د. ناجي قديح

أزمة نفايات طبية فاقعة في صيدا نشهدها هذه الأيام، وأزمات مماثلة يحتمل أن تنفجر في أي وقت، وفي أي منطقة أخرى من لبنان. هذه الأزمة هي مؤشر جديد على الثمار المرة للسياسات الناقصة والمفككة وقصيرة النظر في مجال إدارة النفايات عموما في لبنان الحديث، أي منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي حتى اليوم.

وضعت هذه السياسات لتستجيب لمصالح فئات في السلطة، أو لجهات محظية من قبل قوى نافذة فيها، وليس لتشكل رؤية لحل متكامل ومستدام، يلبي ضرورات الحفاظ على البيئة والصحة العامة والحرص على حسن استخدام المال العام، ويساهم في دفع التقدم الاجتماعي والتنمية المستدامة في لبنان.

إذا دققنا في نصوص التشريعات التي تنظم عملية إدارة النفايات الطبية، وهي المرسوم 8006 تاريخ 11.6.2002، المعدل بالمرسوم رقم 13389 تاريخ 30.9.2004، نرى أن جذور الأزمة في إدارة النفايات الطبية المتفجرة اليوم في صيدا، التي يمكن أن تظهر في أي مكان آخر، تكمن في بعض مضامين هذا المرسوم نفسه وتطبيقاته.

ومن جهة أخرى، نرى أن تطبيق التشريعات والأنظمة المتعلقة بإدارة النفايات الطبية، يعاني منذ الأيام الأولى، من ضعف وتشويهات، شبيهة بكل ما يرافق الأعمال المتعلقة بتراخيص وتلزيمات الدولة. فبدل إتاحة الفرصة لتنافس مشروع بين شركات القطاع الخاص، المتخصصة في إدارة النفايات الطبية، جرى استبعاد تعسفي لكثير منها، وتم العمل على حصر الترخيص بمؤسسة واحدة، وهي جمعية ذات منفعة عامة، وليست شركة قطاع خاص متخصصة بإدارة هذا القطاع عالي الخصوصية.

ثلاثة مستويات من الخلل أدت وسوف تؤدي إلى ظهور الأزمات المتتالية في إدارة قطاع النفايات.

المستوى الأول من الخلل هو في غياب التخطيط الاستراتيجي على مستوى إدارات الدولة والوزارات، وعلى مستوى الحكومات وسياساتها بشكل عام. ويكمن أيضا في غياب صارخ لرؤية استراتيجية وطنية واحدة ومتكاملة لإدارة النفايات، كل النفايات، على المستوى الرسمي في لبنان.

هذا الغياب الكبير، يحل محله قرارات مجتزأة، منفصلة، مفككة، لا رابط حقيقي بينها، وهي بالعموم قصيرة النظر، ولا تهدف إلى تحقيق خطوة باتجاه التنمية المستدامة، بل لتحقيق احتكارات وأرباح لصالح فئات خاصة على حساب المصلحة العامة. قرارات تتعلق بكل من النفايات المنزلية، والنفايات الطبية، والنفايات الصناعية، ومياه الصرف الصحي المبتذلة، مفككة لدرجة أنها لا تشكل مجتمعة سياسة وطنية واحدة ومتكاملة، هي مطلوبة وضرورية لتحقيق تراكم في الإنجازات، وتحقيق تقدم يذكر في إدارة النفايات بطريقة سليمة بيئيا وآمنة صحيا وتحفظ المال العام من الهدر والتبذير والنهب المنظم.

المستوى الثاني من الخلل يكمن في المراسيم والقرارات نفسها. وهنا نتحدث حصرا عن مرسوم إدارة النفايات الطبية. يتضمن المرسوم تعاريف وتصنيفات علمية لأنواع النفايات الطبية المتولدة في المؤسسات الصحية، ونقدنا لا يطاول هذا الجانب التقني من المسألة، بل يتناول تحديدا الجانب التخطيطي والرؤيوي، المتعلق بتكامل إدارة النفايات الطبية مع غيرها من أنواع النفايات، التي تقع خارج نطاق اهتمام وأهداف المرسوم.

