سوزان أبو سعيد ضو

حضروا من كافة المناطق، حاملين همومهم وما ينتظرهم من معاناة قد تطاول لقمة عيشهم ومصير أبنائهم، حضروا يحركهم الوجع، والوجع لا دين له ولا مذهب ولا طائفة، ولا انتماءات عقائدية وسياسية، هو تحرك الناس البسطاء الفقراء والمعوزين، هو تحرك الشباب الرافض لسياسة التجويع، وفرض ضرائب مجحفة بحق الشرائح الاجتماعية الأكثر عوزا في ظل واقع اقتصادي مأزوم، يفترض التصويب على مزاريب الهدر وقوى الفساد، ومن يتحكمون بمصير الناس، ومن يستغلون مواقعهم ويسخرونها لزيادة ثرواتهم.

ودائما الأهداف الكبير ثمة من ينقض عليها، محاولا تشويهها، وتفريغ أي مطلب وتحرك من مضمونه الحقيقي، أحيانا عبر طابور خامس، وأحيانا أخرى عبر مندسين يفتعلون إشكالات بالقصد والعمد، لكن الرسالة وصلت رغم ما شاب التحرك من ثغرات، إعدادا وتنظيما.

توجه اللبنانيون من كافة المناطق إلى ساحة رياض الصلح، للإعتصام رفضا للضرائب الجائرة التي ينوي المسؤولون إقرارها، خصوصا وأنها تطاول شريحة واسعة من المواطنين من ذوي الدخل المحدود، ورفضا للهدر والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وفي هذا السياق شارك فريق greenarea.me لمتابعة آراء المواطنين حول مشاركتهم، وقد توافدوا من كل المناطق، ومن جهات سياسية مختلفة، رافعين العلم اللبناني، وغابت الأعلام الحزبية، وسط انتشار كثيف للقوى الأمنية وحضور وسائل الإعلام المختلفة، واعتلى البعض تمثال رياض الصلح ووضعوا العلم اللبناني بــ “يده”، وكان اللافت حضور الرئيس سعد الحريري حوالي الساعة الثانية والنصف للقاء المتظاهرين بعد عودته من المختارة، مؤكدا نيته إنهاء الهدر ووقف الفساد وأنه سيكمل المسيرة معهم، وغادر الحريري سيرا على الأقدام متجها للسراي الحكومي، بعد أن قوبل بهتافات معادية للطاقم السياسي بأكمله، وبادر بعض المندسين بين المتظاهرين والملثمين بهدف البلبلة، بإلقاء قوارير بلاستيكية باتجاهه، وغرد الحريري مساء على موقع التواصل الإجتماعي “تويتر” ودعا منظمي التظاهرة الى تشكيل لجنة ترفع مطالبهم لمناقشتها بروح إيجابية، وعاد بتغريدة أخرى شكر فيها “الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي على سلوكهم الحضاري في حماية المتظاهرين أثناء ممارسة حقهم”.

في الساحة

تجولت كاميرا greenarea.me في ساحة رياض الصلح لتلتقط بعض الصور وترصد آراء المواطنين، وكان اللافت للانتباه أن العديد منهم أتوا مع أطفالهم ومن جميع الأعمار، وإن كان العنصر الشبابي لافتا، كما أحضر البعض كلابهم، ورفع أحدهم لافتة كتب عليها “عيشة كلاب عايشين”، وإن أكد بعض الأشخاص من حوله أن الكلاب يعيشون “عيشة أفضل”!

من جهة أخرى، رفعت سيدات من Women Uprising لافتات يمكن اعتبارها “بيئية” جاء في إحداها “لنفرز السلسلة، ما تدوّر الضرائب، صفّر الهدر”، وفي لافتة أخرى حملت العبارة الآتية “عن الفرز ما تتخلّوا، بس عن جيبتنا حِلّوا”، وتفنن البعض في التعبير عن رأيه فعلى جانب الطريق التقينا محمود حرب وهو خريج graphic design لم يجد عملا منذ سنوات، وقد دهن وجهه باللون الأبيض وشفتيه باللون الأسود وبمربعات سوداء على خديه، ولبس قميصا كتب عليه “ارحمونا”، وأكد أنه يشارك في كل الإعتصامات بهذا الوجه، وعندما سألناه عن السبب قال “الأسود يكبر في وجهي وهو عبارة عن التلوث والنفايات، وإن استمر الوضع على ما هو عليه فسأدهن وجهي كله بالأسود”.

