مايا نادر

تشكّل النفايات الغذائية القسم الأكبر من تلك العضوية، التي تحتلً حوالى  50 في المائة  من حجم النفايات المنزلية. وأكّدت دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة”FAO” ، أن نحو ثلث الغذاء المُنتَج في العالم للإستهلاك البشري، سنوياً، أي ما يقارب 1.3 مليار طنّ، يُهدَر أو يُبدَّد كل عام. وتكاد البلدان الصناعية والنامية تبدَّد كميات الغذاء نفسها، أي بمقدار 670 و630 مليون طنّ، على التوالي.

هدر الطعام لا يتعلّق فقط برفع نسبة النفايات الغذائيّة، بل يزيد من أعداد الجائعين في العالم أجمع. وبالتالي، فإن الخسائر الإقتصاديّة والنفايات الغذائية، تُعدّ أيضاً، هدراً رئيسياً للموارد، بما في ذلك المياه، الأراضي، الطاقة، الأيدي العاملة ورأس المال. فضلاً عن توليد عوادم لا داعي لها، من الغازات المساهمة في الإحتباس الحراري، مما يُفاقِم في تغيُّر المناخ.

ربطاً بين العمل الإنساني، الإجتماعي والتنموي، يجمع “بنك الغذاء اللبناني” Lebanese bank food بين محاربة الجوع، من جهة وخدمة البيئة، من جهة أخرى.

وبالإستناد إلى الأرقام، إنطلق العمل في عام 2012 متسلّحاً بإحصاءات تضرّ المجتمع، الأفراد والبيئة معاً.

26,8 في المائة كانت نسبة اللبنانيين الذين يعيشون على مستوى خط الفقر، في عام 2008. ومع إرتفاع نسبة النزوح السوري، فضلاً عن تردّي الوضع الإقتصادي، إرتفعت النسبة عام 2016 إلى 37,5 في المائة، منها 400 ألف يعيشون تحت خط الفقر.

في المقابل، تشير أرقام الـ FAO إلى هدر يطال 45 في المائة من الفاكهة، 70 في المائة من الحبوب و13 في المائة من اللحوم، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتُعادِل كمّية الغذاء التي تُفقَد أو تُهدَر، أكثر من نصف محصول الحبوب المنتج سنوياً في العالم.

وبينما تُميِّز الدراسة بين خسارة الغذاء والنفايات الغذائية، تُعدَّ خسائر الغذاء في مراحل الإنتاج، الحصاد وما بعد الحصاد والمعالَجة، أكثر أهميةً بالنسبة للبلدان النامية، نظراً إلى عدم كفاية البُنىَ التحتية في معظم الأحيان؛ وانخفاض المستويات التقنية وكَم الإستثمارات في نُظم إنتاج الأغذية.

أما النفايات الغذائية، فتمثِّل مشكلةً أكثر من غيرها، في حالة البلدان الصناعية، إذ غالباً ما يُلقي، كلا البائعين والمستهلكين، مواد غذائية صالحة كليّاً للتناول، في سلة المهملات، لسببٍ أو لآخر.

وبينما يبلغ مجموع إنتاج أغذية الإستهلاك البشري لكل فرد، نحو 900 كيلوغرام سنوياً، لدى البلدان الثرية. أي ما يكاد يعادل ضعف كمية 460 كيلوغرام للفرد، في أفقر مناطق العالم. فإن 40 في المائة من الخسائر لدى البلدان النامية، تقع خلال مراحل ما بعد الحصاد والمعالجة اللاحقة للإنتاج. في حين تقع هذه الخسائر بمقدارٍ يفوق 40 في المائة، لدى البلدان الصناعية، في مراحل التسويق بالمفَرد والاستهلاك.

المديرة التنفيذيّة في “بنك الغذاء اللبناني” سهى زعيتر، تنطلق من الأرقام المذكورة، لتؤكّد أن خدمة البيئة من أولويات أهداف “البنك”، تماشياً مع رسالته الإجتماعية والإنسانية الكبرى، الملخّصة بنشر الوعي، على أساس أن “رمي الطعام حرام”. وأن من الضروري محاربة الجوع.

ساهم “البنك” في تفادي تلف حوالى 200 ألف وجبة غذائية، فهو بالتعاون مع فنادق، مطاعم، شركات متعددة ومع وزارة الشؤون الإجتماعية، تمكّن من توزيع 11 ألف وجبة غذائية عام 2016، من الأعراس التي تعاونت معهم فقط.

تقول زعيتر: “أكثر الوجبات الموزّعة طالت بيروت وضواحيها والمتن. وبالنسبة إلى الأكل المطبوخ فقط، يقدّم “البنك” معدّل 760 وجبة غذائية في اليوم الواحد. إضافة إلى الخبز، المعجّنات، الأكل البارد، الخضار والفاكهة”.

توسّع إطار التعاون منذ بدء العمل، ليطال المزارعين وبعض التجار وأصحاب السوبرماركت، فأزمة تصريف التفاح اللبناني عام 2016، أتت لمصلحة “البنك” أيضاً، إذ أن بعض أصحاب الأراضي، دعوا فريق العمل لقطف ما أمكنهم من المنتوج، لتوزيعه على المحتاجين. وهو الأمر الذي أكدت زعيتر حدوثه، مستفيدين من فائض التفاح لتحضير “الكومبوت”، المربّى والعصير.

