فاديا جمعة

تحديات كبيرة واستحقاقات خطيرة تواجه دول العالم مجتمعة، فرضها تغير المناخ وقد بات القضية الأبرز كونيا منذ قمة الأرض في ريو دي جانيرو (البرازيل 1992)، فهذا الحدث المفصلي تابعته الأمم المتحدة بمؤتمرات كان آخرها مؤتمر مراكش (المغرب 2016)، وهي تسعى إلى مساعدة الحكومات على إعادة التفكير بالتنمية الاقتصادية، وإيجاد السبل الكفيلة لوقف تدمير الموارد الطبيعية وتلوث الكوكب، وجاء اتفاق باريس (2015) ثمرة تعاون دولي، فرض محددات واضحة تلزم الدول بالحد من انبعاثاتها والإيفاء بتعهداتها في هذا المجال، خصوصا لجهة التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة.

ولبنان ليس في منأى عن “معركة المناخ” التي يقودها العالم، وهي معركة تتسم بكثير من التعقيدات، خصوصا بعد إعلان الولايات المتحدة انسحابها من “اتفاقية باريس”، وقد بدأ الاستعدادات في أكثر من مجال للإيفاء بالتزاماته، بانتظار تلقي الدعم ومساهمة الدول الكبرى في دعم جهوده على غرار الدول التي لا تتحمل مسؤولية تاريخية في تفاقم ظاهرة الاحترار العالمي.

 

حوافز المصرف المركزي

 

ما يعد خطوة متقدمة في هذا المجال، يبقى متمثلا بحزمة الحوافز التي يوفرها مصرف لبنان، وبعض القروض الميسرة من صناديق ودول اجنبية، لتشجيع الانتقال الى الطاقة النظيفة، فضلا عن إطلاق مشروع المنصة المعرفية لقطاع الأعمال Business Knowledge Platform، الذي اطلق جلسات تدريب وتمكين بالتعاون مع خبراء دوليين، بهدف تعزيز ريادة القطاع الخاص، وتمكين الشركات من تصميم برامجها وتشجيعها على مشاركة تجاربها وتعريف المشاركين على المبادئ الاساسية للتغير المناخي، وكيف يمكن قياس الاثر البيئي وادارته، من خلال الدراسات والتمارين العملية، وقد شاركت في هذا المشروع مئة شركة شركة وجمعية.

لكن في المقلب الآخر نرى ان الانبعاثات تتزايد، لأسباب كثيرة بدءا من غياب النقل العام والحد من استخدام السيارات، إلى معامل الطاقة التي لا توفر الحد الادنى من الكهرباء لمجمل لبنان، ما ساهم في انتشار المولدات الكهربائية التي تزيد التلوث والانبعاثات، كما اننا شهدنا تلويثا اضافيا في ظل تفاقم ازمة النفايات، فيما لم نشهد عمليات تحريج وغرس اشجار بقدر ما شهدنا من حرائق وقطع اشجار وتدمير للمساحات الخضراء، مع نهش وقضم المرامل والكسارات لمساحات واسعة من الأحراج، وصولا الى تلويث البحر وردمه بالنفايات ومشاريع انشاء السدود وغيرها من المشاريع الملوثة التي تضعنا أمام عوائق كبير ليس في الحد من آثار تغير المناخ فحسب، وإنما في تعميم مبدأ الشفافية والمحاسبة والحد من انتشار الفساد.

 

ليبانون كلايمت آكت

 

وسط كل ذلك، جاء الحفل السنوي لمبادرة ليبانون كلايمت آكت Lebanon Climate Act، التي اطلقت مشروع المنصة المعرفية لقطاع الأعمال Business Knowledge Platform، في الجامعة اليسوعية في بيروت متسما بأهمية استثنائية، كونه يندرج في مسار عام عنوانه الحد من التبعات الخطيرة لتغير المناخ عالميا، ودور لبنان في مواكبة المساعي الدولية الرامية إلى الحد من ظاهرة الاحترار العالمي.

