د. ناجي قديح

 

 

محارق النفايات مصدر رئيس لانبعاث وإطلاق جسيمات متناهية الصغر، ومركَّبات كيميائية عالية السمِّية البيئية والبشرية، التي تهدِّد السلامة البيئية والأمان الصحي لملايين البشر، وخصوصا السكان، الذين يعيشون على مقربة منها، وفي مناطق تقع باتجاه الريح السائد ولمسافات بعيدة. وكذلك أولئك الذين يعيشون على مقربة من مواقع استقبال وطمر الرماد بنوعيه: الرماد المتطاير، وهو يصنف نفايات خطرة، الذي تلتقطه الفلاتر ووسائل مكافحة التلوث الملحقة بمحرقة النفايات، إن وجدت، وإن تمت خدمتها وصيانتها وتبديل قطعها بشكل يتوافق مع المتطلبات التقنية، ومع التشريعات والمعايير والأنظمة والقواعد الخاصة بهذا الأمر، وكذلك رماد القاع الذي يتم جمعه من قاع غرفة الإحتراق دوريا.

تصل نسبة الرماد بنوعيه، المتطاير ورماد القاع، إلى ما بين 20-25، وأحيانا إلى 30 بالمئة، بالوزن، من كمية النفايات الداخلة إلى المحرقة. وأشدد على اعتماد قياس كمية الرماد بالوزن، وليس بالحجم كما يحلو لبعض المُضلِّلين. وذلك لاعتبار أن كمية النفايات الداخلة إلى المحرقة تقاس دائما بوحدة الوزن، أي بالطن، وليس بوحدة الحجم على الإطلاق. وبالتالي، وجب التعبير عن كمية الرماد بوزنها.

كل الإتفاقيات الدولية المتعلقة بالكيماويات والنفايات، ولا سيما منها إتفاقيتي “ستوكهولم” بشأن المُلوِّثات العضوية الثابتة، و”ميناماتا” بشأن الزئبق، تشير بوضوح كامل، في نصوص موادها، على أن محارق النفايات بكل أنواعها، النفايات الصلبة المنزلية (البلدية)، والنفايات الصناعية الخطرة، والنفايات الطبية، والنفايات الإلكترونية والكهربائية، تشكل مصدراً رئيساً لانبعاثات الديوكسين والفوران، ولمركَّبات كيميائية آروماتية متعددة الحلقات، ولمواد كيميائية ذات خصائص حمضية وقلوية قوية، ولجسيمات صغيرة ومتناهية الصغر، بما فيها جسيمات نانوية القياس، وهي غنية بالمعادن الثقيلة السامة، المعروفة بتراكمها في الأوساط البيئية، وبانتقالها من وسط بيئي إلى آخر، وتراكمها في السلسلة الغذائية للإنسان، وتلويثها للهواء والمياه والتربة.

عدد كبير من الدراسات، أجريت في مناطق قريبة من محارق النفايات الصلبة المنزلية (البلدية)، دلَّت على مستويات عالية من الديوكسين والفوران في منتجات البيض ومشتقَّات الحليب. وهذا يعني أن هذه الملوِّثات عالية السمِّية، وعالية الاستقرار، وعالية القدرة على التراكم الحيوي، المنبعثة من المحارق، قد دخلت السلسلة الغذائية، عبر انتقالها من الهواء إلى التربة، فإلى المنتجات النباتية المستعملة أعلافا للدواجن وللمواشي، ومنها إلى منتجات اللحوم والبيض والحليب ومشتقاته.

وبالإرتكاز على دراسات قام بها مركز “ووهو” للدراسات البيئية Wuhu Ecology Center، في الصِّين، نشرت يوم 3 آب (أغسطس) 2017 نتائج دراسة أجريت على الرماد المتطاير، المتولِّد في عدد من محارق النفايات الصلبة المنزلية، في منطقة جيانغسو Jiangsu Province، ومنطقة أنهوي Anhui Province الصينية.

أخذت عينات من الرماد المتطاير، الذي تم جمعه من فلاتر وتجهيزات مكافحة تلوث الهواء، الملحقة بسبعة محارق للنفايات الصلبة المنزلية، عاملة في هاتين المنطقتين، وأحيلت هذه العينات إلى مختبر معتمد لتحليل المعادن الثقيلة السامة، هذه المرة، بعدما تم في دراسات سابقة، وفي مناطق متعددة، تحليل مستويات الديوكسين والفوران وغيرها من الملوثات الكيميائية عالية السمية، وكذلك في دراسات أخرى تم درس مستوى التلوث بالجسيمات الصغيرة ومتناهية الصغر.

بينت نتائج هذه الدراسة تراكيز عالية من الرصاص والكادميوم والنيكل والسيلينيوم، تجاوزت لعدة أضعاف المستويات المقبولة لاستقبالها في مطامر النفايات المعتمدة في التشريعات البيئية الصينية.

كل هذه المعادن الثقيلة عالية السمِّية البيئية والبشرية، وتسبب تخريبات عميقة ومزمنة في العديد من أجهزة الجسم، وتعيق النمو الطبيعي لدماغ الأطفال والجهاز العصبي، وهي تتمتع بنشاط مسرطن أكيد ومثبت عند الإنسان.

سجلت هذه الدراسة أيضا مخالفة للتشريعات الصينية، التي تُلزِم معالجة الرماد المتطاير والتخلص منه في مطامر متخصِّصة للنفايات الخطرة، وذلك لتفادي انتشار الملوثات السامة في الأوساط البيئية المختلفة، ومنها إلى السلسلة الغذائية للإنسان، مهددة الأمان الصحي للسكان بأكبر المخاطر.

إن الممارسات الخاطئة، والمخالفة للتشريعات البيئية، وللمتطلبات التقنية للتعامل مع النفايات الخطرة، التي تنص عليها إتفاقية “بازل” بشأن النفايات الخطرة، ودلائلها التقنية التوجيهية، التي ينبغي الإلتزام بها عند التعامل مع الرماد المتطاير، ورماد المحارق عموما، تترافق بمستوى عالٍ جداً من المخاطرة على سلامة البيئة والصحة العامة.

نضع هذه المعلومات برسم عموم الشعب اللبناني، وخصوصا سكان العاصمة بيروت، وضواحيها الشمالية والشرقية والجنوبية، وكذلك برسم وزارة البيئة، وكل الحكومة اللبنانية، وبلدية بيروت، وكل المعنيين باتخاذ القرارات، ووضع السياسات المتعلقة بإدارة النفايات، لنطالبهم مجددا بالإبتعاد عن التفكير عن اعتماد المحارق، التي يكثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، وعلى لسان عدد كبير من القوى السياسية في السلطة، ما يثير القلق الحقيقي والكبير عند كل الحريصين على سلامة بيئة لبنان، وسلامة وأمن اللبنانيين الصحي.

لن نملَّ الدعوة للتعقل واعتماد الإدارة المتكاملة والسليمة بيئيا للنفايات، بما يحفظ البيئة والصحة العامة والمال العام، واعتمادها كسياسة حكومية مركزية رسمية، وإصدارها بمرسوم أو قانون، ليعمل الجميع على حسن تطبيقها وتنفيذها لامركزيا، مع دور نشيط للبلديات واتحادات البلديات والمجتمع المدني والقطاع الخاص، وكل وزارات ومؤسسات الدولة.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This