ليس الأرز اللبناني وحده ما يميز بيئة وطبيعة لبنان فحسب، بل إن ثمة نباتات غير موجودة إلا في بلادنا، وسميت باسم لبنان أو أسماء بلداته وقراه، ومثال على ذلك النباتات النادرة الموجودة في صوفر، وبين الصخور الراسخة في تلالها، ولا سيما منها “سوسنة صوفر” Iris sofarana التي تزين جرود هذه البلدة الرابضة على تلال تطل على “وادي لامرتين”، بالإضافة إلى أزهار عدة متنوعة، وغيرها من النباتات والشجيرات والأشجار المستوطنة Endemic.

وفي هذا المجال، لا يمكن إنكار الجهود المبذولة من جمعيات أهلية وأكاديميين وهواة وبلديات في الحفاظ على التنوع البيولوجي أمام تحديات تغير المناخ، والممارسات غير المسؤولة لمن يحولون مواقعنا الجميلة لأنقاض ومناطق جرداء.

 

سوسنة صوفر

 

كان أول من وصف “سوسنة صوفر” الباحث الإنكليزي السير مايكل فوستر Sir Michael Foster في العام 1889، وحفظت عينات منها في المتاحف العلمية النباتية العالمية، ومنها متحف الجامعة الأميركية في بيروت الهيرباريوم Herbarium، وقد تم وصف نوعين من السلالات subspecies من هذه النبتةIris sofarana subsp. sofarana  و Iris sofarana subsp. Kasruwana، من قبل الباحث بول موترد  Paul Mouterde، وثمة فرق بينهما في اللون والحجم، وكان يعتقد في السابق أن “سوسنة صوفر” قد انقرضت، ليثبت أكاديميون وجودها وإن كانت نادرة ومهددة بسبب التمدد العمراني ووجود الكسارات والمرامل، فضلا عن قطفها من قبل المواطنين بهدف استخدامها كأزهار زينة، فهذه الزهرة لونها بنفسجي متدرج من اللون الفاتح إلى القاتم، وموشحة باللون الأبيض بالإضافة لبقع صفراء مميزة ورائحة جميلة.

ومع اقتراب موسم تفتحها، تم إطلاق مشروع “حماية سوسنة صوفر” بمبادرة من “منظمة اليد الخضراء” Green Hand organization بالتعاون مع “الإتحاد الدولي لحماية الطبيعة” IUCN: International Union for Conservation of Nature وبلدية صوفر وجامعة القديس يوسف (اليسوعية) USJ ومواطنين وفاعليات.

 

رضوان: حماية سوسنة صوفر

 

والتقى greenarea.me الناشط البيئي ورئيس Green Hand ورئيس اللجنة الوطنية للإتحاد الدولي لحماية الطبيعة الـ IUCN – فرع لبنان زاهر رضوان، فأكد على أهمية هذا النشاط الذي شارك فيه من الـ IUCN  المدير الإقليمي من الأردن فادي شريدي، مدير ومنسق البرامج في منطقة غرب آسيا Regional Office for West Asia الدكتور هاني الشاعر من مصر، مسؤولة العضوية رولا الملاح، الدكتورة ماغدا أبو داغر خراط من الجامعة اليسوعية، رئيس المجلس البلدي في صوفر كمال شيا، “جمعية سيدات آل شيا” وجمع من المواطنين.

وقال رضوان: “يندرج هذا النشاط ضمن سلسلة من الأنشطة البيئية والتثقيفية والتوعوية التي تنتهجها منظمة Green Hand والإتحاد الدولي لحماية الطبيعة IUCN وبتمويل جزئي من  منظمتنا، وذلك بقيمة الجائزة الأولى وقيمتها 7500 دولار التي فزنا بها من شركة فورد Ford للمنح البيئية عن مشروعنا، وهو “مشروع الحفاظ على سوسنة صوفر ”  وتقدمنا بدورنا بمشروع “حماية سوسنة صوفر” لبلدية صوفر بهدف إنشاء حديقة عامة رمزية للبلدية، وزراعة بعض النباتات الخاصة بالمنطقة وأهمها سوسنة صوفر، تعديل شعار البلدية ليشمل هذه الزهرة، ونالت الفكرة استحسانا كبيرا من المجلس البلدي”.

