من المتوقّع أن تبدأ أعمال تنفيذ المرحلة الأولى من مرفأ جونية السياحي مطلع عام 2017 المقبل، بعد أن رست المناقصة على شركة «أبو رجيلي للتعهّدات» وصرف لها مبلغ 3 ملايين دولار من أصل 80 مليوناً، وهي كلفته الإجماليّة. الخطوة وما تبعها من تهليل إعلامي، تبقى منقوصة لعدم توفّر كامل الاعتمادات، ولنشوئها باتفاق يزيد من حجم التعدّيات على الأملاك البحريّة العموميّة، ولكونها ملحوقة بارتدادات سلبيّة على البنى التحتيّة في المنطقة المُهملة منذ عقود

فيفيان عقيقي- الاخبار

ليست هذه المرّة الأولى التي يوضع فيها حجر أساس لبدء أشغال إنشاء مرفأ جونية السياحي. فقد سبق ذلك احتفالات عدّة تعلن بدء الأشغال لكن من دون أن تسفر عن إبصار المرفأ النور. تبدو الخطوة هذه المرّة، أكثر جدّية، ولو أن المبالغ المصروفة لا تشكّل أكثر 13% من الكلفة الإجماليّة لإنشائه.

تنطلق فكرة إنشاء مرفأ سياحي، بحسب وزارة الأشغال العامّة والنقل، من مبدأ الإنماء المتوازن بين المحافظات كافة، ولعدم وجود مرفأ سياحي يتوافق مع المعايير العالميّة في كلّ لبنان، ولكون مرفأ بيروت (كما غيره من المرافئ) ما زال كما كان عليه منذ الستينيات فيما يتعلّق في مجال الملاحة واستقبال السفن السياحيّة ونقل الركّاب ولم يطوّر ليفي بالحاجة المطلوبة.
عام 2007، كلّف مجلس “الإنماء والإعمار” شركة BMT الألمانيّة دراسة الشاطئ اللبناني وتحديد الموقع الأنسب، فوقع الخيار على جونية في البقعة الواقعة بين المجمّع العسكري التابع للجيش اللبناني ومنتجع Portemilio السياحي، أولاً لكون عمق المياه يبدأ من 15 متراً وصولاً إلى 50 متراً، ثانياً لإطاره الجغرافي وجواره المتكامل وثالثاً لوقوعه على مسافة متوازية بين المدن الساحليّة الرئيسة. فصدر القرار رقم 179 المتعلّق بإنشائه عن مجلس الوزراء عام 2008 بناءً على كتاب مرفوع من وزير الأشغال العامّة والنقل آنذاك محمد الصفدي، واستناداً إلى مراجعة قدّمها نائبا القضاء نعمة الله أبي نصر وفريد الخازن، ورصد له مبلغ 35 مليون دولار أميركي ككلفة إنجازه، عاد ورفع إلى 47 مليون دولار، وسحب الملف من “مجلس الإنماء والإعمار” وحوّل إلى مديريّة النقل البريّ والبحريّ في وزارة الأشغال، باعتبار أن لديها استشاريين وعاملين يملكون ما يكفي من الخبرات في المنشآت البحريّة والمرافئ.

تعدّيات على الأملاك العموميّة

تعود المُطالبة بإنشاء مرفأ سياحي في جونية إلى ما قبل عام 2000، حيث تنقّل بين ثلاثة مواقع قبل أن يستقرّ في موقعه الحالي في محلّة صربا – الكسليك، بمحاذاة أرض تابعة للرهبنة اللبنانيّة المارونيّة. وهو رغم ذلك، لم يسلك سكّة التنفيذ إلّا في أواخر عام 2016، بسبب عدم صرف الأموال المرصودة له، ولعدم انتهاء الدراسات الاقتصاديّة والهندسيّة والتفصيليّة المتعلّقة به، إضافة إلى الإشكال حول العقار المحاذي له الذي تملكه الرهبنة اللبنانيّة المارونيّة ويتبع إدارياً لدير سيّدة نسبيه في غوسطا.
أعطت الرهبنة اللبنانيّة المارونيّة حقّ استثمار العقار المذكور (مساحته 50 ألف متر مربّع) إلى رجل الأعمال حبيب أبي حبيب منذ أكثر من خمس سنوات ولنحو 25 سنة، لبناء منتجع سياحي على الواجهة البحريّة، إلّا أن قرب الموقع من القاعدة البحريّة العسكريّة حال دون ذلك، إلى أن توصلت الدولة اللبنانيّة إلى اتفاق مع كلّ من الرهبنة وأبي حبيب، يقضي باستثمار جزء من العقار (5500 متر مربّع) لإنشاء المرفأ مقابل حصول الطرف الثاني على حقّ استثمار الأملاك البحريّة العموميّة وردم البحر لإنشاء مارينا لليخوت الصغيرة الخاصّة تابعة للمنتجع السياحي.
ترفض الرهبنة الحديث في تفاصيل الاتفاق مع الدولة اللبنانيّة أو العقد المبرم مع المستثمر، بالنسبة إلى الأب جوزف قمر “المشروع عادي كغيره من المشاريع السياحيّة، لم تعرقل الرهبنة قيام المرفأ سابقاً لتسهّل تنفيذه اليوم للاستفادة من أي مشروع، فهي أجّرت الأرض ليتم استثمارها”.