تتحدّث زعيتر في هذا المجال، عن تعاون بين “البنك” وبعض مصدّري الخضار والفاكهة إلى الخارج، الذين يساهمون أيضاً، في تقديم كل الأنواع التي لا تتطابق مع مواصفات التصدير إلى البلد المستورد، لخدمة الفقراء والجوعى.

تقاعس الوزارات في عملها، صبّ في خدمة عمل “البنك”، فوكلاء البضاعة المستوردة، الذين يُجبرون على إتلاف السلع التي إقترب تاريخ إنتهاء صلاحيتها، يحتّم عليهم القانون إنتظار معاينة كل من الوزرارت الثلاث: البيئة، الصحة والمال، للكشف على البضاعة وتأكيد ضرورة تلفها، لاستعادة التجار نسبة 10 في المائة من قيمة الضريبة المفروضة على الإستيراد.

في هذا الإطار، تقول زعيتر: “يأخذ هذا الأمر ما لا يقلّ عن سنتين من الوقت. وبالتالي، فإن التجار يملّون الإنتظار. وبدل إتلاف البضاعة، يتبرّعون بها قبل فترة إنتهاء صلاحيتها، شرط إستهلاكها ضمن الفترة المحددة، لضمان سلامة المستهلكين. فيتم توزيعها على دور الأيتام ومآوي العجزة، بسرعة كبيرة للإستفادة منها”.

أمثلة كثيرة مشابهة، يعالجها “بنك الغذاء اللبناني”، على امتداد الوطن، بالتعاون مع وزارة الشؤون الإجتماعية وجمعيّات كثيرة، لحماية أكبر نسبة ممكنة من الأغذية من التلف؛ وإطعام أكبر عدد ممكن من الجوعى؛ والتخفيف قدر المستطاع، من النفايات الغذائية المضرة بالبيئة.

صرخة هذا “البنك” ليست الأولى، لا محلياً ولا عالمياً. وبينما استطاعت بعض الدول، كفرنسا، على سبيل المثال، إقرار قانون يلزم مخازن بيع المواد الغذائية و”السوبرماركت”، على إعطاء المواد الغذائية، الصالحة للإستهلاك وغير المباعة، للفقراء والمحتاجين والمشردين. ويضغط “بنك الغذاء اللبناني” لإصدار قوانين مشابهة، خدمة للإنسان والبيئة معاً.

معالجة هذا الموضوع، ليست جديدة، لكن التركيز، على أهميته البيئية، أمر جديد، لأن الطابع الإنساني، في النهاية، يغلب على أية نواحي أخرى، مهما كانت إيجابية.

في هذا الإطار، يعبّر مستشار موقع  GREENAREA  الدكتور ناجي قديح، عن ترحيبه بتلك الفكرة، موجّهاً التحية والشكر لأصحاب هذه المبادرة، العظيمة بأبعادها الإنسانية، الإقتصادية، الإجتماعية والبيئية أيضاً، لأنها تتوافق مع عدد كبير من أهداف التنمية المستدامة، التي شملتها أجندة 2030 للأمم المتحدة.

ويرى أن الدوافع الإنسانية والإقتصادية والإجتماعية، إذا كانت على درجة عالية من الوضوح، فإن الأثر البيئي الإيجابي لهذه المبادرة يستحق الإضاءة الإضافية. كما “أن المنحى الحديث لوضع إستراتيجيات التنمية المستدامة، في مجال البيئة، لا سيما في مجالي التلوث والنفايات، يتجلّى في العمل على إستئصال أسباب التلوث من مصادره. وكذلك، التخفيف من تولد النفايات، مع أخذ دورة عمر المنتجات بعين الاعتبار، أي منذ مرحلة الإستخراج مروراً بمرحلة الإنتاج والإستعمال والتخلص. وهذا يتلخص بإعادة نظر إستراتيجية في مسألتي الإنتاج (Production) والإستهلاك Consumption)).

في مجال الإنتاج، يشير قديح إلى أن هناك حاجة لوضع تصاميم لمنتجات قابلة للتدوير وإعادة الإستعمال، سهل التخلص منها، من دون التسبب بتلويث خطير للبيئة وتهديد للصحة البشرية بمخاطر السموم.

أما في مجال الإستهلاك، فيشير إلى الحاجة لوضع سلوكيات إستهلاكية جديدة، تساعد على التخفيف من هدر الموارد (المنتجات الغذائية) والتخفيف من تولد النفايات، التي تواجه إدارتها السليمة بيئياً والآمنة صحياً والمعقولة الكلفة، تحديات كبيرة في سياق السلوكيات الإستهلاكية التقليدية المطلوب تغييرها.

في النهاية، يؤكّد قديح “أن هذه المبادرة، التي نأمل لها أن تتحول إلى تشريعات ملزمة لكل مكونات المجتمع وقطاعاته الاقتصادية، تأتي متناسقة تماماً، مع التغيير المطلوب في السلوكيات الإستهلاكية في مجال الغذاء، من خلال تحقيق هدفين بجهد واحد، حفظ الموارد وحماية البيئة والصحة العامة، عبر تخفيف كميات النفايات العضوية وحماية البيئة من آثارها السلبية”.

 

 

 

كل البارد، الخضار والفاكهة.

 

 

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This