من ناحية أولى، يربط المرسوم بين النفايات الطبية المصنفة خطرة ومعدية Hazardous Infectious Medical Waste بعد عملية تعقيمها، بإدارة النفايات الصلبة المنزلية، حيث يقول المرسوم في المادة الثانية عشرة بشأن التخلص النهائي من النفايات الخطرة والمعدية بعد التعقيم، “يمكن التخلص منها بنفس طرق التخلص من النفايات المنزلية شرط الامتناع عن رميها في المستوعبات العامة المعدة لجمع النفايات المنزلية، بل نقلها مباشرة من موقع التعقيم إلى المطمر الصحي الشرعي الخاص باستقبال النفايات المنزلية وفق سجلات بالكميات ووثائق استلام وتسليم تحفظ لدى الإدارة”. هذا الربط، الذي يتم في غياب سياسة وطنية، واستراتيجية واحدة ومتكاملة لإدارة النفايات في لبنان، يؤدي إلى وقوع إدارة النفايات الطبية في مأزق أزمة إدارة النفايات المنزلية المزمنة، التي تستمر بالتفاقم حتى هذه الساعة في لبنان.

ومن ناحية ثانية، يربط هذا المرسوم بين النفايات السائلة للمؤسسات الصحية المحتوية على البراز والدم، وبين إدارة الصرف الصحي في لبنان، حيث يقول “بجواز رمي النفايات السائلة للمؤسسات الصحية (البراز والبول والدم) في أقنية المجاري، التي تصب في شبكة مربوطة بمحطة معالجة للمياه المبتذلة، شرط أن تكون قد خضعت لعملية معالجة أولية تخفف من أنشطتها الحيوية، وذلك وفقا للقيم الحدية (discharge limits) للمياه المبتذلة عند صرفها في شبكة الصرف الصحي، المحددة من قبل وزارة البيئة في القرار رقم 8/1 تاريخ 30/1/2001”.

فمن جهة هو يشترط معالجة هذه التدفقات أوليا قبل رميها في مجاري الصرف الصحي، لكي يتم التحقق من توافقها مع القيم الحدية للقرار رقم 8/1، ومن جهة أخرى يشترط أن تكون شبكة المجاري مربوطة بمحطة لمعالجة المياه المبتذلة. هذا الربط، الذي يتم في غياب استراتيجية وطنية واحدة ومتكاملة لإدارة كل أنواع النفايات، بما فيها مياه الصرف الصحي، يؤدي إلى تلويث خطير إضافي لهذه المياه عند صرفها دون معالجة في الأوساط البيئية، بحرا ونهرا وأراضي.

ومن ناحية ثالثة، يربط هذ المرسوم بين النفايات الطبية الخطرة غير المعدية Hazardous Non Infectious Medical Waste وبين سياسة الدولة العامة لإدارة النفايات الخطرة، حيث يقول: “تخضع عملية إدارة النفايات الخطرة غير المعدية، الناتجة عن المؤسسات الصحية في المادة الأولى الفقرة 3، للمعايير العامة المتعلقة بالنفايات الخطرة، المعرفة في الإطار التشريعي العام للنفايات الخطرة”. فما هو هذا الإطار التشريعي العام للنفايات الخطرة في لبنان؟ ولماذا لا يشار إليه بالدقة الكافية، التي تسمح لأي معني بتطبيق مرسوم النفايات الطبية أن يرجع إليه ويعمل على تطبيق أحكامه؟

هناك قانون واحد في لبنان يعنى بالنفايات الضارة والمواد الخطرة، هو “قانون المحافظة على البيئة ضد التلوث من النفايات الضارة والمواد الخطرة” رقم 64 الصادر في 12/8/1988. ربما هو المقصود في “الإطار التشريعي العام للنفايات الخطرة” المذكور في المرسوم.

هذا القانون والقانون الإطاري لحماية البيئة رقم 444 للعام 2002، يحتاجان، منذ إقرارهما، الأول في العام 1988، والثاني في العام 2002، أي منذ حوالي العقدين من الزمن وأكثر، إلى وضع المراسيم التطبيقية لهما، كي يصبحان قابلين للتطبيق الميسر، من قبل الجميع، أفرادا ومؤسسات وقطاعات. وبالتالي نحن نعيش في ظل غياب كامل لأي إدارة للنفايات الخطرة من كل المصادر في لبنان، بما فيها بالطبع، النفايات الخطرة غير المعدية من مصادر المؤسسات الصحية.

المستوى الثالث من الخلل يكمن في سوء تطبيق المرسوم بكل مواده وشروطه التقنية والتنظيمية والإدارية، التي تشكل منظومة واحدة لإدارة النفايات الطبية الخطرة والمعدية حصرا، وليس لأي نوع آخر من النفايات المتولدة في المؤسسات الصحية.

