فاديا جمعة

التباهي بقتل ضبع مخطط أمر مرتبط بموروثات قديمة، عندما لم يكن أجدادنا يعرفون الكثير عن هذا الكائن، وهو شديد الخوف من الإنسان، وإذا ما عدنا إلى الماضي لم توثق حادثة كان فيها الضبع معتديا، ولم نسمع أن ضبعا افترس إنسانا، علما أن هذا الحيوان اللاحم يعيش قريبا من الناس، في غابات ومشاعات القرى، وهو لا يصنف من بين الحيوانات المفترسة كالذئب على سبيل المثال، فهو يقتات على الجيف والنفايات.

لكن ما أثار جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي أن مواطنين قتلوا ضبعا بالأمس في بلدة كفرا الجنوبية، وطلبوا من أحد المواقع الإعلامية نشر الخبر وصورة الضبع المقتول، في تحدٍ – بحسب بيان مرفق – للجمعيات البيئية ووسائل الاعلام التي تعنى بالبيئة وتدافع عنها، لافتين إلى أنهم إذا ما تعرضوا للخطر من الضبع ليس ثمة من يدافع عنهم.

في هذه الخطوة نعذر هؤلاء الشبان، ذلك ان وعيهم بحقيقة هذا الكائن ما زال مقتصرا على أساطير لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وهم لا يعلمون أن التوعية ليست ترفا، وهنا ثمة دور لوزارات الدولة المعنية ولا سيما منها البيئة والزراعة، المفترض أن تنظم حملة إعلامية واسعة للتعريف عن الضبع اللبناني المخطط، ودوره في التوازن البيئي وأهميته في رفع الضرر الناجم عن الحيوانات النافقة، فضلا عن ضرورة التأكيد أن الضبع المخطط لا يمت بصلة إلى الضبع المنقط الأفريقي، ويمكن الاستناد في هذه الحملة على دراسة علمية مهمة أعدها في بريطانيا الخبير في الحياة البرية الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية – كلية العلوم البروفسور منير أبي سعيد، وهي أول دراسة توثق حياة الضبع بالعلم والمشاهدة.

 

د. هشام يونس: تشويه الحقائق العلمية

 

وفي هذا السياق، دعا رئيس “الجنوبيون الخضر” الدكتور هشام يونس في حديث لـ greenarea.me “الحكومة اللبنانية والوزارت المختصة البيئة والزراعة والداخلية والاجهزة الأمنية والقضائية، فضلاً عن البلديات، الى تحمل مسؤولياتها تجاه ظاهرة التفلت والتعديات السائدة على الحياة البرية والحيوانات والطيور والتي بلغت حداً يهدد توازن النظام البيئي في لبنان”.

وأضاف يونس: “البيئة هي هذا التوازن المحمي من قبل هذه الحيوانات المستباحة وعليه تقوم صحة مجتمعنا، السلامة والصحة العامة، الهواء ونقاوته والتربة ووفرة الماء وجودتهما وإستدامة كل هذه العناصر”، ولفت إلى أن “الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي معنية كذلك بتحمل مسؤولياتها وعدم اعطاء الفرصة للمتعدين على الطيور والضباع وغيرها من الحيوانات البرية بالظهور بمظهر البطل، وإشاعة الخرافة وتشويه الحقائق العلمية”.

وقال: “ان دور الحيوانات اللاحمة الأساسي في النظم البيئية وتوازنها واستدامتها هو من الحقائق التي لا تحتمل التأويل ومن دونها تختل هذه النظم وتتردى”. مضيفاً ان “تردي البيئة ومعها مستويات الصحة العامة في مناطق من لبنان مرده، الى التمدد العمراني العشوائي نتيجة غياب المخططات التوجيهية الرشيدة وهو ما قوض مواقع نشاط وملاذات الحيوانات البرية، القتل العبثي المتواصل للحيوانات البرية وفِي مقدمها اللواحم من الضباع وبنات آوى والثعالب والطيور وغيرها”.

وأردف يونس: “لقد بلغ ذلك حدودا خطرة حيث تراجعت اعداد بعض هذه الأصناف الحيوية في مناطق عدة، ودخل بعضها في مرحلة الانقراض الوظيفي، أي ان أعدادها باتت ضئيلة، وبدأت تفقد دورها الوظيفي الحيوي على مستوى النظام النظام البيئي التي تشكل فيه رأس السلسلة الغذائية، وهذا ما يؤدي الى اختلال النظم وسيطرة انواع على حساب اخرى ولهذا تأثير على حيوية واستدامة الغابة والاحراج”.

