د. ناجي قديح

 

إفتتح المؤتمر الأول لاتفاقية “ميناماتا” بشأن الزئبق أعماله مساء الأحد في 24 أيلول (سبتمبر) 2017 في جنيف سويسرا، وسوف يستمر حتى مساء الجمعة في 29 منه. ينعقد هذا المؤتمر الهام تحت شعار “لنجعل الزئبق من الماضي Make mercury history”.

تحمل الإتفاقية إسم بلدة “ميناماتا” الهادئة، الواقعة في خليج “كوماموتو” في اليابان، حيث تعرض ألوف السكان في العام 1956 لحادثة تسمم أودت بحياة عدد كبير من الضحايا، وخلفت عددا كبيرا أيضا من المصابين بأعراض عصبية ثقيلة، تمثلت باضطرابات في النمو والحركة والنطق. تبين بعد سنتين من الأبحاث والمتابعة أن سبب هذه الإصابات يعود لحادثة تسمم ناتج عن استهلاك أسماك ملوثة بمثيل الزئبق Methyl mercury.

هذا التلوث بمثيل الزئبق ناتج عن رمي معمل لإنتاج “الفورم ألدهايد Formaldehyde”، تابع لشركة شيسو للكيماويات Chisso Chemicals Company، التي كانت ترمي نفاياتها السائلة الغنية بالزئبق في مياه الخليج. في الأوساط المائية وظروف الحياة البحرية، وبفعل نشاط أنواع من البكتيريا تعيش في ترسبات الأوساط المائية العذبة والبحرية، يتحول معدن الزئبق ومركباته المعدنية إلى مركبات عضوية (مثيل الزئبق  وثنائي مثيل الزئبق Methyl mercury & Dimethyl mercury). هذه المركبات العضوية للزئبق هي مواد عالية السمية، حيث يستهدف تأثيرها السمي الجهاز العصبي المركزي والمحيطي. وأطلق على أعراض هذا التسمم إسم “مرض ميناماتا Minamata disease”.

تهدف الإتفاقية إلى حماية البيئة والصحة البشرية من مخاطر الملوث الكوني الخطير المتمثل بالزئبق ومركباته. والزئبق يتمتع بنشاط سمي عالٍ ومتنوع في كل أشكال وجوده، كعنصر معدني ومركبات معدنية وعضوية. وهو معدن ثقيل سائل قابل للتبخر، وبهذه الخصائص الفيزيائية والكيميائية يتنقل من وسط بيئي إلى آخر، من الهواء إلى التربة والمياه والبحار والمحيطات ليلوث السلسلة الغذائية لمليارات البشر، عبر تراكمه في الأنسجة الحيوية للأحياء البحرية، حيث تصل تراكيزه إلى مستويات عالية جدا في الأسماك كبيرة الحجم، مثل التونا والقرش ومثيلاتها.

والهدف البعيد المدى للإتفاقية هو التخلي الكامل عن استعمال الزئبق في كل مجالات إستخدامه، وحيث هناك بدائل متوافرة لتحل محله.

نظرا للخصائص الفيزيائية والكيميائية المميزة جدا لهذا المعدن، عرف منذ أكثر من قرنين استعمالات متنوعة وواسعة جدا. فهو يدخل في العديد من المنتجات والأجهزة، ولا سيما منها أجهزة القياس على أنواعها، موازين الحرارة وأجهزة قياس الضغط، وكذلك أجهزة  الفصل الكهربائية، وفي مصابيح التوفير والبطاريات، وكذلك في ملغم حشوة الأسنان، التي تسمى خطأً (رصاصة)، وهي في الحقيقة سبيكة معدنية تحتوي على 50 بالمئة زئبق. وكذلك يدخل في كثير من العمليات الصناعية الكيميائية، كمحفز للتفاعلات الكيميائية. وهو يستعمل بشكل واسع جدا في كثير من البلدان النامية في أميركا اللاتنية وأفريقيا وآسيا في مجال الإستخراج الحرفي للذهب. وهو مكوِّن طبيعي بنسب متفاوتة في مختلف أنواع الوقود الأحفوري، من نفط وغاز وفحم حجري ومشتقاتها. وهو ينبعث ويطلق في نفايات العديد من عمليات التعدين واستخراج المعادن.

تتضمن الإتفاقية لوائح من المنتجات المحتوية على الزئبق، التي سوف تخرج من التداول، حيث يتوقف إنتاج بعضها في العام 2020 وبعضها الآخر في العام 2025، ويتوقف أيضا التدوال بها في التجارة العالمية وتصبح ممنوعة من الإستعمال. وكذلك سوف يتوقف استعمال الزئبق في عدد من العمليات الصناعية، ولا سيما صناعة الكلور والصودا Chlore-alkali، ويتم الإنتقال إلى تقنيات حديثة لا تستخدم الزئبق في عملياتها.

من الأمور الهامة المطروحة للنقاش في المؤتمر قضايا تتعلق بالآلية المالية، وبتقييم فعالية الإتفاقية، وبآلية ووتيرة الإبلاغ (رفع التقارير)، وتكتسب مسألة التخزين المؤقت للزئبق الخارج من الدورة الاقتصادية أهمية بالغة أيضا من نقاش المؤتمر. وكذلك مسائل إدارة ومعالجة نفايات الزئبق والنفايات المحتوية على الزئبق، وكذلك تحديد ومعالجة المواقع الملوثة بالزئبق، ومسائل التعاون الدولي بين الأطراف وغير الأطراف في تبادل المعلومات، والدعم التقني والمالي لمساعدة الدول النامية على تطبيق الإتفاقية، وتنفيذ خططها الوطنية لتطبيق ناجح وفعال للاتفاقية.

لبنان الرسمي يشارك في المؤتمر بصفة مراقب، على الرغم من أن مجلس النواب قد صادق على الإتفاقية في بداية شهر شباط (فبراير) 2017، ولكن تقصير أو إهمال أو جهل بالإجراءات لدى وزارة الخارجية، حال دون مشاركة لبنان اليوم بصفة دولة طرف كاملة الحقوق في التصويت على القرارات. وذلك لتخلف وزارة الخارجية عن إيداع ملف التصديق في المكتب القانوني للأمم المتحدة في نيويورك، وهي عملية إجرائية بسيطة تكتمل معها إجراءات التصديق ليصبح البلد طرفا في الإتفاقية.

لبنان لم ينجز بعد جردته الوطنية بشأن الزئبق على الرغم من أن منحة بقيمة 200 ألف دولار أميركي مقدمة من المرفق العالمي للبيئة إلى لبنان لإنجاز الجردة الأولية للزئبق، كي يتمكن لبنان من وضع استراتيجية للتطبيق الاتفاقية وخطة وطنية تنفيذية لتحقيق أهدافها.

 

Pin It on Pinterest

Share This