داني الامين

منذ عشرات السنين, والباطون المسلّح يغزو قرانا وبلداتنا, وتهمل الأبنية القديمة, ذات النمط العمراني الشرقي القديم. فأغلب البيوت القديمة هدّمت وتناثرت حجارتها, وسرق بعضها أحياناً كثيرة. والباقي منها تم تعديله بإضافة الباطون المسلّح عليه, بشكل أفقده روعته وأناقته الخاصة.
والمشكلة الأكبر أن هذا الإهمال, وهذه الاعتداءات المتكررة على التراث الجنوبي طال القلاع القديمة, والآثارات المنتشرة في القرى والبلدات الجنوبية. فتجد بعضها مهملاً وبعضها الآخر يسرق أو يهدم أو تحيط به الكسارات والنفايات. كقلعة ديركيفا وقلعة “دوبيه” في بلدة شقرا”. وكأنه يراد لهذا الجبل العاملي أن يخلع ثوب الأصالة والتراث والعلم, ليرتدي ثوباً جديداً مطعماً برياح الغرب وفوضى الشرق”.
في ظل هذه “الكارثة”, هناك من يعمل على إعادة تلك الأصالة, حالماً بالعودة الى ذكرياته القديمة وذكريات آبائه وأجداده. فالعودة الى العمران القديم, المبني من حجارة الأرض وطينها بعيداً من الباطون والحديد أصبح حلماً عند البعض بعد أن كان نمطاً معتاداً وجميلاً. فهناك العشرات من الشباب الحالم يقومون ببناء منازلهم من الحجارة الطبيعية فقط, محاولين أن لا يدخلوا عليها ما يزعج ذكرياتهم القديمة, ما جعل من أبنيتهم هذه نمطاً جديداً لافتاً, وكأنه غير مألوف بين الأبنية الحديثة المتراكمة يميناً وشمالاً. فقد عمد أحد أبناء بلدة قبريخا الى إعادة بناء “مطحنة الرمانة” في وادي الحجير، من حجارة المطحنة نفسها، كذلك بدا بناء أحد المنتزهات الجديدة في محمية الحجير. أما محمود ترمس فقد بنى منزلين الأول في بلدته طلوسة، والثاني في محمية الحجير نفسها. يقول ترمس ” فكرة بناء منزل على الطراز القديم, هدفها إشباع رغبتي وحنيني الى منزل جدي الذي ترعرعت فيه, فالضيعة عندي تعني كل شيء قديم وجميل, وليس تلك الأبنية الحديثة التي سلخت عن الضيعة طابعها الريفي, فالمنازل الفخمة التي تدار أبوابها على ال”ريمونت كونترول” يبشّع الضيعة ولا يجمّلها”.
ويشير الى أن منزله الجديد رغم كلفته المتواضعة نسبياً أصبح مزاراً للناس وعاملاً محمّساً لهم لإعادة النمط القديم الى بيوتهم. هو ” قصد إدخال كل ما خطر على باله من الأدوات التي كانت تستعمل سابقاً لكي يصبح البناء متكاملاً مع أدواته القديمة”, ويذكر أن هذه الأدوات القديمة من آلات زراعية وأسلحة وأواني، ” قمت بجمعها من حوالي 12 سنة, فكلما وجدت شيئاً منها قد أستغنى عنه أصحابه أقوم بالاحتفاظ به”.
أما منزل الدكتور عبدالله سليمان في “حولا” فقد أخذ شهرةً واسعة, حيث أن شكل المنزل الجديد القديم لافت جداً كونه من الحجر الطبيعي من الداخل والخارج, مستخدماً في بنائه النمط الهندسي القديم. ففكرة بناء المنزل تعود الى ذكريات سليمان القديمة, حيث بيت أهله وأجداده. اذ أن “الحنين إلى الماضي مرتبط بحضارتنا وتراثنا الخاص, فيجب أن تكون منازلنا تحمل إسمنا وتراثنا وخصوصيتنا. فلكل منزل رمزيته الخاصة ومن يريد زيارة منزل معين يجب أن يتحسس نمط صاحبه وخصوصيته”. وأهم ما في الأمر عند سليمان هو عدم تقليد الآخرين في البناء ففي ذلك نوع من “الأنانية الذاتية”. ويشير سليمان الى أنه أدخل على بناء منزله تلك العقود العمرانية القديمة, فالبنّاء الذي شيّد هذا المنزل هو من مدينة حلب السورية, لأن بناء الأقواس والعقود يحتاج الى دقة وحرفة غير عادية, وهذا ما نفتقده اليوم في الجنوب اللبناني. ويتابع سليمان أن هذا النمط العمراني يتلاءم مع مناخنا وبيئتنا, فالأمطار والثلوج لا تؤذي سقف هذا المنزل المنحنية, كذلك أن هذا البناء يعزل الحرارة الخارجية الباردة والحارّة. واللطيف أيضاً في هذا البناء هو