قال المؤرخ الإغريقي هيرودوت “إن مصر هبة النيل”، والنيل عبر كل العصور والأحقاب ومنذ فجر التاريخ هو شريان الحياة لمصر، منه بنت حضارتها العظيمة، ومن دونه كانت ستغدو صحراء جرداء لا أثر فيها حياة، لذلك، فإن مستقبل مصر يتوقف على مياه النيل العذبة، ولكن أصبح من الواضح أن مصر ستتأثر كثيرا بانخفاض كبير في منسوب المياه القادمة من “بحيرة فيكتوريا”، وذلك لبناء إثيوبيا “سد النهضة” الذي سيكون مؤثراً في نصيب مصر من المياه العذبة.

لذلك، كان لا بد من إيجاد وسائل وحلول غير تقليدية تؤمن توفير المياه العذبة لاستخدامها في الاغراض الأساسية والحيوية كالشرب والزراعة، وتقليل أي هدر من تلك المياه وترشيد استخدامها.

في هذا السياق، قال الأستاذ شريف صديق شحتو (استشاري هندسة البيئة والباحث والمدرس في قسم الهندسة البيئية في جامعة مين بولاية ميتشجان بالولايات المتحدة الاميركية) أن “هناك مناطق تشح فيها مصادر المياه العذبة، أنجزت فيها تجربة مشروعات غير تقليدية لاستزراع مزارع جمبري (قريدس) في بعض المناطق، وأشهر هذ المناطق في أفريقيا وخصوصا في إريتريا”.

 

 

تقنية Salt Water Rivers

 

أضاف شحتو: “جاء دكتور متخصص، وقال أن الأنهار عموماً تصب في البحار، وهذا هو المجرى الطبيعي للنهر، ولكن إذا كانت ثمة دولة لا أنهار فيها، فماذا تفعل؟”، وقال: لقد فكروا باستخدام المناطق المنخفضة قليلا بجانب البحر، وإنشاء مشروع إسمهSalt Water Rivers، وهو عبارة عن تخليق مجرى مائي مالح يأتي من البحر ويصب في الأرض المنخفضة التي تم تخصيصها للمشرو ، بحيث يتكون ما يشبه البحيرة أو النهر، ولكن ماذا نفعل بالمياه المالحة تلك؟ هنا، وجدوا أن أنسب وسيلتين يتم استخدامهما: استزراع الجمبري، وأيضا زرع النباتات التي تستخرج منها زيوت تستخدم كطاقة حيوية بديلة Bio Energy كوقود السيارات مثلاً، وهناك نباتات موجودة في حوض الأمازون وهي سامة، نسبة الزيوت فيها عالية جداً تصل لـ 30 بالمئة أو أكثر، تلك النباتات إسمها جاكروفا وساليكورنيا، ويتم زرع هذه النباتات ويتم ريها بوسيلتين، الأولى مياه الصرف الصحي والثانية مياه البحر”.

وأضاف: “يوجد لدينا مشروع  بمصر في الأقصر وأسوان، أنا شخصيا أعددت دراسة تقييم الأثر البيئي له، وذلك عام 2007، وهو عبارة عن 10 آلاف فدان زرعت بـ جاكروفا وساليكورنيا ويتم تصديرهم للخارج لاستخراج زيوت السيارات من تلك النباتات، وذلك باستخدام مياه الصرف الصحي الخام في الأقصر وأسوان، وهذا المشروع تم تطويره بصورة أكبر الآن”.

وقال شحتو موضحا أنه “باستخدام هاتين الطريقتين تلافينا التلوث وأيضا الكيماويات، وبالطبع، يصب هذا الأمر في مصلحة الإقتصاد بصورة كبيرة، من خلال تصدير تلك النباتات وأيضاً الجمبري، وللعلم، فإن معظم مزارع الجمبري في أميركا الجنوبية تقوم على أساس هذه الطريقة المسماه Salt Water Rivers، أنا شخصيا في العام 2009 شاهدت برنامجا يخص البيئة على قناة CNN، ورأيت السيد آل غور نائب الرئيس الأميركي وقتها يتحدث عن تلك الطريقة في الإستفادة من مياه البحر، وتبلورت لدي فكرة لجهة أن تكون أطروحتي للدكتوراه حول تطبيق تقنية Salt Water Rivers في منخفض القطارة، كان الفكر التقليدي لمنخفض القطارة أنه سيأخذ من النيل لتوليد طاق ، لكن بالنسبة لي كان له جانب بيئي، وهو الإستفادة من مياه البحر لتصب في منخفض القطارة، لأن إنشاء المجتمعات العمرانية المتميزة تكون بتخليق بحيرات صناعية، ولكننا هنا نستطيع تشكيل بحيرة طبيعية”.

