فاديا جمعة

 

وكأن الفساد قدر اللبنانيين وهم يكابدون الصعوبات بحثا عن حياة كريمة، وعن حد أدنى من مقومات عيش كريم بعيدا من أسباب التلوث، من النفايات إلى الصرف الصحي وإلى كل ما يواجهون من تبعات الفساد عينه، فيما الدولة تنأى عن همومهم ومعاناتهم، فمحاصرة مجاري الصرف الصحي لحي سكني على سبيل المثال، أمر لا يستدعي استنفار أجهزة الدولة، فيما المسؤولون يمضون إجازات في منتجعات أوروبا، أما من بقي منهم في لبنان، فيبدو أن حاسة الشم تعطلت لديه، وإلا ماذا نفسر محاصرة المياه الآسنة لمرفأ وبلدة؟

فقبل أيام عدة ناشد أهالي المنطقة القريبة من مرفأ الجية وميناء الصيادين، في بيان “الوزارات والسلطات المعنية التحرك لوضع حد للتلوث والأضرار الناجمة عن تعطل مضخة جر مياه الصرف الصحي على الطريق العام عند مدخل ميناء الصيادين”، علما أن هناك ثلاث مضخات أخرى بديلة معطلة.

وما تجدر الإشارة إليه، هو أن هذه المضخة موضوعة على “ريغار” لمجرور يمرّ في المنطقة ويصب عند محطة التكرير بالقرب من معمل الجية الحراري، الأمر الذي تسبب بانتشار الروائح الكريهة في المنطقة وتسرب مياه الصرف الصحي إلى داخل الميناء، ما هدد بإلحاق الأضرار بمراكب الصيادين وقطع أرزاقهم، فضلا عن تلويث البحر والمنطقة المحيطة بالميناء، كما تحولت المنطقة إلى مستنقعات لمياه الصرف الصحي، وغلب اللون البني على البحر في الجوار، ومع مضي إثني عشر يوما، ورغم النداءات والمراجعات والمناشدات لم يتحرك أحد من الجهات المعنية، المفترض أنها معنية بصحة المواطنين وبرفع التلوث عن الميناء والبحر والطرقات، وإلى لم أحد ساكناً، فيما التلوث ينشر الأمراض ويهدد حياة المواطنين والصيادين.

 

البلدية غير معنية!

 

وما يزال مسلسل المعاناة مستمرا، وسط مسلسل من الفضائح، إذ أكد مواطنون من أبناء المنطقة لـ greenarea.me أنه “ما إن يتم إصلاح مضخة حتى تتعطل ثانية”، وأشاروا إلى أنه “على الرغم من المراجعات العديدة لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، إلا أنها لم تبادر حتى الآن إلى حل المشكلة من جذورها، وهي تتفاقم بشكل كبير وخطير”.

وناشد أهالي المنطقة وأصحاب المؤسسات “وزارة البيئة والمعنيين التحرك السريع لرفع التلوث الحاصل”، أما البلدية بحسب الأهالي، وما تواتر إلينا من معلومات، فقد “نأت بنفسها عن هذا الموضوع وكأنها غير معنية، على الأقل في موضوع المتابعة”.

 

“الإنماء والاعمار” ومزاريب الهدر

 

أما عن “مجلس الإنماء والاعمار”، فحدث ولا حرج، خطط وقروض وهبات ودراسات لمشاريع نفذت ولم تشغل، أو قيد التنفيد لسنوات قابلة للتمديد والتجديد، دون أن يخضع لرقابة على اعماله، ودون أيه إجراءات من المؤسسات الرقابية لوقف “مزاريب” الهدر المفتوحة على مختلف المشاريع، والتي تحولت التلزيمات “كعمة” يتقاسمها كبار النافذين في الدولة، ومن هذه المشاريع محطات الصرف الصحي التي نفذها المجلس، ولم تعمل لأسباب تشغيلية، وتصب مياهها إما في الأنهر أو البحر ومحطات ما تزال في طور التنفيذ وقد تعرقل تسليمها لأسباب مختلفة.

جريمة بحق المنطقة

 

مع استمرار المشكلة، وصلتنا وما تزال مناشدات عدة من أبناء المنطقة الذين عبروا عن استيائهم من هذا الوضع، وأجمعوا بأن المنطقة تكابد الكثير جراء التلوث الذي يحاصرها من المعمل الحراري الذي ينبعث منه الدخان الاسود باستمرار، والنفايات المنتشرة في المكبات العشوائية المحيطة القريبة من الأوتوستراد والآن “المياه الآسنة وهي تنشر الروائح الكريهة وبدأت تتحول مصدرا للأمراض والأوبئة.

المواطن (م.م) أكد لـ greenarea.me أن “ما يحصل، وما هو قائم يعتبر جريمة بحق المنطقة”، لافتا إلى “اننا لا نتلقى إلا الوعود بحل المشكلة، كما هو الحال في كل مظاهر الفساد التي يعاني منها البلد”، وقال “وعدنا بإرسال فريق من مصلحة مياه بيروت وجبل لبنان للعمل على اصلاح العطل ولا نزال ننتظر”.

 

كجك: الميناء عبارة عن مستنقع

 

نقيب الصيادين في الجية محمد كجك قال لـ greenarea.me: “لم نترك بابا إلا وطرقناه، كما ناشدنا المعنيين والبلدية، ولكن أحدا لم يتحرك”، وأشار إلى أن “هذا المجرور تصله المياه الآسنة عبر أنابيب من عين الحوض، البرجين، بعاصير برجا وغيرها، ومن المفترض وصله بمحطة التكرير في الجية التي لم تعمل بعد”.

وأكد كجك أن “الأعطال تطرأ باستمرار بسبب عدم قدرة المضخة على استيعاب الكميات القادمة من المياه الآسنة، وفي كل مرة نتوجه الى البلدية وتؤكد بأن لا علاقة لها بهذا الموضوع، علما بأنها السلطة التنفيذية وتقع على عاتقها مسؤوليات لجهة التبليغ ومطالبة الجهات المختصة بإصلاح الاضرار”.

وقال: “من كثرة الاعطال المتكررة، ومن كثرة التبليغات والمناشدات لم يعد أيّ من المسؤولين يسمع صوتنا، حتى مدير عام وزارة الطاقة والمياه ونائبه نتصل بهما ولا يجيبون، والحالة اليوم يرثى لها، فقد انتشر التلوث بشكل ظاهر في البحر، كنا خائفين من ضرب الموسم السياحي للمسابح المجاورة، إلا ان الوضع لم يعد يحتمل، والصيادون هم الحلقة الاضعف فمراكبهم تضررت والميناء عبارة عن مستنقع”.

وختم كجك: “سنقوم غدا بسحب ثلاثة مراكب متضررة وسنرسل فيها كتابا للمعنيين نطالبهم بالتعويض ومعاينة الأضرار، كما واننا سنقوم كنقابة برفع دعوى على مجلس الإنماء  والإعمار والبلدية، واجتمعنا مع المحامي للمباشرة في التوجه الى القضاء، خصوصا وأن الميناء يحتضن حوالي 200 صياد و120 مركب مختلف بين صيد ونزهة وقد تضررت جميعها”.

 

Pin It on Pinterest

Share This