 

محميات مصغرة Micro reserves

 

وأضاف رضوان: “تعتبر سوسنة صوفر مصدر فخر لأهل صوفر والجوار، ومن المهم إنشاء محميات مصغرة Micro reserves ضمن مشاعات صوفر، لنزيد من وجود هذه النبتة وإكثارها، إضافة إلى إنشاء درب سياحة خاص للسياح لمشاهدة الزهرة النادرة، وسنقوم بطباعة منشورات وإقامة ندوات تثقيفية وتوعوية، كما طلبت منا جمعية سيدات آل شيا في مدينة صوفر تطوير شعار logo لجمعيتهم يمثل صورة النبتة”.

وقال: “إن صوفر محظوظة إذ أن هناك نبتتين باسمها أيضا، فعدا عن سوسنة صوفر هناك نبتة الـ Astragalus sofarensis، وسنعمل على الإضاءة عليها أيضا في مشاريع لاحقة، كما ستكون سوسنة صوفر موجودة في الحديقة النباتية المتنقلة”.

وأشار رضوان إلى أن “عملية التلقيح تتم عبر الحشرات خصوصا النحل، والبذور لا تنبت إلا بميكانيكية معينة، وهي أن النمل ينقلها إلى جحورها ويتغذى على مادة موجودة فيها وبعدها تنبت البذور، وتنتشر بمناطق محدودة بنطاق مستعمرات النمل”.

ولفت إلى ان “طريقة إكثارها صعبة، وتقوم رئيسة قسم العلوم في جامعة القديس يوسف الدكتورة ماغدا أبو داغر خراط بدراسة هذه الطريقة ومحاولة إنباتها، فضلا عن نباتات نادرة عدة، وهي المخولة بشرح هذه الميكانيكية المعقدة”.

وتابع رضوان: “نادراً ما تشاهد سوسنة صوفر في البرية، وهي مهددة بالانقراض بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني في المناطق الجبلية، فضلاً عن تدهور الموائل الطبيعية لهذه النبتة، نتيجة قطفها، ولا سيما توسع نطاق عمل المقالع والكسارات”.

 

د. مشاقة حوري:

 

وقالت الأخصائية في إدارة والحفاظ على التنوع البيولوجي Biodiversity Conservation and Management والناشطة في “منظمة اليد الخضراء” الدكتورة نسرين مشاقة حوري لـ greenarea.me بأنه “من موقعي كرئيسة لجنة التنوع البيولوجي في جمعية Green Hand، كانت لي مشاركة في هذا المشروع، فضلا عن فكرة رئيس الجمعية الأستاذ زاهر رضوان بما يخص (مشروع الحديقة النباتية المتحركة الخاصة بمنظمة اليد الخضراء) Mobile green hand botanic garden”، وأضافت: “تتمحور الفكرة حول زيارة المدارس بهذه الحديقة المتنقلة والقيام بنشاطات مع الطلاب والتعريف بأهمية النباتات وخصائصها ومنها سوسنة صوفر، وهي نبتة تتواجد في هذه المنطقة فلا يجب نقلها من مكانها الطبيعي، بل إكثارها والمحافظة عليها في بيئتها، وبهدف إنشاء مناطق محمية لهذه النبتة لنعيد انباتها فيها”،

وأضافت مشاقة حوري: “تتميز سوسنة صوفر باعتمادها النحل للتلقيح وإنتاج البذور، وعلى النمل في إكثارها، ومن المهم التنويه هنا بجهود جامعة القديس يوسف – فرع كلية العلوم، وتحديدا بفريق الدكتورة ماغدا أبو داغر خراط، وهي باحثة في مجال النباتات ولا سيما السوسنيات Irises والنباتات النادرة، وتعمل على إيجاد معرفة مواقعها في الطبيعة وإكثارها، وفي مجال سوسنة صوفر، فإن عملنا يتمحور حول القيام بمسح لمعرفة أماكن وجود هذه النبتة، أو ما تبقى منها، وسنحاول أن نحافظ على هذه المناطق وجعلها محمية، سواء كانت مشاعا للبلدية أو أرضا خاصة، وإنشاء محميات مصغرة Micro reserves، وفي حالة الأرض الخاصة، نحاول أن نتواصل مع صاحب الأرض للمحافظة على النبتة أو نقلها إلى المحمية أو الحديقة العامة التي ننوي إنشاءها في حال أراد استثمار أرضه للمحافظة عليها”.

