أكثر الإنجازات التي حققها الإنسان في سيرورة حياته وتطور أنماطها، بدأت بحلم، وتبلورت فكرةً لامست صميم احتياجاته فحولها لاحقا، بإصراره وعزيمته الى واقع، فماذا لو كانت الفكرة تمثل حلا لمعظم مشاكلنا الحياتية؟

إنها فكرة ثورية لو عممت وتم تنفيذها وتطويرها وتعميمها لن تفيدنا في ما نواجه من موجات حر غير معهودة وظواهر مناخية متطرفة فحسب، بل قد تساهم بشكل كبير في إنقاذ الأرض وهي تئن تحت وطأة تغير المناخ وتفاقم ظاهرة الاحترار العالمي، وما يرافقهما من نتائج تطاول الانسان وتبقيه رازحا تحت عبء الأمراض التي تتكاثر يوما بعد يوم.

في ما نشهد من تطور دراماتيكي على مستوى المناخ والصحة، بدأنا نتوق للعودة الى الطبيعة، إلى حياة أجدادنا، إلا أن متطلبات الحياة أصبحت أكبر، لكن تخيل لو كنت تعيش في منزل يغنيك عن تكاليف الخدمات الأساسية التي تثقل كاهلك وتستنزفك للأبد، تأكل مما تزرع فتضمن جودة ونوعية وسلامة غذائك، تولد الطاقة بنفسك وتستغني عن فاتورة المولد والاشتراك الرسمي، وتبعد عنك مصادر التلوث الذي يقتلك، تخيل لو أنك تستفيد من مصدر متجدد للمياه تستهلك جميع الموارد بشكل أقل وبطريقة لا تؤثر على حياتك في أي بقعة من بقاع الأرض.

هذا المنزل الثائر على التمدن الملوث هو حتما يلبي كل احتياجات سكانه المتناسبة مع هذا العصر ومع احتياجات اللبناني خصوصا في ظل أزمات المياه والكهرباء والنفايات.

 

أول نموذج في لبنان

 

سينفذ أول نموذج لمنزل ذات اكتفاء ذاتي في بسكنتا (قضاء المتن) The lifehaus project ، وسيكون الأول من نوعه في لبنان والشرق الأوسط، فبحسب مهندس المشروع وصاحب الفكرة المهندس نزار حداد “يمكننا استخدام الموارد من حولنا في بنائه، ويمكن أن تكون هذه الموارد طبيعية المتوفرة في موقع البناء من التربة والصخر والقش والنفايات التي نراها ذهبا ان تم اعادة تدويرها، ويمكننا ايضا توفير الراحة الحرارية من خلال تقنية تخزين الطاقة الموسمية (PAHS)، وتخزين الامطار واعادة استعمالها بالاضافة الى اكتفاء ذاتي نباتا”.

وقال: “لاحظنا تجاوبا كبيرا من الشباب فور عرضنا فكرة المشروع عبر وسائل التواصل الإجتماعي، ما يؤكد على حاجة الشباب وتطلعاتهم لهكذا بيت، أو ملاذ مريح يوفر احتياجاتهم، وإن تطلب بعض التكاليف عند التنفيذ، ولكنهم سيستفيدون أكثر بكثير لاحقا”، وأشار إلى أن “الفكرة منذ البدء يجب ان تكون بمتناول الجميع لأنها حق كل انسان”.

وأضاف حداد: “اقتبسنا فكرتنا من تقنية استعملت في سبعينيات القرن الماضي بهدف الاستغناء عن النفط في تبريد وتدفئة البيوت بواسطة مواد صديقة للبيئة، كما يمكننا استخدام الموارد من حولنا في بنائه”.

وبحسب بول بارودي الشريك في المشروع، فإن “هذا المنزل يهتم بنفسه إنه آلة حيوية مستمرة فتحول كافة استعمالاتك لمصدر منتج في مكان آخر”، وقال: “زرنا اندونيسيا وتطوعنا في بناء منزل مشابه في فترة ثلاثين يوما”، ويضيف بارودي “ان بناء هكذا منزل يستنفذ وقتك ومالك، لكنه بالنتيجة مفيد ومستدام، وسنثبت من خلال تنفيذه انه باستطاعتنا العيش في منزل فاخر قائم على اعادة التدوير وعلى مواد طبيعية بالكامل”.

