي وضع السياسات والخطط والاستراتيجيات في كل ملفات البيئة، وعلى رأسها ملف النفايات، المتأزم والضاغط على بيئة لبنان وصحة اللبنانيين ومالهم العام.

النقد القاسي طاول خطة النفايات التي اعتدمتها الحكومة السابقة. فهي لم تشمل لبنان كله، بل اقتصرت على بيروت وبعض جبل لبنان، ولم تشمل إقليم الخروب والشوف وعاليه. ونحن نشاركه هذا الاعتراض المبدئي، إذ أن حكومة لبنان عليها أن تضع خطة لإدارة نفايات كل لبنان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، وليس أن تقتصر هذه الخطة على بعض المناطق دون غيرها. ولكننا نذهب إلى أبعد من ذلك لنرفض خياراتها في مكبات الكوستابرافا وبرج حمود، هذه الخيارات، التي سلمت من نقد الوزير أو اعتراضه.

وكان صريحا أيضا في نقد نهج عمره عشرات السنين في التعامل الرسمي مع الصرف الصحي، حيث يتم إنشاء الشبكات التي تصب في البحر دون معالجة، ونحن نضيف إلى هذا القول، وتصب في الأنهر والأودية، ملوثة ثروتنا المائية السطحية والجوفية. هذه كارثة الليطاني وبحيرة القرعون أكبر شاهد على ذلك. وأظهر اعتراضا حازما ضد التعديات على الشاطيء، ولا سيما في جبيل، وطالب بإزالة التعديات ومخالفة القانون وتجاوز التراخيص القانونية.

في سياق هذه الحلقة، أعلن الوزير خبرا يرتاح له كل البيئيين والحريصين على سياسة بيئية أكثر حزما، حيال كل التعديات والتلوث والتخريب والتدمير، عبر فتح ورشة تحضير المراسيم التطبيقية لقانون حماية البيئة 444 للعام 2002. ونعتبرها بداية جيدة، ولكن نتمنى أن لا تكتفي الوزارة بعشرة مراسيم فقط، التي أعلن عنها الوزير، بل متابعة الورشة لتحضير وإقرار كل المراسيم التطبيقية لهذا القانون الهام، التي يصل عددها إلى ما يزيد عن سبعين مرسوما.

طرح الوزير عددا من المسائل، التي لا نوافقه الرأي عليها، وشكلت نقاط اختلاف، طاولت موضوع الشفافية في قضية تمثل أزمة وطنية ضاغطة على كل اللبنانيين، على مدى السنوات الثلاثة الماضية ولا تزال. حيث اعتبر الوزير أن الخطة تطرح للنقاش بعد إقرارها، ونحن نرى العكس تماما، أن ممارسة الشفافية، وفتح مشروع الخطة للنقاش لمدة محددة، لا أكثر من أسبوع واحد، من شأنها أن تشارك الناس في عقولهم، وتساهم في إغناء الخطة وتطويرها، وسد بعض الثغرات الجوهرية التي تعاني منها. أسبوع واحد من النقاش الوطني لم يكن ليؤخر في الأمر شيئا، فها هي الخطة نائمة في أدوار الأمانة العامة لمجلس الوزراء منذ 17 آب (أغسطس) 2017، أي ما يقارب الشهرين من الآن، وليس معروفا متى ستوضع على جدول أعمال مجلس الوزراء، وإن كانت ستوضع أصلا في المدى المنظور.

وكذلك، ففي حين انتقد الوزير بشدة خطة الحكومة السابقة التي رمت بكرة نار أزمة النفايات على البلديات، يعيد التأكيد على أن خطة الوزارة الجديدة، التي أحالتها إلى مجلس الوزراء، تعتمد أيضا على اللامركزية، أي البلديات واتحادات البلديات، بحيث “تترك للبلديات أن تعالج نفاياتها كما تراه مناسبا”.

في هذا السياق، نود توضيح مسألة هامة، بأننا والوزير و “خطة الوزارة” نستعمل نفس المصطلحات، ولكن بسياقات ومضامين مختلفة جوهريا. فنحن نقول بضرورة وضع سياسة وطنية مركزية، تقرها الحكومة، تتحدد فيها منظومة متكاملة ومنسجمة من الحلقات، تشكل بترابطها وتسلسلها الإدارة المتكاملة للنفايات، ويتحدد فيها أيضا مجموعة المعايير، وسلم الأولويات للعمليات والخيارات المقبولة، متدرجة لناحية الأفضلية بوضوح تام ودقيق، بحيث تكون الأفضلية والأولوية مثلا لخيار إعادة تدوير البلاستيك والورق والكرتون والخشب، قبل خيار تصنيعها إلى وقود بديل، أو حرقها بهدف استرجاع الطاقة. إن لهذه المعايير وسلم الأولويات أهمية كبيرة في تسيير الإدارة المتكاملة، السليمة بيئيا والآمنة صحيا للنفايات. فإذن، نحن مع إقرار الحكومة مركزيا لخطة وطنية بهذا المضمون، يجري تطبيقها لامركزيا على مستوى البلديات واتحادات  البلديات. والفرق جوهري بين ما قاله الوزير وبين ما نقوله، على الرغم من أننا نستعمل نفس المصطلحات. البلديات واتحادات البلديات، وكل اللبنانيين، وكل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والقطاع الخاص، ملزمون على مدى مساحة الوطن بكامله أن ينفذوا الخطة الوطنية، ولكن ليس بآليات تلزيم مركزية، بل لامركزيا في الأقضية والمحافظات والبلديات. نحن نقول بأن تنفذ البلديات الخطة الوطنية المركزية، التي هي خطة كل لبنان، وليس كما سمعنا، أن “كل بلدية ترى ما تراه مناسبا في معالجة نفاياتها”، فتدب الفوضى، وننتقل إلى حلقات أكثر خطورة من أزمة النفايات وآثارها المدمرة على البيئة والصحة العامة.