وأضافت مشاقة حوري: “بدأنا بمشروع سيكون جاذبا للمواطنين والمهتمين، له علاقة باسم لبنان أو بلدة من لبنان، وأحدها سوسنة صوفر، فتوجهنا إلى البلديات، وفي هذه الحالة، فإن بلدية صوفر، وكون الزهرة مسماة باسمها، يهمها هذا الأمر، كما أن العمل معا سيساهم بالعناية بهذه النبتة النادرة والحفاظ عليها، ولتصبح هذه الزهرة شعارا للبلدية، كما تتواجد هذه النبتة في ضهر البيدر أيضا، وتواصلنا مع رئيس البلدية، بهدف إنشاء حديقة عامة وزرع هذه النباتات إضافة إلى نباتات أخرى، خصوصا المسماة على اسم صوفر Astragalus Sofarensis، وسنعمل على حماية كافة النباتات الخاصة بهذه المنطقة، وستكون فرصة للطلبة والسياح للتعرف على هذه النبتة والمنطقة، فضلا عن انشاء درب خاص لمشاهدة الزهرة في موطنها كنوع من السياحة البيئيةEcotourism  في المستقبل، وسيكون مشروع سوسنة صوفر مشروعا تجريبيا Pilot Project بهدف تعميمه على عدد كبير من بلدات لبنان، خصوصا المناطق التي سميت نباتات باسمها مثل القرنة السوداء وغيرها، وبهذا نؤسس فروعا للحديقة النباتية ونحمي النباتات في مناطقها، وسنستفيد من نجاح هذا المشروع علميا وسياحيا واقتصاديا بوجود المزيد من الأكاديميين والزوار والسياح، فضلا عن انعكاس هذا الأمر على اقتصاد المنطقة”.

 

شيا

 

وقال رئيس بلدية صوفر كمال شيا لـ greenarea.me “سوسنة صوفر لها قيمة بيئية نباتية مميزة، وهي إحدى الأزهار التي توجد في لبنان فحسب، وفي مواقع قليلة معينة، وتم اكتشافها لأول مرة في بلدتنا وهي زهرة جميلة، وتواجه معوقات متعددة لجهة إعادة إنباتها منها تأثرها بالهواء والمياه، فضلا عن أن مكانها المناسب قرب الصخور، حيث لا يوجد انجراف للتربة، وهو ما يميز منطقة صوفر”.

وأضاف: “تؤثر المبيدات على النحل الذي يقوم بتلقيحها، كما يعمل النمل على نقل بذورها والتغذي على قسم منها ويساهم في إنباتها في مجال ضيق، وسنحاول المتابعة بإنشاء Micro Reserves وحديقة في الأملاك العامة، ونقل النباتات من الأملاك الخاصة بالطرق العلمية وبإشراف خبراء”، وأكد شيا “اننا متابعون في صوفر للمحافظة على المواقع البيئية والأثرية لأسباب بيئية واقتصادية بهدف السياحة البيئية”.

ووفقا لموقع IUCN الخاص باللائحة الحمراء للكائنات الحية المهددة، فإن سوسنة صوفر تعاني من مخاطر عدة، منها: العمران الذي يزحف على المناطق التي تتواجد فيها، واستعمال المبيدات التي تقضي على النحل، ونشاطات التزلج خلال الشتاء، وتحويل بعض هذه الموائل لحقول زراعية للأشجار المثمرة، أما التهديد الأكبر فيتمثل في الكسارات والمرامل التي تقضي على موائلها بشكل كامل.

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This