د. ناجي قديح

مرة أخرى نرى ضرورة رفع صوت التحذير من الذهاب لاعتماد المحارق في سياق البحث عن مواجهة أزمة النفايات المتمادية في لبنان.

مرة أخرى نرى ضرورة تكرار القول أن أزمة النفايات في لبنان هي أزمة إدارة وسياسة، وإصرار على استسهال الخيارات، التي تؤمن أعلى معدلات الفساد على حساب بيئة لبنان وصحة شعبه وماله العام.

يكثر الحديث مؤخرا، في كل الأروقة، وعلى كل المستويات، بما فيها البلديات الصغيرة واتحادات البلديات، عن السير باعتماد المحارق للتعامل مع النفايات، محارق من كل الأحجام والأنواع، على الرغم من تحذيراتنا المتكررة، وتحذيرات كل البيئيين من أصحاب الفكر والعلم والتجربة.

ندعو الجميع، من بلديات واتحادات بلديات، ومن قوى سياسية تقف وراءها، ومن نواب ووزراء في الحكومة، معنيين مباشرة أو بطريقة غير مباشرة في البحث عن مسارات التعامل مع النفايات، لأخذ العلم بأن السير باعتماد المحارق الصغرى والوسطى والكبيرة، من كل الأحجام والأنواع والتكنولوجيات، وتحت كل التسميات التي تستعمل، ولا سيما مصطلحي “التفكك الحراري” و “من نفايات إلى طاقة”، مرورا بالمحارق الصغيرة من طراز “وجاق” ضهور الشوير، وهدية بلدية صور القابعة في الحديقة بانتظار وثائق التصريح لها بالعمل، وصولا إلى كل تلك النماذج، التي يتم الترويج لها على أنها فعَّالة وآمنة، هي ليست كذلك، لا في لبنان ولا في خارجه، بل تترافق بمخاطر كبيرة على البيئة والصحة العامة، لهذا الجيل والأجيال القادمة.

يحصل هذا من طيف واسع من المعنيين والمهتمين بدوافع مختلفة، منهم من ضاق ذرعا بأزمة النفايات المتمادية، والجاثمة بكل ثقلها البيئي والصحي على صدور اللبنانيين منذ سنوات، ومنهم من تجذبه الدعاية التي تصف المحارق بما ليس فيها حقا من صفات، أو أنها تخفي ما فيها من خصائص تشكل خطرا حقيقيا على سلامة البيئة وآمان الصحة العامة وحفظ المال العام. وهناك أيضا، من يجهلون بصدق مخاطر المحارق، ويكتفون بالنظر إلى الأمر ببساطة، دون معاناة البحث عن كل الحقائق الكامنة وراء التهديدات البيئية والصحية، التي دأبنا على تكرارها والتحذير منها، لأننا نعتقد صادقين أننا نعرف ما يجهله الكثيرون عن هذه التقنية ومخاطرها، وأننا نقدر بحق حجم هذه المخاطر في الظروف الملموسة والمعاشة في لبنان، ولأننا نرى أن هناك حاجة، على درجة عالية من الإحاح، أن يتم تغيير النظرة جذريا للتعامل مع النفايات، من نفايات علينا التخلص منها، إلى موارد علينا استردادها، حفظاً لموارد الطبيعة، وحمايةً لسلامة البيئة، ووقايةً لأمان الصحة العامة، وعقلنة التصرف بالمال العام بعيدا عن كل أشكال الفساد والهدر والسرقة.

للوهلة الأولى، تبدو محارق النفايات حلاً مثاليا وبسيطا لمسألة ماذا نعمل حيال الكميات الهائلة والمتزايدة من خليط النفايات الصلبة المنزلية، التي تتولد كل يوم.

فمن خلال الحرق، أي عملية “التفكيك الحراري” للمواد بواسطة الأكسدة (أي بوجود فائض من الأوكسجين)، على درجات حرارة عالية نسبيا ما بين 600 و1200 درجة مئوية، يتم اختزال حجم النفايات بنسبة تصل إلى 90 بالمئة، ووزنها بما يصل إلى 70 بالمئة. ويتم أيضا اختزال تلوثها الميكروبي لدرجة عالية جدا، وكذلك، ولو جزئيا، يتم تخفيف سمِّية بعض مكوِّنات النفايات المتربطة ببعض المواد العضوية.

ببساطة، بواسطة الحرق، تتحول كتلة النفايات غير المتجانسة إلى غازات وبقايا صلبة، وتحديدا الرماد والرماد المتطاير…

ولكن، إن الدرس المعمق لعملية الحرق بكل تفاصيلها، يُظهِر أنها مثقلة بالمشاكل والمخاطر والتهديدات حيال البيئة والصحة البشرية، وذات تبعات إجتماعية وإقتصادية هامة. كثير من هذه المشاكل والمخاطر والتهديدات قد جرى إثباتها علميا، والتثبت من حقيقتها وحقيقة ما ترتبه من نتائج سلبية كبيرة على سلامة البيئة والصحة البشرية.

ليس كل آثار حرق النفايات قد جرى درسها والتعرف عليها، بل هناك آثار لا تزال قيد الدرس والبحث، ولم تظهر بعدُ كل أبعاد مخاطرها وتهديداتها. هناك العديد من آثارها الكامنة وبعيدة المدى، التي نعرفها بالإستقراء العلمي نظريا، ولا تزال تحتاج إلى مزيد من الأبحاث والدراسات للتحقق من أبعاد وأحجام وخطورة وعمق واستمرارية تأثيراتها على الصحة البشرية وسلامة المنظومات البيئية.

يظهر بعض هذه المخاطر الكامنة بكل قوة ووضوح عند وقوع الحوادث، وهي كبيرة العدد وعالية احتمال الوقوع، في كل أنواع المحارق وفي كل البلدان، بما فيها الأكثر تقدما وتطورا تقنيا في أوروبا وأميركا واليابان، عدا عن الحوادث التي تقع في العديد من البلدان النامية، وتلك ذات الإقتصادات الإنتقالية والناشئة.

 

الناشر: الشركة اللبنانية للاعلام والدراسات.
رئيس التحرير: حسن مقلد


استشاريون:
لبنان : د.زينب مقلد نور الدين، د. ناجي قديح
سوريا : د.أكرم سليمان خوري
مصر : أحمد الدروبي
مدير التحرير: بسام القنطار

مدير اداري: ريان مقلد
العنوان : بيروت - بدارو - سامي الصلح - بناية الصنوبرة - ص.ب.: 6517/113 | تلفاكس: 01392444 - 01392555 – 01381664 | email: info@greenarea.me

Pin It on Pinterest

Share This