مسألة أخرى طرحها وزير البيئة، ويطرحها أيضا بعض المسؤولين، أن قانون البلديات ينيط بها المحافظة على النظافة. نعم هذا صحيح، ولكن مفهوم النظافة في التشريعات قديمة العهد لم يعد يلبي الحاجة إلى الإدارة المتكاملة للنفايات. فالنظافة تتعلق بحلقتين فقط من حلقات إدارة النفايات، أي الكنس والجمع، وبمعنى آخر إزالتها من الشوارع ومن تحت أنظار الناس. ولكن هذا المفهوم لا يجيب على الأسئلة الأساسية للإدارة المتكاملة للنفايات. أين ننقل هذه النفايات وما هو مصيرها؟ وكيف نعالجها؟ وماذا نسترد منها وكيف؟ وكيف نتخلص من متبقيات عمليات معالجتها واسترداد الموارد منها، المادية والطاقوية، بطرق آمنة بيئيا وصحيا؟ إذن البلديات، وفق قانون صلاحياتها الحالي، يمكن أن يناط بها جزء من هذه العملية، أي تنظيم الكنس والجمع، والإشراف على حسن تطبيقها. وهي بحاجة ماسة إلى دعم تشريعي ومؤسسي وإداري وتقني لكي تتمكن من التعامل مع الحلقات الأخرى من الإدارة المتكاملة للنفايات. بدون توفيرها نكون قد رمينا عليها بكرة نار جديدة، لن تكون نتائجها بأفضل مما نشهده حتى الآن من دمار بيئي وصحي في كل لبنان.

في كل مرة، يعيد مسؤول بتذكير اللبنانيين أن قرار “التفكك الحراري” أي المحارق، قد اتخذ في العام 2010. والسؤال الذي يطرح، إذا كانت قرارات الحكومات السابقة، قرار 2010 وغيره لم تحقق المعالجة الحقيقية لأزمة النفايات في لبنان، التي نعيشها منذ سنوات طويلة، وهي مستمرة ومرشحة للاستمرار، فلماذا لا زلنا نعتبرها مرجعا صالحا؟

ففي الوقت الذي تتقدم فيه وزارة البيئة بخطة تسميها ” الخطة الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات”، لماذا العودة إلى قرارات بائدة، في حين أن هذه الخطة ترشح نفسها لكي تحل محل كل التشريعات السابقة المتخذة في مجال إدارة النفايات، بما فيها قرار 2010.

ومن جهة أخرى، نحن لا نشارك وزير البيئة و”خطة الوزارة” الرأي فيما يتعلق بإعادة تشغيل مطمر الناعمة، ولا باستخدام المطمر الذي يتم إنشاؤه في سرار، عكار، فهو يعد لاستقبال نفايات المنطقة. ولا نرى قرار نقل النفايات، لمسافة 140 كلم من بيروت إليه، قرارا صائبا ولا بأي مقياس من المقاييس، لا البيئية ولا الصحية ولا المرورية ولا لناحية الكلفة. أما مطمر الناعمة، فأعتقد أنه أقفل نهائيا، ويخضع الآن لإدارة ما بعد الإقفال لناحية تخضيره واستغلال الغاز، الذي يتولد عنه لإنتاج الطاقة الكهربائية.

لهذا السبب بالذات، ولكي تستقيم الأمور، ويفهم اللبنانيون جميعا، ماذا تريد الحكومة في خطتها للإدارة المتكاملة للنفايات، نطالب بأن تصدر بقانون، وإما بمرسوم، ليلغي كل ما سبقه من قرارات خاطئة وغير فعالة في إدارة النفايات، اتخذتها الحكومات السابقة بهذا الموضوع.

على رغم الاختلافات في الرأي بشأن بعض القضايا، نعلق آمالا على انتقال صراحة وزير البيئة إلى حركة إصلاحية تستعيد لوزارة البيئة صلاحياتها غير الخاضعة للنقاش، في وضع السياسات البيئية، وتطبيق القوانين والتشريعات البيئية، للمحافظة على بيئية لبنان ومستقبل شعبه.

Pin It on Pinterest

Share This