المظهر الأول للخلل التطبيقي هو في حصر الترخيص في جهة واحدة، تتمثل بجمعية Arc en Ciel، وهي جمعية ذات نشاط إنساني مشهود لها به في مجال خدمة أصحاب الحاجات الخاصة، ولكنها لا تكتمل فيها مواصفات الشركة الخاصة المتخصصة بإدارة متكاملة للنفايات الطبية. نحن لا نرى ضيرا في أن يتم اشتقاق شركة خاصة من جمعية غير حكومية، ولكننا ننتقد الإحتكار والحصرية، مما يمنع عمليا أي منافسة، أو أي محفز لتحسين معايير العمل من جهة، ولنشوء سعر يحدده سوق التنافس المنضبط وفق القانون بين شركات القطاع الخاص العاملة في هذا المجال، من جهة أخرى.

المظهر الثاني للخلل التطبيقي هو في العجز المؤسسي عند الجهات المسؤولة عن مراقبة حسن التطبيق والرصد والمتابعة الضرورية. وهنا نقصد العجز المؤسسي عن القيام بهذه المهام لدى وزارتي البيئة والصحة. هناك نقص كمي ونوعي، وربما تنظيمي وإداري أيضا، يحول دون قدرة هاتين الإدارتين على القيام بكل ما يتوجب عليهما من مهام لفرض حسن تطبيق المرسوم بكل مندرجاته.

المظهر الثالث للخلل التطبيقي  يكمن في الغياب الكامل للدولة (مجلس الوزراء) في مجال توفير كل الشروط الضرورية لتطبيق المرسوم. لماذا لا تهتم الحكومة بإنشاء مطمر صحي متخصص لاستقبال نواتج عمليات معالجة النفايات الخطرة، بما فيها النفايات التي تبقى بعد التعقيم، وبعد معالجة أنواع أخرى من النفايات الطبية وغير الطبية؟ لبنان كله يحتاج إلى منشأة واحدة بهذه المواصفات ولهذه الغاية الخاصة.

المظهر الرابع للخلل التطبيقي هو في غياب التزام العديد من المؤسسات المعنية بالرعاية الصحية، من مستشفيات ومراكز طبية وعيادات ومختبرات، بكثير من مقتضيات هذا المرسوم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هل تراقب المؤسسات الصحية، ولا سيما المستشفيات، تدفقاتها السائلة للتحقق من توافقها مع القيم الحدية للقرار 8/1 قبل رميها في شبكة المجاري؟ وهل هي تتحقق قبل رميها من ما إذا كانت شبكة مجاري الصرف الصحي مربوطة بمحطة لمعالجة المياه المبتذلة؟

ومن جهة أخرى، هل يتم فعلا تعقيم النفايات الخطرة المعدية خلال 24 ساعة من تولدها؟ هل هناك منشآت خاصة للتعقيم لدى المؤسسات الصحية غير المتعاقدة مع جمعية Arc en Ciel لجمع ومعالجة نفاياتها الطبية؟ هل هناك احترام كامل لشروط التخزين المؤقت لدى كل المؤسسات الصحية المولدة لنفايات طبية خطرة ومعدية وغير معدية ونفايات خاصة؟

لماذا يتم زج البلديات في مسؤولية التخلص النهائي من النفايات الطبية بعد تعقيمها من قبل “الشركة” المتعاقدة مع المؤسسات الصحية لجمع وتعقيم نفاياتها الخطرة المعدية؟ فهل البلديات تتدخل في ترتيب العقود بينهما؟ وهل هي مشاركة فيها ومعنية بها، وتتحمل مسؤوليات تطبيقية من ضمنها؟

لماذا ينحصر الترخيص المعطى للجمعية بجمع وتعقيم النفايات الطبية الخطرة والمعدية فقط؟ ولا يشمل الأنواع الأخرى من النفايات الخطرة غير المعدية والخاصة؟

من يستطيع الإجابة على السؤال المتعلق بأين تذهب هذه النفايات الطبية غير المشمولة في عقود الجمع والمعالجة؟ وما هو مصيرها؟

لماذا لا تنظم مناقصات لتلزيم شركات متخصصة في إدارة النفايات الطبية الخطرة، المعدية وغير المعدية والخاصة؟ أفلا يستحق هذا الأمر عقودا مع شركات ذات اختصاص، يمكنها القيام بإدارة متكاملة لهذا النوع من النفايات، بما فيها إقامة منشآت التخلص النهائي من النفايات بعد معالجتها؟

نتحدث في لبنان عن مستشفى الشرق الأوسط، وعن السياحة الاستشفائية، وحالة إدارة النفايات الطبية في لبنان مزرية بما لا يقل عن حالة كل أنواع النفايات الأخرى، الخاضعة لسياسات ناقصة ومفككة وقصيرة النظر، تؤدي إلى ثمار مرة من الأزمات والفشل، وإلى تعريض بيئة لبنان وصحة شعبه لأكبر التهديدات والمخاطر.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This