أخطر ما في دخول الدين على السياسة هو أن الدين يحمل معه المقدس ويزجّه في السياسة. التناقض كلي بين الدين والسياسة. الدين يرزح تحت عبء حقائق أبدية أزلية، والسياسة تقتضي الحوار والنقاش والتنازل من أجل تلاقي الأطراف وصنع حقائق جديدة للمجتمع. في الدين الحقيقة الهية، وفي السياسة الحقيقة انسانية. في الدين الحقيقة مطلقة، وفي السياسة الحقيقة نسبية. في الدين تتولد جميع الحقائق الجزئية من حقيقة واحدة. في السياسة تتولد الحقائق الجزئية من تفاهمات بين البشر وتصنع الحقيقة من صيرورة الحقائق الجزئية.

في الدين يخضع الضمير بسهولة لمعطى خارجي، الهي او غير الهي. ويمكن ان يأخذ الطاغية مكان الله، فالحكم الديني لا بد وان ينتهي الى الاستبداد. في السياسة يخضع الضمير لمعطياته الداخلية وللوقائع البشرية، يضطر الضمير ان يكون متطابقاً مع نفسه. المبدأ الاخلاقي في الدين يستسلم لما هو خارج الانسان. المبدأ الاخلاقي في السياسة يخضع لاعتبارات انسانية. الاخلاق في الدين تخضع للمقدس. الاخلاق في السياسة تخضع للضمير البشري. الاخلاق في المقدس تنتحر، في السياسة تزدهر.

يتوسع المقدس في مجتمعنا ويحتلّ كل مجال الوعي، يحتل المجال العام. يأخذ مكان السياسة. يعطي الاولوية للمبادىء الالهية. يتجاهل الوقائع الآنية والزمنية والتاريخية. إقحام المقدس في الحياة اليومية لا بد وان ينتهي بعد ان يبدأ، بالجهل. تستطيع ان تجهل او تتجاهل كل ما يجري على الارض وتبقى على يقين انك تمتلك الحقيقة. الدين والمبادىء السماوية تزودك بالحقائق. في الارض تكتشف الحقائق بالسياسة، وبالشغل والعمل.

يفرض المقدس عقلاً خاصاً به على المجتمع: رفض للمنهج العلمي، رفض للحداثة، ثقة فائقة بالذات، اعتبار النصر خفاقا في اي زاروب، احتقار الدولة وشرشحة القانون، والاخطر من كل ذلك احتقار الشخصية الفردية. الفرد مكرس في سبيل القضية، والقضية متجسدة في شخص او في حزب او اية مجموعة نضالية، وما يقوله هؤلاء هو الحقيقة. ما يقوله هؤلاء يحل محل الكتاب الموحى. هم مصدر الوحي. يتحول الله الى واحد من اهل الحديث عن هؤلاء، واحد من التابعين او تابعي التابعين. يقرؤون الكتاب الموحى لتأييد ما جاء في احاديثهم، وفي احاديث اهل البيت.

يفقدون التواضع، ذات منتفخة توزع الهزائم على الخصوم. تحتفظ بالنصر لنفسها. عودة الى رفع  اصابع النصر التي اعتدنا عليها في السبعينات. لكن الخطاب أكثر تفاؤلاً من أولئك بكثير، اولئك كانوا ينتظرون النصر، هؤلاء يعيشونه كل لحظة. ليس الموت عندهم همّاً. هناك من ينتحر ثأراً من الماضي، وهناك من ينتحر ثأراً من الحاضر. الحاضر امتداد للماضي وليس تجاوزاً له.

ليس للوقائع حضور في تفكيرهم. الواقع يقررونه هم. لماذا لا؟ وقد احرزوا النصر. النصر عندهم عملية احرزوا فيها نصرا ضد العدو. حتى ولو كان امبراطورية في مواجهة فريق يعدّ بالعشرات او المئات او الآلاف، مع اسلحة بدائية او مهربة. انتصار في زاروب يسحبونه على العلاقة بالعالم. فهم العالم وتوازناته لا ينطلق من تحليل موازين القوى الاجتماعية والعسكرية والسياسية على مدى العالم. تكفي حادثة واحدة، انتصار في زاروب، او حي او مرتفع جبلي، ليكون الامر اشارة الهية. الله يقدم “أمارات” (بفتح الهمزة)، او اشارات لما يحدث في الكون وفي المستقبل.

المقدس أساساً رمز، الرمز يصير ايقونة. الايقونة تحمي من عاديات الدهر. “لكل امرىء من دهره ما تعودا”. وقد تعودوا النصر والغلبة. يسحبون الايقونة على الواقع وعلى الكون. يسحبون الحاضر على التاريخ. يعيدون كتابة التاريخ لا من تحليل الوقائع التاريخية، ولا باتباع منهج علمي، بل انطلاقاً من الرمز الايقونة. يسيطرون على الواقع مع امتلاك الايقونة بالسيطرة عليها او الخضوع لها.