تنفيذ على 3 مراحل

تبلغ كلفة المشروع اليوم نحو 80 مليون دولار أميركي، سبق أن رصدت الدولة اللبنانيّة 47 مليون دولار منها (70 مليار ليرة لبنانيّة) وصرفت منها 1.4 مليار ليرة لاستكمال الدراسات و11.9 مليار لبدء الأعمال، فيما عرضت هيئة موانئ المتوسط تغطية الكلفة الباقية متى انطلق المشروع لاستفادتها من وجهات جديدة سيضيفها المرفأ على الخريطة السياحيّة.

ينقسم المشروع إلى شقّين، بحسب الدراسة الهندسيّة التي أعدّتها شركة Seateck، ويتضمّن الشقّ الأوّل المخصّص للمرفأ السياحي سنسولاً بطول 3 كيلومترات، حوضاً للبواخر السياحيّة الكبيرة التي تتسع لنحو 5 آلاف راكب بمساحة 350 متراً مربّعاً وعمق يصل إلى 50 متراً، ومرسى ومكاتب للأمن العام وإدارة الجمارك ومواقف وصالة لاستقبال الركّاب، فيما يتضمّن الشق الثاني مارينا لليخوت (على الأملاك العموميّة) تابعة للمنتجع السياحي الذي سيُبنى في عقار الرهبنة.
فيما سينفّذ على ثلاث مراحل في فترة افتراضيّة تمتدّ إلى 4 سنوات بحسب توفّر الاعتمادات؛ لزّمت المرحلة الأولى بموجب مناقصة رست على شركة أبو رجيلي للتعهّدات بقيمة 4.4 مليار ليرة لبنانيّة على أن تنطلق الأعمال بداية عام 2017، وتقضي بتسوية الأرض البريّة وحصرها باتجاه البحر. فيما تقضي المرحلة الثانية باستكمال الحوض ومكاتب الجمارك والأمن العام وصالات الاستقبال والسوق الحرّة، على أن تشمل المرحلة الثالثة استكمال ما تبقّى من السنسول البحري والذي يستحوذ على الكلفة الأكبر من المشروع.مشروع حيوي ولكن!

يعدُّ هذا المشروع الأوّل والوحيد في لبنان المطابق للمواصفات العالميّة، وهو كفيل بتحويل جونية إلى محطّة مهمّة في شرق البحر المتوسط، ما يضفي عليه أهمّية حيويّة، بحسب رئيس بلديّة جونية جوان حبيش، أولاً لقربه من الأسواق التجاريّة (نحو كيلومتر واحد)، ثانياً لوجود شبكة طرقات توفّر سهولة الانتقال شمالاً وجنوباً ونحو الداخل وقربه من سكّة الحديد، ثالثاً لتوفيره أكثر من ألف فرصة عمل نظراً إلى الخدمات والأعمال التي ستنمو في محيطه، ورابعاً لانعكاسه على حركة الفنادق والمطاعم في المنطقة. إلّا أنه ينطوي على ارتدادات اجتماعيّة سلبيّة في الظروف الاقتصاديّة الراهنة لرفعه مستوى أسعار الأراضي والكلفة المعيشية في المنطقة بما يفوق الدخل الفردي للسكّان، ويضاف إلى ذلك تهالك البنى التحتيّة وعدم قدرتها على استقبال آلاف المسافرين.
الاستفادة المثلى من المرفأ لا تتحقّق إلا بتنفيذ شبكة المواصلات التي وعدت بها المنطقة، بحسب ما يشير العميد المتقاعد شامل روكز، كونه “من المهم تنفيذ شبكة الطرق التي أعدّت لقضاء كسروان، لتسير بالتوازي مع بدء أعمال تنفيذ المرفأ، وهي توسيع أوتوستراد جونية الساحلي عبر مجلس الإنماء والإعمار، وتنفيذ مشروع نفق بكركي – حريصا، الذي يمتدّ من عوكر إلى العقيبة على الطريق البحريّة، ويساهم في تخفيف زحمة السير، وتنفيذ الطريق الجبليّة التي تنطلق من يسوع الملك حتى جامعة سيدة اللويزة وصولاً إلى المناطق العليا، وطريق وطى الجوز التي توصل كسروان بالفتوح، لما يساهم ذلك في تسهيل عملية التنقل في القضاء، وتطوير السياحة فيه، إضافة إلى وصله بالأقضية الأخرى شمالاً وجنوباً”.

Pin It on Pinterest

Share This