 

المشروع من النواحي التقنية

 

نادين مظلوم وهي شريكة في هذا المشروع، قالت لـ greenarea.me: “في العام 2014 ولدت فكرة مشروع بناء بيت مستدام The lifehaus project حين رأى المهندس نزار حداد فيها حلا كاملا ومتكالما لمختلف الأزمات التي نعيشها في بلدنا، ومع تطور الفكرة انضممت أنا وبول بارودي الى حداد لنصبح فريق عمل من ثلاثة أشخاص نعمل سويا على التنفيذ، إيمانا منا وليقيننا ان التلويث يبدأ من بيوتنا من استعمال الاسمنت الى التجهيزات التي تستنفد الطاقة من المازوت والتدفئة والتبريد والكهرباء، وهذا السبب الذي دفعنا نحو تبني الفكرة وتطويرها للحد من التلويث الحاصل”.

وأضافت مظلوم: “مع بدء تفاقم أزمة النفايات في العام 2015 بدأنا كفريق بالعمل التطوعي المجاني والجدي على تنفيذ هذه الفكرة، ودراسة امكانية تنفيذ المشروع من النواحي التقنية (الارض – الرخص – الدراسات – انواع اللوائح الكهرومغناطيسية وغيرها)، وكان لا بد من الاعتماد في بناء البيت على المواد الأولية التي تنتج عن الحفر في الأرض التي سيتم البناء عليها، من الأتربة بالاضافة الى المواد التي تحتاج اعادة تدويرها مثل اعمدة الكهرباء والهواتف والاطارات المطاطية، فعوضا عن اشعالها وحرقها درسنا امكانية رص الأتربة بداخلها، ووجدنا ان هذه العملية تجعل الاطارات متماسكة كالصخور، مقاومة لنشاط الهزات الأرضية والعوامل الطبيعية مما يؤمن الحماية لسكان هذا المنزل”.

 

المفهوم التشاركي والتطوعي

 

وأردفت: “لإعادة التدوير في هذا المنزل حصة كبيرة، فأسلوب الحياة فيه سيعتمد على اعادة التدوير، وإنتاج الكهرباء من خلال الالواح الشمسية، وجمع مياه الشتاء للاستعمال اليومي، ومن بعدها يشترط على سكان هذا المنزل الالتزام بقواعد معينة منها فرز النفايات واعادة تدويرها، لن تهدر مياه الاستعمال اليومي ايضا ستستعمل لاحقا بعد جمعها لري أحواض زراعية (Botanical cells)، شرط ألا تدخل المواد الكيميائية في الاستعمال اليومي للمياه، كما ان  الصرف الصحي سوف يجمع في خزانات معينة تفصل فيها المواد السائلة عن الصلبة وتستعمل بعد تكريرها لري الاشجار، كما اننا عملنا على ان يكون نظام البيت الأخضر (greenhouse system) معتمدا على على الزراعة النباتية الحيوانية Aquaponics والزراعة المائية Hydroponics التي تستهلك اقل قمية من المياه في اقل مساحة مزروعة لإنتاج أكبر كمية ممكنة من المحاصيل الزراعية”.

وبحسب مظلوم “قام الشريكان حداد وباروي بإجراء تجربة هذا البيت مع المهندس الأميركي مايكل راينولذز الذي ابتكر فكرة “ايرث شيب” Earthships في اميركا، وقد طورناها في مشروعنا بحيث اننا لم نستعمل الاسمنت، بل استعضنا عنه بالطين والمواد المعاد تدويرها، والتجربة التي اجراها كل من حداد وبارودي معه هي بناء منزل في 30 يوما، والجدير بالذكر ان بناء هذه المنازل يعتمد على المفهوم التشاركي والتطوعي، فكلما زاد عدد المتطوعين في البناء فيمكن إنجازه في مدة اقل، وسيتعلم هذه التقنية اكبر عدد من المتطوعين، مما يسهل ايضا عملية نشر فكرة بناء البيوت المستدامة وتعميمها بشكل اكبر”.

وأشارت مظلوم إلى أنه “بعد الحصول على الرخص وتأمين الأرض سنبدأ في التنفيذ خلال الشهر القادم”، لافتة إلى أن “جود داعمين لمشروعنا سيساعدنا حتما وهذا ما نأمله وان لم يتم دعمنا سنعمل بما نستطيع ان نوفره من جيبنا الخاص”.

 

19848991_688105888057141_115764115_n

https://www.indiegogo.com/projects/lifehaus-project-a-fully-self-sustainable-home-architecture-happiness#/

Pin It on Pinterest

Share This