د. زينب مقلد

اني أمثل جمعية بيئية أسميناها “نداء الارض” وهو تعبير رمزي يهدف الى تذكيرنا بأن الارض أمانة في اعناقنا وعلينا حمايتها، لا حباً بها فقط، بل حبا بأنفسنا أيضاً. فعلى هذه الارض ولدنا وفيها عشنا وتمتعنا بخيراتها، وهي التي ستحتضن أجسادنا بعد الممات.
تأسست جمعية “نداء الارض” في صيف 1995 في بلدة من بلدات محافظة النبطية من الجنوب اللبناني اسمها عربصاليم. كانت الحاجة الى تأسيسها ملّحة، فالبلدة معدومة فيها النظافة والحد الادنى من الخدمات الصحية، تتراكم فيها النفايات بشكل مفزع فيعمد السكان الى حرقها فتتصاعد أبخرة البلاستيك وأكياس النايلون ويصبح الجو خانقاً لا يطاق، ولذلك أسباب عديدة نلخصها كالآتي:
-غياب البلدية، فالبلدية غير موجودة، وشؤون البلدة موكل أمرها الى المحافظ، كل ما تبقى من البلدية السابقة كاتبها وسيارة لنقل النفايات قديمة متهالكة يشتغل عليها سائق حسب هواه، تجمع النفايات يوماً ويتركها مكدسة اسابيع بل شهورا، اذ لا رقيب ولا حسيب والحجة في ذلك ان السيارة معطلة.
-ان البلدة واقعة عملياً تحت الاحتلال الاسرائيلي المتمترس في التلال المحيطة بالبلدة، ومنها الجبل الرفيع وموقع السويداء الاستراتيجي، والمسؤولون يتجنبون زيارتها، فقد قصفها العدو الاسرائيلي، وأصاب اثنين من تلامذة مدرستها كما أصيب المدير، وقد زارها السفير الفرنسي وصرّح بأن فرنسا لن تسمح بعد الآن باستهداف الطلاب في مدارسهم، ولم يزرها مسؤول حكومي واحد بمن فيهم محافظ النبطية.
البلدة سائبة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، ولهذا كان على الغيورين من أبناء البلدة ان يبحثوا عن حل، والخطوة الاولى في البحث عن الحلول تمثلت بزيارة وفد من نساء البلدة الغيورات على المصلحة العامة والمتألمات لسوء الحال سعادة محافظ النبطية. وكانت زيارة أعقبتها أخرى دون جدوى، فالنظافة في عربصاليم ليست من أولويات المحافظ وعنده مشاغل كثيرة. صممت هذه المجموعة من نساء البلدة وفتياتها على تغيير الحال فكانت تجرب فرز النفايات المنزلية الصلبة من “المصدر” والتي كانت جديدة وغريبة وبعيدة عن تطلعات الناس وحساباتهم.
مضت الايام، واحد وعشرون عاماً، وبدل ان نتقدم كما تقدم العالم كله، في مسألة معالجة النفايات والاستفادة منها، فلا نزال في لبنان نراوح مكاننا ووضعنا يزداد سوءاً، فأين الحلّ؟
خلال هذه السنوات ترسخت لدينا قناعة بأن لا حل لتراكم النفايات الّا في فرزها من المصدر، هي الخطوة الاولى التي تليها خطوات ورحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الاولى كما يقال، لأن النفايات اذا ما اختلطت فلا سبيل الى فصلها، ولهذا فالمعالجة تبدأ من البيت وبتوجيه ورعاية من سيدة البيت. نفايات الأكل أو العضوية cinagrO على حدة والنفايات الصلبة ediloS من الجهة الاخرى. ودور المرأة هام جداً في هذا المجال، فالنفايات تخرج اساساً من البيت وهي القادرة على تصنيفها ودرء خطرها لأنها سيدة البيت. فإذا ما خرجت النفايات مصنفة من البيت، فالمعامل تتلقاها وتدفع اثماناً لها، وبدل أن تكون عبئاً تصبح مغنماً. ولكن كيف السبيل الى تحقيق ذلك؟ عن طريق التوعية، اجتماعات، لقاءات، مؤتمرات، الحديث عن البيئة في دور العبادة، وعلى وسائل الاعلام، زيارات بيتية مباشرة، ادخال البيئة كمادة اساسية في المناهج المدرسية. يضاف الى ذلك تطبيق مبدأ الثواب والعقاب، ولكم من القصاص حياة يا أولي الألباب، وعلى الدولة ايضاً ان تعيد تربية المجتمع المدني الذي أفسدته سنوات الحروب العجاف، وتفعيل دوره عن طريق التربية المدنية واقناع الناس بأن هذا الوطن هو لجميع ابنائه، وان المحافظة عليه ثروة يغتني بها الجميع.
بعد الفرز من المصدر الذي يعتبر الخطوة الاولى التي يجب ان تتبعها خطوات، ومنها ان الدولة يجب ان تضع سياسة عامة لمعالجة النفايات وعدم تركها لجمعية هنا وشركة ومعمل هناك، لان الافراد ومهما بلغوا من الحماس والاخلاص ليس لهم التاثير الكائن للدولة، الدولة تستطيع ان تعاقب وان تفرض الغرامات وتضع في السجون كل متطاول على البيئة او مستهتر بالشأن العام وهذا ما لا تستطيعه الجمعيات.
تفعيل دور البلديات ودعمها بالمال ومراقبتها، البلدية هي دولة صغيرة. وبما ان ديوان المحاسبة والقضاء والتفتيش المركزي لهم ادوار في محاسبة الدولة، فكذلك يجب محاسبة البلديات المهملة والتابعة والتي يهمها الولاء لمن اتى بها لا الولاء للبلدة التي يجب ان ترعاها.
يجب ابعاد تفصيل القوانين التي وضعت للمحافظة على البيئة والنظافة وهي قوانين جيدة، ولكن بفعل تطور القرى إلى مدن والفوضى التي اعقبتها وتطاول الناس على القانون، غابت الدولة عن اداء واجباتها. اما بالنسبة للمصانع التي تعمل في اعادة التدوير فعددها قليل، لا يتناسب مع حجم النفايات الصلبة المتداولة وهي بمعظمها موجودة في العاصمة او ضواحيها، وتكون نفقات النقل احياتا معادلة لثمن المفروزات او متجاوزة لها، وهذا ما يشكل عبئا ماديا مرهقا على الجمعيات التي تهتم بفرز النفايات.
على الدولة ان تؤسس هي مصانع ولا بأس ان تتعاون مع القطاع الخاص ان اعوزها المال، وهي بذلك تربح، وتربح المجتمع لان من النفايات على انواعها ثروة نكسبها ان احسنا التعامل معها، ونقصم ظهر الدولة ان ظلت خاضعة للفوضى وللمحسوبية والصفقات المشبوهة كما هو حاصل الآن.

Pin It on Pinterest

Share This