فادي نصار

تكاد إحدى قرى طرطوس أن تكون منظومة متكاملة تقوم على العيش في الهواء النقي والآتي من البحر مباشرة، وفي بيوت أحياء عنوان شوارعها وساحاتها هو النظافة واستقرار اجتماعي نادر جداً، فلم يسبق أن ورد اسم هذه القرية في أي من المحاكم السورية قاطبةً، ذلك لأنهم يحلون مشاكلهم الادارية القليلة بل والنادرة جداً، بأنفسهم.

يعمل أهالي قرية رأس الكتان على استثمار الموارد الطبيعية المتوفرة لديهم، دون الحاق الضرر بالوسط البيئية المحيط، بشكلٍ يحافظ على هذه الموارد لأجيالٍ واجيالٍ لاحقة، فهم من حيث لا يدرون يعملون بمفهوم الاستدامة، وذلك باستغلالهم بشكل سليم لكل  عناصر البيئة من ماء، هواء وتربة، بل يستعملون أيضاً كل المخلفات المنزلية والحيوانية.

ومن حيث لا يدرون يتبعون ما يسميه خبراء التغذية “حمية البحر المتوسط”، فسكان القرية الذين يبلغ عددهم حوالي 650 نسمة، يعتمدون في غذائهم على المنتجات الحيوانية والنباتية التي تنتجها الطبيعة، كالحليب ومشتقاته، البيض البلدي، زيت الزيتون والزيتون، والفواكه المجففة والحبوب، وقد يعود الى هذا النظام الغذائي وجود أكثر من عشرين شخصاً معمراً في القرية تتخطى أعمارهم المئة عام.

يفتخر الفلاحون كما الاطباء والقضاة في البلدة بانهم اصدقاء البيئة، وان بيوتهم عبارة عن جنات صغيرة تنمو فيها أشجار مثمرة من الرمان، اللوز والخوخ الى التوت، العنب والتين وصولاً الى الحمضيات بانواعها، وعلاوةً على ذلك فهم يعتبرون انفسهم ورثة شجرة الزيتون الكريمة كما يسمونها.

وحول سر هذه الصداقة الازلية بين اهالي هذه القرية الطرطوسية الوادعة والطبيعة الساحرة، قال علي برهوم لـ greenarea.me: “كل القرى المجاورة لنا جميلة، سواء كانت قرية بملكي أم قرية بحنين أو ضهر مطر أو سلسلة قرى نهر الخوابي الجميلة، كلها تتمتع بطبيعة خلابة، إلا أن قريتنا تتميز بأنها صديقة منذ الأزل للطبيعة، فقد علمنا الأجداد أن الأشجار مقدسة، وأن كل ما في الطبيعة من طيور وغيرها هم أقراننا يساهمون مثلنا في استمرارية الحياة، ففي قريتنا لا يمكنك أن تجد من يشجع الصيد، على العكس فهم يحاربون صيد أي نوع من الأنواع البرية، نأكل مما نزرع، كل خضرواتنا نسمدها بسماد طبيعي 100 بالمئة، كما أن بيوت القرية مليئة بالأشجار المثمرة، ونحن ننظف بلدتنا بانفسنا، كل في حيه وأمام منزله، ولا يوجد في القرية حانوت واحد يبيع التبغ او مشتقاته،كما أن عادة التدخين منبوذة لدينا”.

وأضاف برهوم أنه طوال عمره يشرب من الينابيع، هو وكل أهالي البلدة، يستخدمون الأغصان الزائدة عن عملية التهذيب “التقليم” التي يقومون بها لبساتينهم، حيث يمنع منعاً باتاً قطع اية شجرة مهما كان نوعها.

كما التقى greenarea.me محمد محمد الذي أشار الى أن “بعض الأفراد من الجيل الشاب نتيجة ذهابهم الى الجامعات واختلاطهم بأناس من بيئات أخرى يدخنون أحياناً”، ويضيف “من الآباء والأجداد مستحيل أن تجد شخصا واحدا مدخنا، لا بل جميعهم ينبذ كل من يدخن وكل اشكال التدخين سواء الناركيلة أم السجائر”.

القرية التي تبعد مسافة 16 كلم عن مدينة طرطوس، والتي تسمى إدارياً بـــ”قرية رأس الكتان الصحية” تزهو هذه الأيام بزهر الرمان، وخضرة السنديان الداكنة، بدوالي العنب التي تغازل أشعة الشمس صباح مساء، ويطرب زائريها لأصوات الحساسين والشحارير المعششة في غابتها العتيقة الضخمة، شوارع “رأس الكتان” تحمل صفة واحدة ألا وهي “النظافة”، فيما يتباهى اهلها بلطفهم وكرمهم… تحية الى أصدقاء الحياة، حراس الطبيعة الأم أهالي قرية “رأس الكتان”.

 

الناشر: الشركة اللبنانية للاعلام والدراسات.
رئيس التحرير: حسن مقلد


استشاريون:
لبنان : د.زينب مقلد نور الدين، د. ناجي قديح
سوريا : د.أكرم سليمان خوري
مصر : أحمد الدروبي
مدير التحرير: بسام القنطار

مدير اداري: ريان مقلد
العنوان : بيروت - بدارو - سامي الصلح - بناية الصنوبرة - ص.ب.: 6517/113 | تلفاكس: 01392444 - 01392555 – 01381664 | email: info@greenarea.me

Pin It on Pinterest

Share This