فادي نصار

درس أرسطو نظام الحياة داخل مملكة النحل، قبل الميلاد بثلاثة قرون. ومنذ ذلك التاريخ، ثابر علماء على دراسة النحل، الى أن تمكن فريقٌ منهم من اكتشاف نظام النوم والأحلام عنده.
وتشير الدراسات العلمية التي أجراها هؤلاء العلماء، إلى أن النحل أثناء نومه، يختزن معلومات في الذاكرة الطويلة الأمد، بالطريقة نفسها التي لدى البشر. وأن حياة النحل ومهمته، لا تقتصر على جني رحيق الأزهار والنبات و تخزينه في أقراص الشمع، بل إنه يخلد للنوم، مثله مثل البشر. وينام معظم النحل، من خمس إلى ثماني ساعات يومياً. ويقول العلماء بأن لدى النحل ساعة بيولوجية، كتلك التي عند الانسان، تحدّد كم ساعة يتطلب جسم النحلة من الراحة. وأن النحلات العاملات، تخلد إلى الراحة ليلًا، لتتابع عملها مع كل شروقٍ للشمس.
ولكن، لماذا يقضي النحل ثلث يومه نائماً وماذا يستفيد من النوم؟
إن أول من اكتشف أن النحل ينام، هو العالم والتر كايسر Walter Kaiser، الذي قام وفريقه، بمراقبة خلية نحل لمدة تزيد عن عام، فوجد كيف أن النحلة عندما تنام، تبدأ بثني أرجلها، ثم تحني رأسها نحو الأرض. وأن قرون الاستشعار لديها، تتوقف حينها عن الحركة، بشكل كلي. وأحياناً، تبدأ بالتمايل يميناً ويساراً، فتبدو شبه سكرى. وأثناء النوم، غالباً ما تمسك النحلات أرجل بعضها بعضاً.
وأجرى العلماء تجارب عديدة على النحل، لاكتشاف تأثير النوم فيه. ومن بين تلك التجارب، واحدةً عمدوا فيها إلى إبقاء النحل العامل والمحارب، مستيقظًا طوال الليل، فكانت النتيجة سيئة للغاية، حيث فقدت النحلات القدرة على التواصل فيما بينها، بشكل شبه تام. واتّسم أداء النحلات، التي كانت تعاني من النعاس، بالتشويش وعدم التركيز، بدلًا من تأدية رقصاتها الاهتزازية، للتواصل مع غيرها من النحل، كما هو معتاد. وهذا الأمر انعكس على المملكة بأكملها، فقد اتسمت حينها الحياة داخل الخلية، بالفوضى التامة.
كما وجدت عاملات النحل، التي لم تنعم بالنوم، صعوبة في العودة إلى الخلية، بعد قيامها بالرعي في الحقول، فهي لم تستطع أن تتخذ من المعالم المحيطة ومن السماء، بوصلةً لها.
وعليه، استنتج العلماء أن النحل، خصوصاً العاملات، إن لم تنل قسطًا جيداً من النوم، فإنها تنسى الأنشطة التي تقوم بها، بصورة تلقائية.
وبيّن العالم راندولف مينزل، من جامعة برلين، في دراسة نشرها عام 2015، تفسيراً لسلوك النحل الذي لم ينم قط. حيث اجتهد العلماء منذ عام 1983، لمعرفة ما إذا كان النوم العميق، عند النحل، يقوم بما يقوم به عند الإنسان، بتثبيت المعلومات وتحويلها من الذاكرة القصيرة الأمد، إلى الذاكرة الطويلة الأمد. فقام العلماء بتجربة ما جربه بافلوف على الكلب، كي يتمكنوا من اختبار مدى جودة تحويل المعلومات من الذاكرة القصيرة الأمد، إلى الذاكرة الطويلة الأمد.
بدايةً، كان عليهم أن يُعلّموا النحل شيئاً جديداً، فقالوا إن سلوك النحل لايتغير أبداً، عندما يتناول الطعام، لكن بوجود مؤثرات خارجية (رائحة معينة، أوالقيام برفع درجة الحرارة) يمكن حثّ النحل على الاستجابة للمثير. لكنهم وجدوا أن النحل تكيّف مع ظروف معينة، أسرع من تكيّف كلب بافلوف. وأن النحل يتعلم بسرعة ويستجيب بإخراج خرطومه، دون حاجة الى مكافأة. كما أن لديه القدرة على ربط الرائحة والحرارة بالطعام، بعد تجربة واحدة أو تجربتين على الأكثر.
بعد التجربة، سُمح للنحلات بالنوم طوال الليل، داخل أنابيب بلاستيكية. وأثناء النوم، عرض الفريق على النحل العنصران المثيران، اللذين ارتبطا بالغذاء في ذهن النحل (الرائحة وارتفاع درجة الحرارة)، خلال مراحل النوم المختلفة، لتحفيز أي نشاط يحدث داخل الدماغ.
وعندما استيقظ النحل، اكتشف العلماء أنه بينما كان لا يحرك جسده نهائياً، أثناء النوم العميق، كانت أدمغته نشطة، إذ استعادت تلك الأدمغة، الأنشطة التي مارسها النحل في اليوم السابق. وعملت على تثبيت الذكريات القصيرة الأمد وحولتها إلى ذكريات دائمة، يمكن استرجاعها في اليوم التالي، بل وربما في وقت لاحق في المستقبل.
وكشفت التجارب، أن الأحلام قد تحدث عند النحل، أثناء النوم العميق ذي الموجات البطيئة.
ويقول العلماء، إنه طالما يتذكرالإنسان، عند الاستيقاظ، أحلامه البسيطة وأشياء متفرقة تخلو من التعقيد، مثل منزل، أو ملامح إنسان، أوحيوان معيّن، فأن أحلام النحل أبسط بكثير، فهو سيتذكر أشياء مثل رائحة خاصة، أو لون الزهور.
النحلة وعلى الرغم من أنها تعطينا العسل، أحد أشكال الغذاء الكامل، كما أنها من أنشط أصدقاء البيئة، مجتهدةً في عملها، إلاّ أن الإنسان يهددها بالانقراض، نتيجة الاستخدام المستمر والكثيف للمبيدات الحشرية. ربما يرانا النحل في أحلامه، كائنات مرعبة قاتلة ومتوحشة. من يدري؟

Pin It on Pinterest

Share This