عدم وجود أعمدة الباطون والحديد, فهو مرتكز على الحجارة الصلبة والقوية التي تسمّى بـ “الكلّين”. وهو لم يدخل الى منزله ما هو معتاد من الأبواب والشبابيك الحديدية أو غيرها, بل اعتمد على الخشب الطبيعي في ذلك. ولن يضع باباً لمدخل الضيوف, اذ أنه من العادات القديمة أن لا يغلق الباب في وجه الضيوف بعد دخولهم لاعطاء نوعا من الشفافية داخل المنزل أمام الضيف. البنّائون الذين يقومون ببناء هذا النوع من المنازل الجديدة في المنطقة هم من الجنسية السورية، ويقول أحدهم ويدعى “عزّو” أن “أهمية هذه الأبنية تأتي على المدى البعيد لناحية صلابتها وعدم تأثرها بالعوامل الطبيعية وبالتالي لا تحتاج الى إعادة ترميم أو تعديل, فهي من الحجر الصخري في الداخل والخارج فلا تحتاج الى الدهن ولا تتأثر بالبرودة أو بالحرارة, إضافة الى تصميمه الذي يأخذ الطابع العاملي الشرقي البحت”. ويشير الى “أنها لا تؤذي البيئة لأن معظمها من حجارة الأرض الطبيعية”. وفي بلدة شقراء (بنت جبيل) منزل للدكتور يوسف كريم, بات محطّ أنظار الزائرين, يظهر الذوق الكبير لصاحبه. واللاّفت فيه أن الديكور الداخلي المشيد على الطراز القديم هو من الخشب الطبيعي وهو من صنع صاحب الدار, الذي حرص على أن يكون العمل ذاتياً يبرز الطابع الريفي القديم والأدوات التي كانت تستخدم سابقاً.
وفي بلدة عيترون لحسين عباس شهرة خاصة، تنطلق من عشقه للأدوات القديمة وأسلحة الصيد القديمة المتنوعة، إضافة الى اقتنائه لعدد كبير من الأحجار المختلفة الأشكال، والتي يعود تاريخ بعضها الى ملايين السنين، كما يقول، كونها من الأصداف والحلزونيات المحجرة. بدأ عباس بهوايته هذه منذ ما بعد التحرير، ” فبعد التحرير أصبحت أستطيع ممارسة هواياتي بشكل حر، دون خوف من أي اعتداء”، يقول حسين عباس، ويتابع “أصبح لدي أكثر من عشرين سلاح صيد من الأسلحة المختلفة والمتنوعة وجميعها مرخص، والتي بعضها لم يعد له وجود الأن، وبعضها الآخر حديث ومتطور جداً ويستخدم أحياناً في أعمال الحراسة وغيرها، من بينها بارودة “براونينغ”, التي يعود تارخها إلى العام 1948 وتزيد قيمتها عن الخمسة آلاف دولار أميركي”. ولم يكتف عباس بجمع أسلحة الصيد، فهو يجمع كل ما يجده جميل ويشبع عشقه، فقد استطاع الحصول على سيف قديم من أصل فرنسي، يعود تاريخه الى العام 1822، إضافة الى تزيين منزله بالحيوانات المختلفة المحنطة، من بينها حيوان “الكودو” من فصيلة بقر الوحش، وحيوان “أوديكس” أحد أنواع الغزلان. وفي مدخل المنزل جمع عباس بعض معاصر الزيتون القديمة وجاروشات القمح ونير الحراثة. ووضع بالقرب منها حجارته الصغيرة المنتقاة من أكثر من مكان، وقد اطلع على تاريخ الحجارة وأشكالها، وأنواعها، حتى أصبح خبيراً يستطيع أن يحدد مدتها الزمنية. أما أسلحة الصيد، فقد حصل على كتب خاصة بها، يذكر فيها أهمية كل سلاح ونوعه وتاريخه وسعره، وقد استعان بهذه الكتب للتعرف على جميع أسلحة الصيد، ومن ثم العمل على شرائها، رغم أنه موظف يدخر ما يستطيع ادخاره، لاشباع ذاته وذوقه الخاص. حاجة بعض أهالي الجنوب الى العودة الى التراث، يوازيها إهمال بعضهم للكثير من المنازل القديمة التي تم الاستغناء عنها، وأهملت وتركت للعابرين والسارقين أحياناً. يضاف الى ذلك ما فعلته اسرائيل في عدوانها الأخيرة، الذي طاول الأبنية التراثية في أغلب القرى الجنوبية، سيما بنت جبيل وعيتا الشعب وتبنين وبرعشيت وشقرا وغيرها. فقد هدمت جميع منازل بنت جبيل القديمة وكذلك عيتا وتبنين، ولم يتم العمل على إعادة بنائها على ما كانت عليه، فقد استبدل الحجر الطبيعي بالباطون المسلّح.

IMG_5720
IMG_5722
IMG_5723

Pin It on Pinterest

Share This