حسن مقلد

يتبارى المسؤولون اللبنانيون علناً بالحديث عن استفادة لبنان من إعادة إعمار سوريا وعن تحول بلاد الأرز الى “منصة” لإعمار البلد الشقيق.

ويزايد هؤلاء على بعضهم في الصالونات المغلقة في الحديث عن خشبة الخلاص الاقتصادية التي ستؤمنها هذه الورشة المنتظرة للاقتصاد اللبناني المريض، ناهيك عن الآمال العراض المعقودة عن الاستفادة الشخصية من الانخراط الممكن في الصفقات والمشاريع.

ولا يختلف مسؤولان اثنان عن حتمية الاستفادة اللبنانية، كأنها معطى او مسلمة لا تتطلب اي جهد او مبادرة او تحرك، وربما تذكر بـ “الاقفال” الذي مورس ضد الأموال السورية في بداية الأزمة، بحجة انتفاء البدائل، فكانت النتيجة هروب الأموال الى تركيا ودبي والأردن والعراق ومصر.. وحصة لبنان لا تكاد تذكر.

رئيس الحكومة لا يكلّ او يملّ وهو يتحدث عن دور لبنان الأساسي في إعمار سوريا. وهو ومن يتبعه من وزراء يصرون على إغلاق كل أبواب التعاون البديهي مع سوريا اليوم، ويزايدون على أعتى المواقف في رفض تطبيق الاتفاقات، وحتى القوانين الناظمة لهذه العلاقة بين البلدين، بحجة عدم اضفاء “شرعية” على الحكومة السورية، كأنما هذه الحكومة التي تعترف بها الامم المتحدة، وفشل بقتالها نصف الكون منذ ستة أعوام، تحتاج اعترافاً من فريق محلي. او كأنّ التنسيق هو مصلحة سورية فقط، وليس حاجة وضرورة ومصلحة لبنانية في المصاف الاول، و “منصة” إلزامية ومعبر حتمي للمشاركة في إعمار سوريا!

مسألة النازحين اختلفت جذرياً بعد توفر عاملين اثنين في سياق الحرب في سوريا:

١) وجود مناطق آمنة وواسعة سواء لدى الدولة السورية او لدى الأطراف المسلحة التي تكاد اليوم تُحصر بداعش والنصرة، مما يعني توفر ملاذ أمن لكل الأطراف ممن ينتمي الى الجهات المتقاتلة، أم للمحايد.

٢) وجود صيغة المصالحات. اي أنّ الدولة السورية تقيم اليوم مصالحات مع من حمل السلاح بوجهها، فكيف مع من كان نازحاً ولم يشارك عملانياً في الحرب منذ سنوات؟ هذا الأمر ينفي كل المخاوف عن عدم استعداد الدولة للحديث مع شعبها بل فقط زجهم في السجون.

إنّ توفّر المناطق الآمنة والمصالحات يدفع الى تغيير جوهري في مقاربة مسألة النزوح وعلاجه، بالتنسيق مع الدولة السورية، والخروج من وهم استغلال هذا الوجود كورقة تحتاجها بعض الدول، ولا سيما الخليجية منها، كما تحتاجها بعض الأطراف الداخلية لتبرّر استمرار دورها لدى الأطراف الخليجية او غيرها.

تحوّلات كبرى حصلت وتحصل اليوم على أرض سوريا، وليس أقلّها سرعة وأحجام الاراضي المستعادة لكنف الدولة من جهة، كما إعادة فتح طريق بغداد – دمشق من جهة أخرى، وهو يعني طريق طهران – بيروت، اي طريق محور المقاومة.

هذه التحولات، مع تسارع المصالحات والمبادرات، وتسارع تدفّق الوفود لورشة إعمار سوريا، يقابله كلام لبناني كثير وإحجام رسمي صارخ عن القيام بأدنى التحركات، ولو لحفظ موقع، بلغة المصلحة. علماً أنّ لبنان، ممثلاً بمقاومته، كان له دور مقدَّر في الحفاظ على سوريا ووحدتها يؤهّله فعلاً ليلعب دوراً مستحقاً في هذا المجال.

اليوم، التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي منه، كما الكهربائي وعلى مستوى الاتصالات، صار ضرورة ومصلحة لبنانية قبل ان يكون مصلحة سورية، وهو في منظار اليوم قبل الغد.. ولكن هل من يبادر حتى لا تضيع فرصة جديدة ؟!

Pin It on Pinterest

Share This