WhatsApp Image 2017-03-14 at 8.29.53 PM

ناظم للتوازن البيئي

واضاف: “ان هذه الفوضى يجب ان تتوقف وعلينا ان نعي ان تداعيات قتل هذه الحيوانات والقضاء على موائلها ينعكس علينا بشكل مباشر، اذ اننا جزء من هذا المحيط البيئي الذي تحافظ على توازنه الضباع وبنات آوى والثعالب والطيور المختلفة”.

وفِي تعليقه على مشاهدات الضباع في محيط بعض القرى، قال يونس: “ان ذلك ليس جديدا ويعود الى كون التمدد الإسمنتي على حساب المساحات الحرجية حد من مساحات تجوال ووفرة طرائد وطعام هذه الحيوانات، كما ان انتشار المكبات على اطراف القرى جذبها اليها وليس بالتأكيد (لمهاجمة) الناس كما يصور البعض، وهذا يفسر عدم تسجيل اي حالة تعرض فيها إنسان لهجوم من قبل ضبع”.

وقال: “الضباع المخططة على وجه الخصوص شديدة الحذر، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الثعالب الحمراء اكثر قدرة على التأقلم مع النشاط الحضري، وهذا يفسر اندراج فئة منها نتيجة لذلك ضمن ما يسمى الثعالب الحضرية التي تعتمد بشكل رئيسي على مخلفات المنازل، بحيث أصبحت جزءا من البرية الحضرية وباتت تتواجد في العديد من احياء لندن على سبيل المثال، الامر لا ينطبق على الضباع الحذرة جداً والأقل تكيفاً”، مشددا على “دور الضباع في الحد من انتشار الأوبئة وهو ما يفيد الصحة العامة والتربة”.

وأضاف يونس: “الحقيقة ان دور الضباع الحيوي لا يقتصر على نشاطها في المنظومة البيئية كحيوان لاحم، وبالتالي وباعتمادها من ضمن نظامها الغذائي على أصناف اخرى، فهو ناظم للتوازن البيئي، بل ايضا، وبكونها تعتاش على الجيف فهي تجول الى مدى يتجاوز ١٠٠ كلم بحثا عن الطعام، وفي سعيها هذا لا تنظف البرية وحسب، بل تحد من انتشار الأوبئة، خصوصا وان الضبع بفكيه القادرين على سحق العظام لا يخلف في الجيف شيئاً، حتى العظام والقرون والحوافر والفرو، ولا تكتفي بسحقها بل تتابع عملية الهضم بعصارة معوية قوية وتخلفها برازاً غنياً بالكالسيوم، وتعد الضباع المخططة وبنات آوى والثعالب، بعض أهم فصائل الحيوانات اللاحمة المتبقية في البرية اللبنانية مع انحسار أعداد وتواجد الذئاب”.

وقال يونس: “نؤمن ونعمل وفق مبدأ حفظ واستعادة البرية على البدء بحفظ عناصر بنية المنظومة الحيوية والتي تشكل اللواحم حجر عقدها، وبالتالي حفظ هذه الأصناف مما يتيح للمنظومة باستعادة حيويتها وتعافيها، ولا بد في هذا المسعى من اعادة إعطاء هذه الفصائل مساحتها الآمنة من خلال المحميات، لتعيد ترتيب نظامنا البيئي، وحيث تسعى وراء طرائدها من دون مخاطر التعرض للقتل والتعدي دون أي مبرر”.

 

يا صور

 

وفي متابعة لقتل الضبع، أشار مصدر مسؤول في موقع “يا صور” الذي نشر الخبر لـ green area.me: “نحن مرآة لهذا المجتمع وموقعنا منصة للجميع، نقوم بعرض ما يصلنا من قبل المواطنين، وكذلك الامر بالنسبة للبيانات الصادرة عن الجمعيات البيئية”.

وأكد أن “موقفنا محايد ولا نتبنى ما يطلب منا نشره من أخبار وصور مع ضرورة التوضيح اننا مع الحفاظ على البيئة وعلى حياة الكائنات الحية، وخصوصا المعرضة لخطر الانقراض”.

وأضاف المصدر أن “جل ما نتمناه ان تتم توعية المواطنين وارشادهم الى كيفية التعامل مع هذه الحيوانات في حال صادفتهم، وبالنسبة الى الصور الخاصة بمقتل الضبع في بلدة كفرا فقد نشرت بناء على طلب ملح ممن أرسله الى موقعنا وهذا ما يحدث غالبا”.

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This