ومن جهة أخرى، كان متابع كل الإعتصامات ميلاد بو ملهب على سطح “فان” ويحمل ميكروفونا ويرسل عبره رسائل عن أحوال البلاد مطالبا الجمهور بترديد كلماته، وأبو ملهب أتى هذه المرة مرتديا ثيابا غريبة مصنوعة من علم لبناني وعصا معلق عليها جرس، ويشتهر بو ملهب بثيابه الغريبة، وعلى الأقل أتى مرتديا ملابسه ليس كما كان في العام 2014 بثيابه الداخلية، ما أدى إلى توقيفه، لخدشه الحياء العام.

وكانت مواقف عدد من المواطنين الذين التقيناهم تطالب الحكومة والمسؤولين: “حقوق الشعب فوق مصالح الحكام #بدنا وطن”، “لن ندفع ضريبة فسادكم”، “صرخة الفقير، صار عليها ضريبة “TVA”، “لا للضرائب، لم نعد نحمل (نتحمل)”،  “كفى… لا للتمديد، لا للضرائب، لا لقانون الايجارات التهجيري”، “يا أيها الذئاب، إرفعوا أنيابكم عنا”، ولم تخلُ اللافتات من عتب على المتقاعسين “وراء كل حكومة فاسدة، شعب نايم”، “يا شعب   Facebook العظيم أين أنت؟”، كما هدد البعض بمحاسبة المسؤولين في الإنتخابات المقبلة “بالإنتخابات مثلونا وما تمثلوا علينا”، “حّلنا نعرف حقيقة قوتنا”، “Tax them out”، “نراهن أننا نحكم أفضل” I Bet We Rule Better، وغيرها من اللافتات، فضلا عن الهتافات والأغاني الوطنية، وردد البعض أناشيد وأغان للتعبير عن ضيق حال المواطنين، اتسمت بالدرامية حينا والسخرية في أحيان أخرى.

ورصدت كاميرا greenarea.me الفنان الملتزم خالد الهبر، وأعضاء من “بدنا نحاسب”، “طلعت ريحتكم”، “حراك الجبل”، “حراك المتن”، “هيئة المبادرة المدنية – عين دارة”، جمعية الأرض والعديد من مؤسسات المجتمع المدني، وقوى سياسية وأحزاب عدة.

ولم تخلُ الساحة من الجمعيات اللاحكومية البيئية، ومنها جمعية Recycle Lebanon، ووضعت حاويتين من الكرتون وداخلهما أكياس من القماش، ووزعت على متطوعين أكياسا أخرى، بهدف تنظيف الساحة من بقايا الزجاجات الفارغة واللافتات والنفايات التي غالبا ما يخلفها المعتصمون وراءهم.

وقالت إحدى الناشطات في الجمعية ولاء الصفدي لـ greenarea.me: “شاركنا بنشاطات عدة في مجال تنظيف الشاطئ اللبناني فضلا عن التدوير والفرز، وفي أجندتنا مشاريع كثيرة خلال هذا العام منها تنظيف شاطئي البورتيميليو والبترون، فضلا عن حملات بيئية عدة خصوصا في مجال الحد من التدخين في محيط الجامعات بالتعاون مع جامعات ومنها الجامعة الأميركية”، وأضافت: “أما عن نشاطنا اليوم فهدفه التوعية والتثقيف حول الفرز والتدوير، فضلا عن اهتمام المواطنين بالمحافظة على نظافة محيطهم”.

بالمحصلة، كان تحرك ساحة رياض الصلح عفويا، وأتى المواطنون على حسابهم الخاص للمشاركة مع المعتصمين في الساحة، في تعبير عن السخط على أوضاع وطن كبله الفساد والضرائب والديون ويريدونه أفضل، وأنقى وأنظف في كافة المجالات.

 

الناشر: الشركة اللبنانية للاعلام والدراسات.
رئيس التحرير: حسن مقلد


استشاريون:
لبنان : د.زينب مقلد نور الدين، د. ناجي قديح
سوريا : د.أكرم سليمان خوري
مصر : أحمد الدروبي
مدير التحرير: بسام القنطار

مدير اداري: ريان مقلد
العنوان : بيروت - بدارو - سامي الصلح - بناية الصنوبرة - ص.ب.: 6517/113 | تلفاكس: 01392444 - 01392555 – 01381664 | email: info@greenarea.me

Pin It on Pinterest

Share This