طارق ابو حمدان

 يمضي الدكتور يوسف حجازي، أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، الساعات الطوال داخل غرفة متوسطة الحجم، جهّزها بطاولة ومعدات قليلة وصغيرة الحجم، ليعمل بكل دقة وحرفية على تحويل حبات الفاكهة والخضار، إلى تحف فنية شيقة.

هذا النوع من النحت بات وجهاً من وجوه السياحة الفاعلة، إنتشر بسرعة ليغدو مطلب الفنادق والمطاعم ومعظم الصالونات، فيزيّن الموائد الفخمة بكل زهو، يزيدها رونقاً ويضفي على طعمها نكهة لذيذة مميزة.

في حديث لـ greenarea، يقول الدكتور حجازي :” النحت على الخضار والفاكهة فنّ من الفنون النادرة معقّد وصعب، تلزمه حرفية فائقة ونفس طويل، وقد تغلّب عشقي له على كل المصاعب وباتت منحوتاتي تضاهي مثيلاتها لدى كبار الفنانين العالميين”.

ظهر النحت على الفاكهة أولاً في تايلاند عام 1309،عند أسرة سوخوتاي التي كانت مالكة في تلك الفترة، ومنها إنتشر إلى معظم دول العالم، كما تعدّدت معاهد تعليمه، فبات هذا الفن سمة تلازم معظم الفنادق، المطاعم، القصور، حفلات الأعراس ومختلف المناسبات الإجتماعية.

يؤسّع هذا الفن الخيال وينقّي الذهن، لأنه يتطلّب تنسيقاً واضحاً، وخلال عمله، يقول حجازي: ” أحدّق ملياً بحبة الخضارأو الفاكهة، تراودني الفكرة لإعطائها معنى أعمق، أفرغ من أفكاري على قشرتها الخارجية ومن ثم على لبها. لقد مررت بتجارب صعبة، رميت خلالها الكثير من الفاكهة والخضار، إلى أن نجح العمل لاحقاً، وبات النحت على الفاكهة صفة تلازمني، ونلت عبرها شهرة محلية وعالمية، بعدما غزت منحوتاتي الفنادق الفخمة والمطاعم المرموقة والقصور القيمة وحفلات السهر والطرب”.

لكل فاكهة رسمة أو فكرة مغايرة، فيتابع حجازي:”أعدّ الرسمة أولاً في مخيلتي لأطبقها لاحقاً على البطيخة، التفاحة، حبة البندورة وغيرها من أنواع الفاكهة والخضار. أنتقل بعدها إلى الحفر مستعملاً عدة بدائية وبسيطة، في مقدمتها السكين، الإبرة والشفرة. تجاوزت منحوتاتي حدود

10000 منحوتة حتى الآن، ولكل منها خصوصيتها وإسماً خاصاً، وتتراوح فترة إنجاز المنحوتة الواحدة ما بين عشر دقائق  إلى أقل من ساعة. أما أصعب المهام هي  الحفر على ثمرة اليقطين بسبب سماكة قشرتها الخارجية وقساوتها.. ومن الأسماء، الأمل، التحدي، الربيع، العلم اللبناني، العروس، الحصان، جوكوندا..  إضافة إلى أسماء دول عربية وأجنبية.

من جهته، يشير الفنان التشكيلي وائل أبو عاصي، إلى أنه أضاف إلى هوايته الأصلية في نقش الحجر الصم، النقش على الفاكهة. ويقول: “إنها عملية بسيطة وهي أسهل بكثير من النقش في الصخر، أشعر براحة نفسية كبيرة عندما أنحت على الفاكهة، والهدف الأسمى أن أحفّز أقراني لإستغلال طاقاتهم وأوقاتهم في أشياء مفيدة. والأهم إكتشاف مكنونات ذواتهم، لكن مع الطلب المتزايد على هذه المنحوتات، بدأت أسوّقها بأسعار مقبولة، تبدأ بعشرين دولاراً لتتجاوز ال 001،حسب كل منحوتة، وهناك بعض الزبائن يحدّدون بأنفسهم إسم المنحوته وشكلها وحجمها، لتكون جاهزة خلال فترة زمنية قصيرة.

مع تحوّل الهواية إلى مهنة يقول أبو عاصي: ” في بعض الأحيان تفرض المناسبات إختيارات معينة، كما أن نوع الفاكهة يلعب دوراً في إختيار شكل النحت، فالبطيخ على سبيل المثال يعد أنسبها، وأميل شخصياً إلى إختيار الزهور والأشكال النباتية في أغلب منحوتاتي لأنها تضفي لمسة جمالية مميزة على قاعات الطعام. أما إذا كان المطلوب نحت شعار أو صورة فيستغرق العمل وقتاً أطولاً قد يمتد إلى 3 أو 5 ساعات، كما أن بعض الفاكهة يجب أن نتعامل معها بحذر أثناء النحت مثل الكيوي لسهولة تأثر قشرها خصوصاً  وأن قوامها ليِّن ولونها يتأكسد. أستخدم اليقطين عندما أريد نحت رسومات ثلاثية الأبعاد، لكن مهما سجّلنا من تقدم في منحوتاتنا، إلا أن هذا الفن لم يأخذ مجده في لبنان حتى الآن،على الرغم من تميزه في تعدد أشكاله. فهو فن إبداعي رائع يستحق الإهتمام والعناية، إنه فن يثبت قدرة العقل البشري اللامحدود في إستخدام الطبيعة وتطويعها إلى ما يحلو للإنسان، بحيث لا يقتصر الإبداع على مجال محدد، إنما يشمل أدق الأشياء.

وطالب أبو عاصي بضرورة إستحداث مهنية خاصة بالنحت على الفاكهة في كافة المناطق اللبنانية لنشر هذا الفن الثلاثي الأبعاد، وتشجيع الشباب على خوض هذا المضمار للتعبير عما يجول في داخلهم، تعبيراً صادقاً هادفاً لما فيه من تضامن مع الطبيعة ودعماً لإستمرار التراث اللبناني القيم.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This