نسي الجميع ممن شاركوا بالأمس في تدشين الشبكة المائية الجديدة (نفق مشروع جر مياه نهر الأولي إلى بيروت الكبرى)، أن يقولوا بأن المياه عكرة وملوثة بمجاري الصرف على مدار السنة.

كان من المفروض منطقيا ان ينجزوا شبكة مجاري ويرفعوا النفايات من كل القرى والبلدات التي تصب في النهر بدءا من الباروك وصوﻻ الى البحر.

لم يتحدث أحد عن جيولوجية موقع سد بسري غير المناسب، تماما مثله مثل موقع سد جنه وبقعاتة كنعان التي تلحظها “اﻹستراتيجية الوطنية لقطاع المياه” المتبعة في لبنان منذ أيام الوزير جبران باسيل.

يريدون أن يبنوا السد فوق جرفيات نهرية وصخور كلسية كارستية مشققة، ومفسخة ومليئة بالفراغات (دلت عليها حفر آبار عدة غير مرخصة قليلة العمق في مزرعة بسري)، صخور متل المصفاة سوف تسرب قسما كبيرا من مياه السد. هذا عدا عن الوضع التكتوني السيء جدا، لقرب الموقع من فالق روم الناشط زلزاليا، وهو متفرع من فالق اليمونة الذي يتحرك باتجاه (شمال شرق) بتباعد بين الصخور، قام بقياسه عالم التكتونيك الفرنسي المشهور Tapponier بحوالي 9 ملم سنويا، وليس كما حاول تلميذه ان يوحي بأن لا أثر زلزالي لفالق روم الناشط على سدّ بسري (يا زميلنا روم هو فرع من اليمونة، اليمونة متحرك اذن روم متحرك والمخاطر الزلزالية موجودة ضمن كل منطقة بسري حيث يمر هذا الفالق)، يدل على ذلك ايضا ارشيف الزﻻزل لهذه المنطقة.

واضح أن المشروع كله مشروع انشائي مالي، نشك كثيرا بجدواه في حل أزمة نقص المياه في العاصمة، وهل سأل أحد ما كلفة المتر المكعب من المياه في حال وصوله للمواطن في بيروت، هذا اذا وصلت المياه فعلا؟!

المشروع “فاسد علميا”، ﻷنه ﻻ توجد دراسات جيولوجية أو هيدرولوجية أو تكتونية أو اعمال حفر استقصائية، تستطيع أن تبرر انشاء سد بسري في هذا الموقع الجيولوجي السيء جدا. انه مشروع جديد آخر “لمافيا الباطون والحديد”، ومافيا هدر المال، الديون ومراكمة ديون على الخزينة.

البديل المنصوص عنه في كل الدراسات الجيولوجية والهيدروجيولوجية الفرنكوفونية الفرنسية التي تم العمل عليها طويلا في لبنان هو باستثمار المياه الجوفية.

هذه المعطيات العلمية الفرنسية المنشأ، غائبة تماما عن مشاريع يديرها مهندسون واضح انهم خريجو جامعات أنغلو سكسونية، لم يعرف عنهم عملهم او اطلاعهم (ربما لا يتقنون اللغة الفرنسية) على جيولوجيا لبنان، أو على مشاريع مهمة للثروة المائية (بإستثناء أشغال المرحوم الدكتور زياد بيضون الذي تشرفت بالعمل معه لمدة سنة في الجامعة اﻷميركية أثناء تحضير اطروحتي).

العلم يقول أن التخزين السطحي بواسطة السدود غير مناسب للطبيعة الجبلية اللبنانية. وانتم تسيرون بعكس التوصيات العلمية الواضحة.

انظروا الى نتائج سدي بريصا وبلعة الكارثية، قاعدة السد تسرب المياه نحو العمق الصخري، ﻷن الموقع هو للتخزين الجوفي وليس السطحي، هكذا تقول الطبيعة فهل ستخالفوها في بسري ايضا وتخسرون؟!

متى تعودون الى العلم؟ الى التشاور مع اﻵخرين ذوي التخصصات اﻷساسية في مشاريع مفيدة ومناسبة لسد النقص الحاصل سنويا في المياه في بلدنا؟ الذي قال عنه الجيولوجيون والهيدروجيولوجيون الفرنسيون بأنه بلد المياه في الشرق اﻷوسط!

 

*خبير هيدروجيولوجي

 

Pin It on Pinterest

Share This