فاديا جمعة

لم يعد الاهتمام بالحياة البرية مقتصرا على الخبراء والناشطين فحسب، هذا ما نتلمسه خلال معايشتنا اليومية لممارسات تؤكد أن ثمة وعيا بدأ يزداد لدى المواطنين، وهذا ما يعني أن اللبنانيين يدركون – رغم بعض الممارسات السلبية – أهمية التوازن البيئي في قراهم وبلداتهم، وأن لكل كائن حي دورا في هذا التوازن، وهذا ما بدأوا يتكسبونه بالتجربة، فاختفاء أنواع من الطيور ساعد في انتشار الحشرات والأمراض، ما اضطرهم إلى مضاعفة استخدام المبيدات الحشرية السامة، وهم يعلمون مدى تأثيرها على محيطهم وصحتهم.
وما رصدته بالأمس “جمعية Green Area الدولية” جاء ليؤكد أن ثمة ممارسات لم نكن نشهدها من قبل، بدليل أن حيوان “الغرير” خرب حقلا للذرة، ولم يعمد المزارعون إلى قتله، وإنما اتصلوا بالجمعية من خلال المهندس والناشط البيئي وسيم بزيع ابن بلدة زبقين الجنوبية، إذ احتجزوا “الغرير” طالبين من الجمعية إعادة إطلاقه بعيدا عن بساتينهم وحقولهم.

التنوع الحيوي

في التفاصيل، أُبلغ الناشط بزيع من أحد أقاربه المواطن محمد أحمد بزيع بأن ثمة حيوان “غرير” محتجز عند أحد المزارعين في بلدة زبقين، وطلب منا التدخل لاستلامه وإطلاق سراحه.
فقال بزيع لـgreenarea.me بأن قريبه محمد “تفاوض مع المزارع الذي أكد بدوره انه لم يحتجز الغرير بغية قتله، بل بهدف رفع الضرر عن محصول الذرة خاصته”.
وأضاف: “اشترط لتسليم الغرير إبعاده عن المنطقة القريبة من أرضه التي يزرعها ويعتاش منها، لكي لا يعود إليها ثانية”، ورأى الناشط بزيع أن “مثل هذه الحالات تكررت كثيرا، وذلك يعود للمفاهيم الخاطئة المنتشرة بين الناس وغياب الوعي والمعلومات الكافية عن مجمل الحيوانات، ومنها اللاحمة خصوصا التي هاجمها الانسان دون ادنى معرفة بأهميتها في بيئتها”.
وأشار إلى أن “التوعية بشأن كيفية التعامل مع هذه الحيوانات مطلوبة”، ورأى بزيع أنه “يجب العمل عليها خصوصا في القرى والمناطق التي تتواجد فيها، بالاضافة الى تسليط الضوء على مدى تأثيرها وأهميتها في الحياة البرية، وأن قتلها يعرضها لخطر الانقراض الذي من شأنه أن يؤثر سلبا على التنوع الحيوي في الحياة البرية”.

إطلاقه في البرية

لم تتوانَ جمعية Green Area الدولية عن التوجه الى زبقين واستلام “الغرير” من المزارع الذي احتجزه، بحضور محمد أحمد بزيع الذي بذل جهدا يثنى عليه في اقناع المزارع بإعادة اطلاقه من خلال الجمعية.
وفي اليوم التالي تواصلنا رئيس “مركز التعرف على الحياة البرية” الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية – كلية العلوم البروفسور منير أبي سعيد، وقد زودنا بالمعلومات حول كيفية إطلاقه والتعامل معه، كونه حيوان بري يتطلب التعامل معه خبرة ودراية، فتوجهنا والناشط وسيم بزيع الى منطقة حرجية في جنوب لبنان غنية بالتنوع النباتي، وتكثر فيها التجاويف الطبيعية والينابيع، وقمنا بإطلاقه بعد عدة محاولات رفض خلالها مغادرة القفص بسبب الخوف، وكنا قد وفرنا له وجبة طعام ومياها، وقمنا كذلك بتوثيق عملية الاطلاق بشريط مصور.