وقد أطلق الحفل برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ممثلاً بوزير البيئة طارق الخطيب، ومشاركة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان فيليب لازاريني، سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان كريستينا لاسن،  رئيس اتحاد غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير، رئيسة جمعيةGreen Mind  ندى زعرور، فضلا عن مشاركة المدير التنفيذي الأعلى في “تحالف رينو – نيسان”  كارلوس غصن عبر رسالة متلفزة، فيما حضر الحفل حشد من ممثلي القطاعيين الخاص والاهلي.

 

زعرور: متابعون لاتفاقية باريس

 

وفي هذا السياق، وصفت رئيسة “جمعيةGreen Mind “ ندى زعرور في حديث خاص لـgreenarea.me   المشروع بـ “الرائع نظرا للارتياح الذي أبداه الشركاء، بالتزامن مع النتائج الأولية التي تحققت، وهذا الامر يمنح المشروع ومدته ثلاث سنوات الاستدامة، فكل شركة حققت انجازات خلال سنة، وستتابع خلال السنوات المقبلة”.

وقالت زعرور: “بالنسبة لنا كمشروع Lebanon Climate Act، فإننا متابعون لاتفاقية باريس والتصديق عليها في المجلس النيابي لتصبح نافذة، ما نقوم به من المفترض ان تكون الحكومة شاكرة لنا فهو عملها، التزاما بالاتفاقية التي وقعت عليها، نحن نقوم بالعمل مع مختلف القطاعات التي التزمت بها الحكومة في تخفيض ما نسبته 15 بالمئة من الانبعاثات، في قطاعات الطاقة، النقل، النفايات والغابات لمساعدة الحكومة في متابعة التزاماتها حيال اتفاقية باريس”.

وبالنسبة لأزمة النفايات، أشارت زعرور إلى “اننا نعمل على ايجاد الحل المستدام، ونرفض ان تضعنا الحكومة امام خيار المحارق والمطامر والمكبات العشوائية”، لافتة إلى أن “الحكومة لديها التزاماتها في اتفاقية باريس وهي التزامات غير مشروطة بتدوير 25 بالمئة من نفاياتها حتى عام 2030″، وأضافت: “من هنا نحن نساهم في لامركزية القرار، ونقوم بمساعدة البلديات على الفرز من المصدر وتشجيع قطاع التدوير التزاما بما وقعت عليه الحكومة”.

أما بالنسبة لقطاع النقل، فأشارت زعرور إلى أن “الحكومة التزامت بتأمين نقل عام بنسبة 36 بالمئة، وهذا يعتبر من اوليات الحكومة قبل 2030”.

 

طاقة الرياح

 

وأردفت زعرور: بالنسبة لما شهدناه امس بخصوص طاقة الرياح، فهذا يعتبر انجازا بعد ست سنوات من الانتظار، وبعد قراءات كثيرة ومناقصات عديدة، يمكننا القول أن لبنان سيفي بالوعود التي قطعها ونتمنى أن يكون التنفيذ سريعا”.

وعن ظاهرة الفساد المستمرة، قالت زعرور: “هذه هي المعضلة الكبيرة ونحن نقوم بالاضاءة عليها ومكافحتها”، أما عن الغاء الرسوم الجمركية على منتجات قطاع الطاقة النظيفة، فقالت: “لم يحصل بعد، ولكن هناك ضرورة لتحفيز منتجات الطاقة البديلة والمتجددة وتخفيض الرسوم، ونحن نقوم بمتابعة هذا الموضوع من أجل تسويق أكبر لمستلزمات الطاقة المتجددة”.

وأشارت زعرور إلى “اننا كمراقبين في الشأن العام والملف البيئي خصوصا، نعتبر ان الفساد هو المعضلة الأهم والمشكلة المستفحلة في المؤسسات الرسمية، بالاضافة الى عدم الرقابة على القطاع الخاص، ونحن نحاول بقدر الامكان المتابعة والمراقبة والمحاسبة وازالة العقبات التي تعيق القضايا البيئية، ونأمل من خلال القانون الانتخابي والانتخابات النيابية ان يكون هناك محاسبة جدية لانه الموقع الوحيد والصحي لمحاربة الفساد”.

