مايا نادر   

“التصحّر” ظاهرة قديمة جداً، لم تكن يوماً مصدر خطرعلى المجتمعات، بفضل توفّر التوازن البيئي الطبيعي، لكن الخلل الذي لحق بهذا التوازن، بسبب سوء إستخدام الموارد، من جهة؛ وضعف السياسات الوقائية من جهة أخرى، أعاد ترتيب تلك الظاهرة في أوّل هرم المشاكل البيئية المهددة للحياة البشرية.

في الآونة الأخيرة، خصوصاً خلال فترة ما بعد الثمانينيات، بدأت ظاهرة التصحر بالتفاقم، فتعاظمت آثارها السلبية بشكل كبير، بسبب الزيادة السكانية، النقص في الموارد الأولية والتوسّع العمراني على حساب الأراضي الزراعية.

وفي مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية عام١٩٩٢، تم تعريف التصحّر بأنّه “تردّي الأراضي في المناطق الجافة وشبه الجافة وشبه الرطبة القاحلة، بسبب عوامل عديدة أهمها التقلّبات المناخية والنشاطات البشرية”.

غالبيّة الدول العربية تسجّل في خانة المناطق الصحراوية، أو المعرّضة للتصحّر. ولا يختلف تصنيف لبنان عن جيرانه، حتى لو اختلفت الأسباب، فطريقه إلى التصحّر باتت أسهل، في حين أصبحت سبل الوقاية أصعب.

أسباب تدهور الغطاء الأخضر عديدة، أوّلها، غياب المخطط التوجيهي الكامل والشامل، لاستعمالات الأراضي المتعددة. ثانيها، إستمرار الرعي الجائر والقطع العشوائي للأشجار، فضلاً عن ارتفاع أعداد المقالع، في مختلف المناطق اللبنانية.  أما الحرائق غير المقصودة أو المفتعلة، فهي تهدّد باندثار الثروة الحرجية والقضاء على التوازن الطبيعي؛ وتتسبب بزحف صحراوي، يزيد من  مساحة الأراضي الجرداء، خصوصاً مع غياب الآليات الجديّة لمكافحتها. ومن الأسباب الإضافية، ضعف تخطيط النمو العمراني ومشاريع الطرق الجديدة، التي تساهم في استمرار التعديات على المساحات الخضراء الطبيعية، التي نهشتها أمراض الغابات الجديدة.

عام 1998 أعدت منظمة الأمم المتحدة، بالتعاون مع 18 خبيراً في لبنان، دراسة حذّرت فيها من مخاطر التصحّر. ومن إرتفاع درجات الحرارة وتداعياتها السلبية على الزراعة .

الأسباب الطبيعية المتمثلة بتداعيات التغيّر المناخي، أمر لا حول ولا قوة لمحاربته، لكنّ رسم السياسات الرادعة لتدهور تلك الأوضاع، أمر يمكن التعويل عليه لتحسين الواقع بشكل كبير.

في حديث مع greenarea، تشير الدكتورة فيفي كلاب إلى أننا “حذّرنا من التصحّر منذ العام 1998، عقب دراسات عدة أجريت، جاءت نتيجتها بأن التصحّر سيصيب لبنان عام 2080. وفي مناطق حدّدتها خرائط عُرضت في حينه، على أن يأخذ المعنيون القضية على محمل الجدّ، فيتّخذون التدابير المناسبة لتحاشي ترجمة تلك النتائج على أرض الواقع”.

أما أبرز المناطق المعرّضة، فهي بحسب المنظمة: عكّار، البقاع وخصوصاً الشمالي منه، المناطق الجبلية العالية التي تعاني انحسار الأحراج بسبب: الحرائق، القطع، الرعي الجائر، المقالع والكسارات، سوء إدارة الأراضي الزراعية والنزوح والهجرة، الجنـوب والنبطية، حيث سوء إدارة المياه وأساليب الري الخاطئة، حرائـق الأحراج والاستغلال المكـثّف للنباتات البرية للإستعمال التجاري، إضافة إلى المناطق الساحلية، بسبب الضغط السكـاني، انتشار نفايات المنشآت الصناعيـة والإستغلال العشوائي لمصادر المياه.

بالإشارة إلى تلك الدراسة، تتأسّف كلاب على أن التصحّر بدأ يطال المناطق المذكورة، بشكل كبير، رغم تساقط الأمطار بشكل مستمرّ. إلا ان غزارة المتساقطات، اقتصرت على أيام محددة، دون أن تسمح للأراضي بتخزين كميات كافية منها. وتتطرّق في هذا المجال، إلى غياب الآبار الجوفيّة والتوجّه نحو السدود المائيّة، التي لا يمكنها أن تساهم بالحل في الشكل الذي تفعله الآبار.

لا تقتصر ظاهرة التصحّر على تأثّر الغطاء الحرجي فقط، بل تسجّل خسائر كبيرة للقطاع الزراعي، تنعكس على تغيّرات ديمغرافية جمّة.

وتشير كلاًب إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، يغيّر من طبيعة الأرض ويجبر المزارع على تغيير أنواع الزراعات، من جهة، أو الإنتقال إلى مكان مرتفع، فضلاً عن إستعمال مبيدات كيميائية. الأمر الذي يرتّب كلفة عالية، تجعل من منتجاته غير قابلة للمنافسة في الأسواق، فتكون النتيجة بأن يهجر أرضه ويحوّل أنظاره نحو المدن للبحث عن لقمة عيشه، خصوصاً في ظل غياب أيّ دعم رسمي من الوزراة.

وزير الزراعة غازي زعيتر، خلال مشاركته في اليوم العالمي لمكافحة التصحّر في “الإسكوا”، ترجم هذا الواقع بإشارته في كلمته  إلى أن “عدم توافر توجّه سياسي، داعم ومستمر، للقطاع الزراعي عامةً ومكافحة التصحّر خاصةً، انعكس سلباً على الموارد المالية المخصصة للقطاع الزراعي. وبالتالي، على الموازنة السنوية المخصصة لوزارة الزراعة، التي لا تتعدّى 0.5 في المائة من مجموع الموازنة العامة”.

وأشار زعيتر، إلى أن الوزراة مدركة لهذه التحديات. ورغم الإمكانات الضئيلة وعد بالاعتماد على دعم الجهات الدولية، بوضع وتنفيذ الخطة الوطنية لمكافحة التصحّر. والسعي من خلال برنامج الأربعين مليون شجرة، لوقف تدهور الأراضي وجعل لبنان أكثر قدرة على التكيف، أو حتى على تخفيف آثار التصحّر.

واقع الغابات اليوم وبوادر التصحّر التي باتت تظهر تباعاً، تثبّت الدراسات، التي أطلقت في العام 1998؛ ووزير الزراعة في العام 2017، تماماً كنظرائه السابقين، وعد بإيجاد حلول للأزمة، فهل نقول له كما قلنا سابقاً لغيره “عالوعد يا كمون” ونتحسّر على لبنان الأخضر، لتبقى أغنية السيدة فيروز مجرّد ذكرى؟

 

Pin It on Pinterest

Share This