المقدس في السياسة نوع من الفاشية. في الفاشية الشعب لا يمثله الطاغية، بل هو الذي يمثل الطاغية وارادته. الشعب في الفاشية تجسيد لارادة الطاغية. الشعب لدى المقدس لا قيمة له، ليس له ان يمثل شيئاً ولا ان يخضع لاحد. الارادة العليا هي التي تحكم وما على الناس الا ان يوجدوا من اجلها. لم يكونوا موجودين من قبل، وجدوا من اجلها. علوَ شان المقدس فاشية من نوع آخر، لكنه فاشية وحسب.

يغزو المقدس قلوبنا، يزحف ليغرق في ارواحنا فنجفّ ويهزل ايماننا، يطمس على قلوبنا، ويسيطر غلى عقولنا فنتسطح، يتغلغل في وعينا فيتدمر. يحيلنا المقدس الى ما يشبه الزومبي. ميت يمشي ويتحرك لكنه ميت.

يغزو المقدس المجال العام، يحتل الخير العام، يلغي السياسة، يقضي على الحوار. لكل فريق مقدساته. حرب المقدسات حرب اهلية  تتنوع بتنوع روايات المقدس عن التاريخ. لا ندرس التاريخ. نحاول الثأر منه. نعيد تشكيل تاريخنا على غير هوى التاريخ عند الآخرين. تتضارب الروايات، تتعمق الحروب الاهلية. نفقد البراءة الوطنية. يغيب عنا معنى الدولة. العروبة نكرة من الماضي، الهوية هي ما نحن عليه، نمتنع عن صنع المستقبل مشغولين بالحرب الاهلية. نسكن الماضي، ننسى التاريخ.

يغيب عنا السعي من اجل المستقبل. ندور حول ما نعتبره تاريخنا، وهو مصنوع اصلاً ليتناسب مع حداثتنا المتنقلة. كل شعب مات التاريخ لديه، من اجل العيش في الماضي، يدور حول نفسه، يغلق عقله ويتخثر. نحتاج الى من ينقذنا من انفسنا. السيادة كذبة كبيرة. تدخّل الدول الكبرى نطلبه كي نتفوق على الخصم المحلي، خيانة مشتركة للوطنية ولمقتضيات الضمير الفردي.

انتقل المقدس من الاستبداد السياسي الى الاستبداد الديني. الممارسة ستالينية في حين ان الطموحات امبريالية، وان كان الادعاء غير ذلك. يتلاعب الاستبداد بالدين، فاذا الدين السياسي يسيطر على شيء في المجال العام. صدام حسين العلماني هو الذي وضع شعار “الله اكبر” على العلم العراقي. السادات وبعده البعث السوري تلاعبا بالدين علّ مراهنة الاكثرية  تنفعهم. استطاعوا القضاء على فكرة العروبة، وعلى ايديولوجيتها، لكنهم عجزوا عن القضاء على العروبة كوجود لاكثرية هذه المجتمعات. تلاعبهم بالدين ادى الى اهمال فكرة الدولة والسخرية منها. مع اختلال الدولة، على هزالها، تضعضعت فكرة العروبة فانتشرت الحروب الاهلية. ما لم يكن في حسبانهم ان هذا الوجود العربي ينتج انتماءات عربية في الهوية وفي القومية، اغلقوا المجتمع كي تطمس العروبة. مأزقهم ان هذا الامر من المستحيلات. اذا كانوا يبحثون عن حلول، هم والدول العظمى، فهذا امر مستحيل من دون اخذ الانتماء العربي بعين الاعتبار. وما طريق العروبة الاّ عبر الدولة، الدولة القطرية ذاتها رغم ما اصابها.

تضخّم الدين مع زحف المقدس. ما عاد الدين مكرّساً من اجل العبادة ومن اجل الايمان، بل من اجل عقيدة لدى البعض. عقيدة يصادرون بواسطتها الله وينوبون عنه. نتيجة ذلك ان يتحول الانسان الى وسيلة، لم يعد هو الهدف والمبتغى.

التقدم ملغى في سبيل ان نعيش مع السلف الصالح، وكأنّ ذلك ممكن بعد 1500 سنة مرت على خلاف سياسي ركّبت له عقيدة بل عقائد. يخاطب اصحاب العقائد بعضهم عبر الصليب الاحمر الدولي. المعركة هي مع العدو الاقرب. حتى اسرائيل منسية، او شبه منسية او موضع مزايدات. الصراع على الدين يأخذ محل كل شيء آخر.

يعود العقل مع نزع المقدسات، واخذ الواقع بالاعتبار، واعتبار الانسان غاية. الله لا يمكن الوصول اليه جماعياً بل فردياً. يتناقض الايمان مع الدين الجماعي. ليس في الدين الجماعي الا المقدس. المقدسات ليست اداوات تحليل بل هي ادوات امر واخضاع. يصبح الانتفاخ الذاتي خياراً بين الخضوع لهذا الطرف الخارجي او ذاك. يصير نوعاً من الاسلام ولو كانت المعارك ناشبة.,

المقدس يطمس القلوب يلغي العقول ويقضي على المجتمع.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This