د. ناجي قديح

للمرة الثالثة نتناول هذا الموضوع، ما يدل على تقصير فاضح من قبل وزارة الخارجية اللبنانية، التي يتوجب عليها إيداع قانون إبرام اتفاقية “ميناماتا” بشأن الزئبق لدى مكتب الشؤون القانونية في المقر الرئيس للأمم المتحدة في نيويورك Office of Legal Affairs at the UN headquarters in New York ، وذلك في مهلة أقصاها 23 حزيران (يونيو) 2017. هذا القانون الذي يحمل رقم 2، والذي أقره المجلس النيابي يوم 3 شباط (فبراير) 2017، ونشر في الجريدة الرسمية يوم 9 شباط (فبراير) حيث أصبح نافذا.
لم تقم وزارة الخارجية اللبنانية بهذا الأمر حتى هذه اللحظة، وهذا تقصير كبير وفاضح، حيث أنها بسبب هذا التقصير تؤخر إنفاذ قانون إبرام لبنان للإتفاقية دون أي مسوغ. وهي تقوم بذلك ودون أي ردة فعل من أي كان على مستوى الحكومة والسلطة السياسية. يمكننا اعتبار تناولنا المتكرر لهذا الموضوع إعلاميا هو رد الفعل الوحيد على مستوى كل البلد حيال هذا التقصير.
حكاية لبنان مع إبرام هذه الإتفاقية غريبة فعلا، ولا تشبه حكاية أي دولة أخرى، لا متقدمة ولا نامية. ففي حين أخذ العديد من دول العالم وقته لإبرام الإتفاقية، حيث قامت دول كثيرة بدراسات واسعة تتعلق بتأثيرات مصادقتها على الإتفاقية على مختلف قطاعات الإقتصاد الوطني، ومدى كلفتها وانعكاساتها على العديد من القطاعات، وخصوصا قطاع الإنتاج والإستيراد، حيث تتضمن بنود الإتفاقية إلتزامات بوقف إنتاج واستيراد وتصدير واستعمال عدد مهم من المنتجات، التي تحتوي على الزئبق. وقد حاولنا، كممثلين عن المجتمع المدني، متابعين للمفاوضات الدولية بشأن الإتفاقية وببنودها والتزاماتها، القيام ببعض الأنشطة على مدى أعوام 2013 و2014 و2015 لتعريف بعض القطاعات المعنية باتفاقية “ميناماتا” ومضمونها والتزاماتها، مثل قطاع مؤسسات الرعاية الطبية من مستشفيات وعيادات، وكذلك قطاع طب الأسنان، وقمنا بلقاءات مع النقابة، ونظمنا كذلك أياما وطنية للتعريف بالإتفاقية وبالتزاماتها، وكذلك أيضا، حاولنا تنظيم لقاءات مع بعض الوزرات المعنية، وكان همنا أن نحيط قطاع المستوردين علما أن العام 2020 هو الموعد الذي حددته الإتفاقية لمنع إنتاج واستعمال وتصدير واستيراد بعض المنتجات المحتوية على الزئبق، مثل موازين الحرارة، وبعض أنواع المصابيح الموفرة للطاقة، وبعض أنواع البطاريات، وغيرها من المنتجات والأجهزة التي تحتوي على الزئبق، بغاية أن يتحضروا لتنفيذ هذه الإلتزامات، وأن لا تتفاجأ قطاعات واسعة بها دون تحضير أو استعداد.
كان المانع الوحيد لتوقيع لبنان على الإتفاقية وإبرامها في الوقت المناسب، بعد التوافق على نصها في مؤتمر دبلوماسي عقد شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2013 في “ميناماتا” في اليابان، هو كون الحكومة اللبنانية في حالة تصريف أعمال، ولبنان دون رئيس للجمهورية. أي كانت المعوقات تتعلق بالوضع الداخلي اللبناني. ولم تقم الوزارات المعنية بأي درس واسع معمق لآثار الإتفاقية على الإقتصاد، لا على المستوردين ولا على المستهلكين، ولا بذلت جهدا لتحضير القطاعات المتوقع تأثرها بها.
وبعد انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة جديدة، بادرت الوزارة المعنية بإحالة مشروع قانون الإبرام إلى المجلس النيابي، حيث أقر في جلسة 3 شباط (فبراير) 2017.
تمر الأيام والأسابيع، والشهور، ولم تقم بعد وزارة الخارجية بإيداع هذا الإبرام حيث يجب في الأمم المتحدة، كي تكتمل إجراءات هذا الإبرام ويصبح لبنان طرفا في الإتفاقية. وهذا التأخير هو عكس المسار الذي اتبع في معظم بلدان العالم، إذ أن التريث بالمصادقة على الإتفاقية تفرضه ضرورات درس تأثيراتها، وتكييف التشريعات الوطنية مع التزاماتها، واحتساب الفوائد والأضرار من الإنضمام إليها. ولكن فور صدور “آلة” الإبرام، وهي مختلفة من بلد إلى آخر، ولكنها تكون قانونا مقرا في مجلس النواب في معظم الحالات، يتم إيداعها مكتب الشؤون القانونية للأمم المتحدة فورا ودون إبطاء.
لبنان أقر قانون إبرامها فور انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، ولم يقم بأي دراسة كما فعلت بلدان كثيرة، بل نراه اليوم، عبر تقصير وزارة الخارجية، يؤخر دون أي طائل أو فائدة، إستكمال إجراءات انضمام لبنان.
كنا نتابع يوما بعد يوم عدد الدول التي أبرمتها، وكان لبنان ليأخذ الرقم 37 بين الدول التي صادقت عليها حتى الآن، فيما لو تم الإيداع في اليوم التالي لنفاذ قانون الإبرام. وعدد الدول اليوم وصل إلى 44 دولة.
بلغتنا بعد ظهر اليوم معلومات أكيدة عن مصادر موثوقة في المفوضية الأوروبية، أن 7 دول أوروبية سوف تودع أدوات إبرامها للإتفاقية مكتب الشؤون القانونية في الأمم المتحدة في نيويورك هذا اليوم، بحيث يصبح عدد الدول المصادقة 51 دولة، اليوم في 18 أيار (مايو) 2017.
وهذا يعني، وفق المادة 31 من اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، التي تنص على دخول الإتفاقية حيز التنفيذ 90 يوما بعد تاريخ إيداع الدولة رقم 50 أداة إبرامها لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وهذا يعني أن الإتفاقية سوف تدخل حيز التنفيذ يوم 16 آب (أوغسطس) القادم.
يمكن لوزارة الخارجية اللبنانية أن تطمئن لسباتها، إذ لم يعد لحركتها أي تأثير بعد اليوم.

Pin It on Pinterest

Share This