 

IMG_6390
IMG_6391
IMG_6392
IMG_6393
IMG_6394
IMG_6396
IMG_6398

أبي سعيد: مهدد بالانقراض

وبحسب أبي سعيد، فإن “الغرير واحد من حيوانات برية كثيرة نعمل على منع انقراضها من أجل الحفاظ على التوازن الطبيعي والبيئي في لبنان”، ورأى أن “خسارة أي نوع من الحيوانات البرية تترتب عليه نتائج سلبية على الإنسان”.
ولفت إلى أن “الاسم العلمي لهذا الحيوان هو Badger والموجود منه في لبنان هو من نوع الغرير الأوروبي – الآسيوي”.
وأضاف أبو سعيد: “إن “الغــرير” يأكــل النـفايات ولا يلحق ضرراً بالمزروعات، باستثنــاء حقول الذرة، وإذا ما علمنا مدى الفوائد التي يحصل عليهــا المزارع من هذا الحيوان، فإن الأمر يستدعي إقامة ســياج لحماية حقول الذرة، وهي كفيلة بحــل هذه المشكلة، فيما بعض المزارعين يشتكــون من أن الغــرير يدخل الأراضي الزراعـية ويــقوم بحفــر التــراب، وهم يظنون أنه يخرب الأراضــي الزراعية، فيما الحقيقة هي أن الغرير يبحث وســط الخضار المزروعة عن (المالوش) وهو عبارة عن حشرة تضر بالمزروعات وتقضي أيضاً على الأشجار إذا تمكن من قضم أغصانها وجذورها، وهو إلى ذلك يأكل الأفاعي والسحليات”.
وأشار إلى أن “المخاطر التي تتهدد الغرير وقد تؤدي إلى انقراضه هي بالدرجة الأولى الصيد، الدهس بالسيارات ومــن ثم استــخدام المبـيدات التي تتسبب بموته مبـاشرة أو تؤثــر على إمكــانية الإنجاب لديه”، وأكد أن “الغرير بات وجوده نادراً وهو مهدد بالانقراض ومن هنا دعوتنا للحفاظ على هذا الحيوان”.

زبقين مثل ونموذج

وقال أبو سعيد: “إن الخطوة الأولى التي قمنا بإعدادها، هي التوعية من خلال المركز الذي يستقبل سنوياً آلاف الطلاب من المدارس من مختلف المناطق اللبنانية، خصوصاً وأن المركز ليس كما يظن البعض حديقة للحيوانات، وإنما هو مركز دائم للأبحاث ورعاية الحيوانات البرية والطيور، فالحيوانات في عرفنا ليست مادة للفرجة، بل هي تشكل حلقات أساسية على مستوى بيئتنا الطبيعية، واختفاء إحدى هذه الحلقات تترتب عليه نتائج تطال الإنسان على مستوى الزراعة والأمراض والكثير من مقومات حياتنا، فالكون يقوم على هذا التوازن وأصبح الإنسان يعي أهمية البيئة في تكاملها وتناغمها”.
وأردف: “في السابق، كنا نواجَه بسيل من الانتقادات لجهة طبيعة عملنا في المركز، وكان ثمة من يسخر من حرصنا على الحفاظ على الحيوانات البرية والطيور، لكن الآن بدأت تتغير النظرة حول عملنا البحثي والميداني وسط تشجيع كبير نلقاه من العديد من المواطنين وبعض المؤسسات، وقدمت زبقين مثلا ونموذجا، وهذا خير دليل على وعي المواطنين والمزارعين بأهمية التوازن البيئي”.
وأكد أبي سعيد أنه “بالنسبة إلى الغرير سنسعى في مرحلة لاحقة، وكما فعلنا بالنسبة للضبع والقنفذ وبعض الطيور، إلى إقامة أماكن أكثر في المركز لتكاثره وإعادته إلى حياته الطبيعية”.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This