 

مصدر مضمون للمياه

 

وأردف: “إن الدراسات البيئية أكدت أن منسوب البحر في مصر سنة 2050 سيزيد من 10 إلى 50 سم، النماذج الموضوعة تقول ذلك، ولكن من الممكن جداً أن يزيد هذا المنسوب كثيرا كما حدث في أميركا الجنوبية، يوجد لدينا الساحل الشمالي، والدكتور محمد الراعي أعد دراسات على ظاهرة هبوط الدلتا، ومن تأثيرها أن هذا الهبوط ينتج عنه زيادة في منسوب البحر، هذا أولا، ثانياً منطقة شيد بالذات متأثرة جدا بعملية هبوط التربة وما يصاحبه من زيادة في منسوب البحر، وأنا ذهبت إلى هناك وشاهدت ذلك، ومن الحلول لاحتواء ارتفاع منسوب البحر اقامة تنمية عليه، بمعنى اننا نأخذ الضرر من الزيادة في منسوب البحر ونستوعبه، بذلك نكون قد حللنا مشكلة غرق الدلتا والساحل الشمالي، وايضا ستكون لدينا منطقة بها كل المواصفات الطبيعية، ويتم فيها إيجاد (جسم مائي كبير) يعمل على تلطيف درجة الحرارة، لأنه في الشمال الغربي يمر الهواء وسيشكل على المدى البعيد سحابات تقوم بتلطيف الجو في تلك المنطقة بأكملها، وبالتالي ستزداد نسبة هطول الأمطار، وهذا ما يغذي الخزانات الجوفية، لأن تلك المنطقة رملية، وبالتالي، فإن الرمال تقوم عمل مرشح للمياه، ويتم تبطين أجزاء معينة من الأرض بواسطة الصخور والزلط (الحجارة)، ومنها يتم تزويد الخزان الجوفي بمياه الأمطار، وأيضا من الممكن خلق مجتمعات سكانية متميزة حول البحيرة”.

وأشار شحتو: “إن مصر بصدد انشاء طاقة نووية، لذلك نحتاج إلى مصدر ثابت ومضمون من المياه، ولو لاحظنا، فإنن معظم المفاعلات النووية تكون على البحر أو بجانب مصادر المياه وذلك لتبريد المفاعل بصورة مستمرة، وهناك خريطة للأماكن التي تصلح لإنشاء المفاعلات النووية بمصر، ولو تم التفكير في بناء مفاعل آخر سيكون منخفض القطارة، بوجود تلك البحيرة من الأماكن المناسبة لو ألغينا فكرة إنشاء تجمعات سكنية هناك، وأيضا نستطيع بوجود تلك البحيرة أن نبني محطات تحلية للمياه”.

 

أفكار غير تقليدية

 

وأشار إلى أنه قام بعرض تلك الفكرة على المسؤولين بمصر ولكنها “ظلت حبيسة الأدراج للاسف”، وقال: “هذا المشروع سيقوم بحل مشكلة أخرى أيضا، حيث أن المناطق التي يوجد فيها صيد بحري لديها مشاكل، وهناك مشاكل كبيرة بين شركات البترول وحقول البترول والغاز الطبيعي على السواحل أمام كفر الشيخ وأمام رشيد وبين الصيادين، حيث أن تلك المناطق كان بها صيد كثير جداً ، وكانت هناك مشاريع صيد بتمويل ياباني أيضا، ولكن التوسع في التنقيب على حقول الغاز الطبيعي في تلك المنطقة أثر تأثيرا كبيرا على الصيد، وبالتالي أصبح الصيادون غير مسموح لهم بممارسة الصيد وأصبحوا بلا عمل، وأيضاً الضوضاء والمواد البترولية والكيميائية في تلك المنطقة أبعدت الأسماك تماما واثرت على الثروة السمكية، لذلك فإننا عندما نستغل فكرة الـ Salt Water Rivers سنبتعد تماما عن مناطق الحفر البترولية، ونستطيع إيجاد مصادر للرزق بالنسبة للصيادين عن طريق مزارع الجمبري التي سننشئها على البحيرة”.

وفي النهاية نستطيع القول بأن تلك الأفكار غير التقليدية ستقدم حلولاً كبيرة لمشاكل حيوية نعاني منها الآن، وسنعاني منها أكثر في المستقبل لو لم نبدأ في اعتمادها قريبا، كجزء من التكيف مع تغير المناخ.

Pin It on Pinterest

Share This