 

مشروع المنصة المعرفية لقطاع الأعمال

 

تجدر الإشارة إلى أن كلمات عدة ألقيت حلال إطلاق مشروع المنصة المعرفية لقطاع الأعمال، إذ رأى رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير ان “هذا الحدث  يبعث بالأمل بحياة أفضل للبنانيين”. واضاف: “نحن في غرفة بيروت وجبل لبنان، عقدنا العزمّ لنكون الى جانب جمعية Green Mind  لتحقيق اهدافها، وانجاح المشروع الذي تنفذه بالرغم من انه على ارض الواقع  نشهد تدهورا بيئيا كبيرا”.

ورأى لازاريني ان “التهديد المتزايد بتغير المناخ هو ما يميز هذا القرن”، ولفت الى “صغر حجم لبنان وتزايد عدد النازحين ومعاناة هذا البلد من قضايا قديمة العهد تتعلق باستدامة الموارد والوصول اليها”، وتوجه الى القطاع الخاص قائلا: “ان تكلفة عدم اعتماد اجراءات صديقة للمناخ هي اغلى بكثير من كلفة اعتمادها، ولقد استفادت الشركات الرائدة على مستوى العالم، التي تتخذ إجراءات مناخية جريئة.

وألقت لاسن كلمة قالت فيها ان “هناك خطوات كبيرة اتخذها الأتحاد الأوروبي في لبنان من اجل تعزيز الاقتصاد الأخضر، وتشجيع النمو، وخلق فرص العمل والقضاء على الفقر من خلال الاستثمار ومكافحة التغيير المناخي، وساهمت الأمم المتحدة في العديد منها من خلال مشاريع متعددة في الطاقة المستدامة وادارة التفايات والمياه، ولكن يمكننا القيام بالمزيد سويا، ولهذا نتعاون مع وزارة البيئة، وزارة الطاقة والمياه، وزارة الصناعة ومع العديد من اللبنانيين الذين يمثلون السلطات المحلية والقطاع الخاص، وكالات الأمم المتحدة وهيئات المجتمع المدني من اجل انجاز اهداف التنمية المستدامة مع اهتمام خاص بالطاقة المتجددة بمكافحة التغيير المناخي”.

 

سلامة: القروض البيئية المدعومة

 

أما حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، فأكد اعتزاز المصرف  بالشراكة معGreen Mind “لأننا نعتبر أن التغيير في الثقافة البيئية وطريقة العمل والتوعية في هذا المجال هو الجزء الأهم والأكبر من الجهد الرامي إلى مكافحة التلوث وتحسين بيئة عمل اللبنانيين، حفاظا على صحتهم وصحة أولادهم”.

ولفت سلامة أن “القروض المدعومة أو البرامج التحفيزية لمصرف لبنان تناهز سنويا المليار دولار، جزء منها يتعلق بالنشاطات الاقتصادية والبيئة. على سبيل المثال، أدخلنا على القطاع العقاري مبدأ التسليف المتعلق بحماية المباني من الناحية البيئية. وقد استفادت عدة مشاريع من هذه القروض البيئية، متى تضمنت المباني قيد الإنشاء مواصفات أساسية تساهم في الحفاظ على البيئة. وثمّة جامعات ومستشفيات استفادت أيضا من هذه القروض وأنشأت أبنية خضراء. يتزايد الطلب على القروض البيئية المدعومة من مصرف لبنان والتي بلغت اليوم نحو 600 مليون دولار”.

وكانت كلمة لزعرور شكرت فيها “جميع الذين ساهموا في مشروع المنصة المعرفية لقطاع الأعمال Business Knowledge Platform، الذي اطلق جلسات تدريب وتمكين بالتعاون مع خبراء دوليين، بهدف تعزيز ريادة القطاع الخاص”.

واضافت زعرور: “الشبكة وجدت ونحن هنا لتكريم أول مجموعة وضعت خطة عمل مناخية ذكية ، وتشكل كل شركة من الفائزين نموذجاً لقطاعها. كما نطلق أول دليل يحتوي على أدوات لمساعدة الشركات على تطوير وتنفيذ خطة عمل للمشاركة في الحد من تغير المناخ داخل نطاق الشركة وخارجها وعلى نطاق كل عمل. ويساعد هذا الدليل على الاستفادة من الفرص الناشئة والناتجة عن سياسات الحد من تغير المناخ”.

 

Pin It on Pinterest

Share This